الباحث عودة الله: لماذا لا يوجد لدينا لغاية الآن ملجأ عمومي واحد؟





رحمة حجة

تساءل الباحث في دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفي، خالد عودة الله "من أين لنا هذه الثقة بإسرائيل وبحالة الأمن.. لماذا لا يوجد ملجأ عمومي واحد في هذه البلاد".
في إشارة منه إلى غياب الأمن المجتمعي في الأراضي الفلسطينية، رغم كل ما قامت به إسرائيل من عمليات اجتياح واقتحام وقتل بحق الفلسطينيين.
وقال عودة الله إن "تعاملنا مع التاريخ تعامل سطحي. نحن نعرف أننا هزمنا، لكننا لا نعرف التفاصيل. لا نعرف لماذا هزمنا، وإذا سُئلنا عن ذلك تكون إجاباتنا عامة".
وأكد أن إحدى الضرورات لتحويل حقل دراسات الحرب إلى ثقافة شعبية، "التعامل بشكل علمي ورصين مع تاريخنا العسكري"، مردفًا: نحن لنا تاريخ عسكري طويل. والشعب الذي لا يهتم لعلم الحرب هو شعب مستسلم.
وجاءت أقوال الباحث عودة الله، خلال محاضرة بعنوان "مقدمة إلى دراسات الحرب"، ضمن سلسلة "ندوات فلسطينية"، مساء الاثنين، في المحكمة العثمانية برام الله.
واستكمالًا لمفهوم الأمن المجتمعي، قال عودة الله، إن هناك نوعين من الدفاع: إيجابي وسلبي، والأخير يعني تحصين الذات وتطوير الحس الأمني لدى الناس، بحيث يستطيعون التقاط الحركات المشبوهة حولهم.
مؤكدًا أن إسرائيل تسعى إلى تدمير الحصون النفسية لدى الفلسطينيين، لذلك، ليس المطلوب أن نقاتل، وأضعف الإيمان –رغم أن هذه العبارة تدّني السقف- يجب إيجاد حد أدنى من الأمن المجتمعي.
وأشار عودة الله، إلى مثال جلّي على التهديد الي يعيشه الفلسطينيين، من خلال كاميرات المراقبة المنتشرة في شوارع المدن الفلسطينية، والواصلة بينها، قائلًا: في المواجهات التي جرت مؤخرًا في بلدة شعفاط (شمال القدس)، لاحظنا أن أول ما فعله الشبّان كان أن غطّوا الكاميرات بأكياس بلاستيكية. إذًا نحن مجتمع مهدد ويعيش حالة انكشاف، فكل ما يدور فيه مكشوف. نحن من أكثر المجتمعات اختراقا في العالم.

"ممارسة متغيرة"
وعن دراسات الحرب، قال عودة الله، إننا نعيش في منطقة حروب منذ عام 1917 حتى الآن،  الأمر الذي يبدو واضحًا. مردفًا: والسؤال الفلسفي، هل أصل الإنسان عنيف أم أن العنف شيء طارئ؟ على ما يبدو أن الحرب وجدت منذ أن وجد آدم، لكن العرب يصرّون أن يكونوا ضحايا للحرب لا دارسين لها.

وتُبنى دراسات الحرب على نقاط عديدة، وفق عود الله، أهمها:
       - الحرب ظاهرة اجتماعية ثقافية لا يمكن اختزالها في النزاع المسلح فقط.                     المجتمعات تتحارب وليس الجيوش

