الشتائم الجنسية.. "مقاومة" و"تحرر" من نوع جديد



رحمة حجة

فكرة (1)
"هاي المسبّات اللي بتفش الغّل".. المبرر الذي ت/يسوقه شبان وشابات خالطتهم من أجل تسويغ "الألفاظ الجنسية" في شتائم يطلقونها على المختلفين معهم/ن من الناس، أو على كل مزعج ومغضب في حياتهم/ن.

فكرة (2)
طفل يبلغ من العمر عامين، يطلق إحدى الشتائم الجنسية، فتضحك أمه أو يضحك أبوه، فيظن الأول أنها "شيء رائع" فيكرره، وفي كل مرة يسمعه الأصحاب والأقارب يضحكون أيضًا له، ويكبر الطفل ويظل معه "الشيء الرائع".

فكرة (3)
تصفح مواقع إخبارية أو حتى ترفيهية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وملاحظة التعقيبات على كثير من المنشورات (مكتوبة/ مصورة/ مسموعة)، يطالعك كم هائل من الشتائم الجنسية، إما على المنشور ذاته، أو جرّاء نشوب خلافات في الرأي بين المعقبين أنفسهم.

فكرة (4)
يلعن بعض "المثقفين" الذين يروجون لأنفسهم بأنهم "متحررون تقدميون" كل من يخالفهم الرأي باستخدام شتائم جنسية علنًا، عبر منشوراتهم، والملفت ليس فقط علاقة "حرية الرأي" بالتقدميّة، إنما الشتائم نفسها التي تحمل في ذاتها ذكورية عالية "ابن ال..ـــــة" و"....امك"، فكيف تلتقي مع من ينادي بحرية المرأة، وشيء ملفت آخر، أن نساء يستخدمن ذات الشتائم!

ممممممم أحاول عبر هذه الأفكار رصد الملاحظات اليومية، التي جرّتني لكتابة هذا المقال، لاسيّما بعد تعرضي لهجمة شرسة من الشتائم الجنسية من "مناضلين فيسبوكيين" لأنني فقط تساءلت عن لافتة كتب فيها أحدهم معترضًا على تيار أسماه "ضد المقاومة"، بالقول إن كل شخص منه هو "ابن حرام"! وهذه اللافتة سارت في شوارع رام الله واحتفى بها مناصرو "المقاومة" عبر صفحاتهم  الشخصية.

وكنموذج صارخ للشتائم الجنسية في مواقع التواصل الاجتماعي، صفحة الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، الناطقة باللغة العربية (لأنها موجهة نحو الجمهور العربي بالأساس)، التي يتابعها أكثر من 543,817  ناشطًا عبر الفيسبوك، وغالبيتهم من الفلسطينيين والعرب بالتأكيد، وتتركز مهمة معظمهم على صياغة شتائم جنسية وإلقائها أسفل كل منشور لأدرعي. والناظر للأمر من بعد، يجد أدرعي القائد الذي يحتفي بجيشه ويوجه رسائل قصيرة للعرب بلغتهم الدينية حينًا والاجتماعية أحيانًا أخرى، وفي المقابل "يقاوم" متابعوه هذا الوجه "الملمّع" للاحتلال بالشتائم الجنسية!

وبرأيي، فإن السبب الرئيس لاستخدام الشتائم الجنسية في أي حوار هو ضعف موقف مُطلقها وقدرته على الإقناع، الذي يعود أساسًا إلى عدم نضج الفكرة لديه بشكل يمكنه من الدفاع عنها.

وفي هذا الشأن، يعرّف اجتماعيون الشتيمة الجنسية بأنها "نوع من التنفيس الاجتماعي مثلها مثل الحرية الصحافية في التعبير عن حرية الرأي"، وتقوم على توجيه الإهانة من خلال ذكر الجهاز التناسلي للمرأة, والذي يثبت حقيقة ذلك غياب شتم ومسبة للعضو الذكوري, على اعتبار أن الرجل "لا يعيبه جهازه التناسلي، بينما شتم الجهاز الأنثوي له تأثير على مكانة المرأة الاجتماعية التي تعني أنها أقل بكثير من مكانة الرجل" حسب باحثين.

وحول أسباب انتشارها، على المستوى العربي، ترى باحثة مصرية أنها  نوع من "إزالة الحواجز والدخول إلى عالم الآخر الخاص من خلال شتمه"، كما يعتقد باحث آخر أنها "حرمان غير واعي تجاه العلاقة الجنسية".
.

وعن استخدام الشتائم في الحوارات، تقول الباحثة  إن مُطلقها "يرى الآخر سلعة، أو شيئا، وينظر إلى الحوار معه من منطلق أنه هو من يحرّكه ويقوده وإن تظاهر بأنه يتحبب إليه".

والجنس ليس وحده موضوعًا للشتائم، فهناك الشتائم الدينية والمتعلقة بالمرأة، ولأن هذه الثلاثة لها خصوصية ونوع من التحفظ في المجتمعات العربية، قد تكون الشتيمة "تعويضًا لفظيًا عما يرغبه الشاتم"، وفق باحثين، أي أن الشاتم يكسر لفظيًا ذاك التحفظ المحيط بتلك الموضوعات، معتقدًا أنه استطاع النيل منها عبر تحقيرها وتسخيفها.

وفيما يرى بعض الباحثين أن تاريخ الشتائم الجنسية مرتبط بعصور تدنّت فيها النظرة للمرأة، يرى آخر أن الأصل في الشتائم الجنسية الهالة القوية المحيطة بالمرأة التي تحفظها من المس، حيث تحاول الشتائم كسر تلك الهالة وإيصال الشعور بالإهانة من خلال "انتهاك المقدس والمصون".

علمًا أن هذا الربط بين المرأة والشتائم الجنسية يعود إلى أنها تقوم في معظمها على ذكر الأعضاء التناسلية للأولى أو ذكرها ضمن صياغات أخرى متنوعة تستند إلى مفهوم "قذف المحصنات" في الإسلام على وجه الأساس، كمثل "يا ابن الزانية"، أو تلك الألفاظ المفردة مثل "ش... و ق... عا.." إلخ من معجم الشتائم العربي الحافل.

وإذا ما عدنا للنظرة الأولية حول أسباب الشتائم الجنسية التي أول ما تخطر على البال، أقصد "التربية"، وكنتُ ذكرت فكرة حول تصرفات الأطفال الخاطئة التي تُقابَل بالضحك، فإن النفسيين يرونها "نتاجا تربويا خاطئا، لأنها مكتسبة، وهي نتاج بيئة وتربية أسرية".

وأتذكر هنا تعقيبًا لصديقة على موضوع كيل الشتائم الجنسية في منشورات المواقع الإخبارية، أنها ببساطة تعكس ثقافة الشاتم. الشيء الذي يقود إلى اعتبار "الشتيمة" ثقافة فعلًا، وربما أسلوب حياة لدى الكثيرين.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"