  
البعد التاريخي، حيث لا يمكننا فهم هذه ظاهرة الحرب، دون وضعها في سياقاتها التاريخية والانتباه لتحولات مفهومها عبر التاريخ، إذ انها ممارسة متغيرة.
ليس للحرب وجود مستقل عن الأطراف التي تشارك بها. فهي ظاهرة اجتماعية وثقافية، هناك مثلا حرب على الطريقة الاميركية وأخرى على الطريقة الروسية والألمانية والصهيونية، فالثقافة تنتج فكرًا حول الحرب حسب المجتمع الذي يمارسها.
- البعد النفسي والسيكولوجي والروح المعنوية للمجتمع، ولا يمكن فهمها فقط في إطار القتل والقصف. حيث تستهدف الأطراف الوصول إلى النواة الصلبة والتأثير على الروح المعنوية. وهنا تنتهي هذه الحرب.
- الحرب ظاهرة فلسفية.
الحرب نشاط علمي بمنهجياتها وفرضياتها التقنية، والحروب كانت عاملًا أساسيًا في التطور العلمي. فالإنترنت مثلًا كان مشروعًا لوزارة الدفاع الأميركية، الذي طورته في الحرب الباردة، كما أن "جوجل" إذ يقوم على فكرة التنجيم عن المعلومات، يقوم على فكرة استخباراتية بامتياز.
- الحرب أيضًا نشاط فني (شعر/ فن/ موسيقى) ومثال عليه، نشأة المدرسة التكعيبية في الفن، نتيجة التصوير الجوي العسكري.
- الحرب نشاط أخلاقي كذلك، الحرب العادلة والشرعية. وانتقلت الحرب من حرب الجيوش إلى حرب العصابات وتمت إعادة تعريف المحارب عبر الزمن.
وتتم في "تل أبيب" صناعة فلسفة أخلاقية على نمط الفلسفة الأوروبية، من أجل أن تتلاءم حروب إسرائيل المتغيرة. بمعنى بناء منظومة أخلاقية تتلاءم مع واقع المجتمع وجهد المجتمع الذي يعيش حالة حرب.
"عدو للطرفين"
وفي استكمال الحديث عن دراسات الحرب، قال الباحث في دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفي، خالد عودة الله، إن الحرب تمتلك منطقها الخاص بغض النظر عن المحاربين.
متابعًا: وبمجرد بدء العمليات العسكرية تتحول الحرب إلى عدو للطرفين المشاركين بها؛ حيث يتواجه كل طرف مع الحرب ذاتها.
وأكد عودة الله، أن المجتمعات المهزومة تحتاج جهدًا كبيرًا للخروج من حالة الهزيمة، كما أن النشاط الحربي لا يتوقف بمجرد وصول طرف إلى حالة الإذعان.
وعن الحرب والسياسة، قال عودة الله إن الأخيرة استمرار للأولى، لكن بطرق أخرى. مضيفًا "السياسة أيضًا حرب"
وعندما يصل النشاط السياسي والنشاط الدبلوماسي إلى طريق مسدود يتحول إلى نشاط عسكري. 

"الدولة تقاوم الثورة"
وقال عودة الله، إن الحرب "تصنع رؤيتنا للعالم"، مضيفًا أن "إدراكنا البصري للعالم يصبح كأننا ننظر من فوق، أي ندرك كل ما يحيط بنا. وأساسًا رؤية العالم من الأعلى بدأت كتقنية عسكرية استخباراتية".
وتابع: اليوم كل الحروب هي حروب عصابات تقوم بها مجموعات من غير الأفراد في الدولة القومية(...) ومنذ 60 عاما تقريبًا لم تنتصر دولة قوية على حرب العصابات.
وعن دور الشباب في الحرب، قال عودة الله، إن هذه الفئة تحديدًا تتعرض لغسيل دماغ بشكل كامل، فالحرب أساسا "نشاط شبابي بامتياز".
 وعزا بعض علماء النفس كثيرًا من مشاكل الشباب إلى غياب الحروب، فالحروب تسهم في حل المشاكل النفسية، حيث أنهم مندفعون بطبيعتهم نحو العنف الذي يجب ترويضه، حسبما يقول عودة الله.
وفي مواجهة هؤلاء الشباب، تأتي "مكافحة التمرد"، وهي "فعل عسكري أنشأه الاستعمار، مثل الحواجز والجدار والاعتقال، وتدمير الروح المعنوية، وتحصل تدخلات مدنية من أبناء البلد".
ومن وسائل "مكافحة التمرد"، كما يقول عودة الله: بناء الدولة وبناء المؤسسات ومكافحة الفساد والحكم الرشيد والترويج لهما، فهذه المفاهيم والعمل عليها يعتبر مقاومة ثورة محتملة. وهذا جزء من العمل العسكري. فكل ما نعيشه حالة حرب مستمرة.

الجدير ذكره، أن "ندوات فلسطينية" تنظّم من قبل مجموعة من الشباب وتهدف إلى "تشجيع التفكير النقدي والمقاومة الفكرية في مجتمعنا، إضافة إلى فتح المجال لطرح بعض المواضيع المغيبة عن ساحات النقاش وإعادة الاعتبار لشرائح المجتمع الفلسطيني ككل، وتجاوز التغييب شبه التام لفلسطينيي 48 والقدس والشتات"، وفق ما تعرّف نفسها عبر صفحتها الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"