"سليمان الحلبي" تستحضر روح الحلاج في "مأساة" عبد الصبور


رحمة حجة

 "أحببنا كلماته أكثر مما أحببناه.. فتركناه يموت.. لكي تبقى الكلمات" تخللت هذه الكلمات من المسرحية الشعرية "مأساة الحلاج" للشاعر المصري صلاح عبد الصبور، جدران مركز بلدية البيرة الثقافي(بلدنا سابقًا) بصوت الباحث في العلوم الاجتماعية وفلسفتها، خالد عودة الله، الذي أوصل عبر تنويع النبرات في اختيار مقاطع من "المأساة" رسائل نقدية فيها، وأكثر، في الواقع المعاش.

 في القاعة، ترتبت عشرات المقاعد البلاستيكية، شُغِلَ منها 21، تقابلها ثلاث طاولات بلاستيكية، تنقص إحداها أعمدة تثبيت بين أرجلها، جلس مقابلها أربعة من المهتمين والباحثين في العلوم الاجتماعية، لتنقسم بينهم الأدوار في مناقشة "مأساة الحلاج" ويشاركوها الجمهور، دون أن يسندوا ظهورهم لأي لافتة "عريضة" تدلل على عنوان الجلسة أو ختم عليها شعار " دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفي" التي تنظم هذا النقاش. 

 يقول عودة الله "نحن مدينون –وهذه إشكالية- لمعرفتنا بالحلّاج إلى المستشرق الاستعماري ماسينيون، الذي قام بدراسة وبحث حثيث وعميق في سيرته من كل مصدر استطاع الوصول إليه" إلا أن الهدف الذي كان "يشد بحثه، مقاربة تجربة الحلاج بالسيد المسيح". 

 يقرر عودة الله التعامل مع المسرحية الشعرية ليس بجمالياتها الشعرية فقط، إنما باعتبارها نصًا فلسفيًا معرفيًا على شكل "قصيدة"، يراوح بين شطريه (الكلمة، الموت) في الفكرة الرئيسة، رحلة الكلمة التي توصل صاحبها إلى الموت. 

ويستفهم استنكاريًا "ما فائدة العلم إذا لم يمكنّا من المعرفة" ويقارن بين ما قاله الحلاج "علمي ما قادني يومًا إلى المعرفة" وبين ما يجري اليوم من مساواة العلم بالمعرفة، إذ تعتبر الجامعات "صرحًا معرفيًا"، عوضًا أن "المؤسسات ودور النشر والمثقفين في فلسطين أصبحوا يمثلون المعرفة"، لكن الثورية تبدأ بإنتاج المعرفة لا باستخدامها كما يحصل في الحالة الفلسطينية، ولا تصلح ثورة سياسية غير مستندة إلى ثورة معرفية، وأي مشروع سياسي غير مبني على إنتاج معرفي سيؤدي إلى "العدميّة"، الشيء الذي قاد إلى فقدان الثقة بكل المجموعات السياسية، كما يستوحي عودة الله من "المأساة".

 حول رؤيته لتجربة عبد الصبور الشعرية من خلال "مأساة الحلاج" يقول "سؤال المعرفة وجوديّ، وعملية إنتاج الفكر والمعرفة معاناة قد تكلف صاحبها حياته".

 يفرد البرد كفيه في قاعة النقاش، مع الغروب، لكن مع استحضار روح الحلاج وعبد الصبور وتجربتين تمخضتا داخل الهم الجمعي، الشيء الذي منحهما استمرارية، وتزامنية مع الواقع، يصبح الاستماع إلى المزيد أفضل الحلول.

 الحديث عن "مأساة الحلاج" لم يأت منفصلًا عن استعراض قصير لهذه الشخصية التراثية أو التاريخية؛ كما يحلو للبعض تسميتها؛ بالإضافة لآخر حول شخصية الشاعر صلاح عبد الصبور وتجربته الشعرية، التي تشكلت عبر ثلاث حقب من الحكم في مصر، كما قال الباحث في دائرة سليمان الحلبي حمزة أسد، حيث شهد "حقبة الحكم الملكي وحكم جمال عبد الناصر وأنور السادت"، ليعايش "الاستبداد" في صنوف متعددة. 

وعبد الصبور، كما يقول أسد "يصنف الإنسان إلى بسيط يحتك بشكل مباشر مع الحياة غير العادلة، وإلى مثقف يحمل في داخله هموم الناس ويدافع عنها ليصنع بدوره الضد لتلك الحياة، وفي مقابلهما المثقف المنعزل الذي لا يسهم في ذلك، والإنسان القاهر الظالم الذي يصنع الحياة غير العادلة تلك". 

ولا يرى عبد الصبور شعرًا "حرًا" وآخر "مستعبدًا" فكل الشعر حر، ويفضل استخدام "شعر التفعيلة" اسمًا لما كان يكتبه، الذي مثل في عصره تمرّدًا على الشعر العمودي، حيث يناسب بطبيعته مرحلة معينة لا يتفق فيها مع مرحلة أخرى، أوجدت بدورها أشكالًا مختلفة وجديدة للتعبير عنها. وعن ظهر قلب، كان الباحث في دائرة سليمان الحلبي طارق خميس يتلو كلمات الحلاج، وبعضًا من سيرته، وحول سيرته يقول "تمت كتابتها بعد 100 عام من مقتله، حيث مرّ مسافر عن المكان الذي صُلب فيه، متباركًا، ثم قرر تأريخ الأحداث والشخصية وما أحاط بها".

 وبالتزامن مع تجربة الحلاج، وما هو في الواقع المعاش، يقول خميس: السلطة دائمًا تحدد من هم الرموز والمذهب السائد، ومن هو الأجدى بالكتابة عنه، أو إبرازه"، لافتًا إلى أنه "من أوائل المتصوّفة الذين حولّوا التصوّف إلى قوة اجتماعية" وكان من المدافعين عن الثورات التي ظهرت ضد السلطان في عصره، كثورة القرامطة. 

 أما سليمان الحلبي، الذي اتُخذ اسمه للدائرة التي رعت هذا النقاش، لم يكن غريبًا عن جو الحرية في شعر عبد الصبور أو في سيرة الحلاج، فهو الذي اغتال قائد الحملة الفرنسية على مصر الجنرال كليبر عام 1801، وعمره لم يتجاوز الرابعة والعشرين بعد، ليتم بعدها إعدامه من خلال حرق يده من ثم وضعه على "خازوق" حتى تأكله الطيور، لكن الحلبي ظل يردد الشهادتين وآيات من القرآن، مدة أربع ساعات، حتى جاءه جندي فرنسي مشفقًا لحاله فأعطاه كأسا ليشرب منه معجلا بذلك بموته في الحال.

تعليقات

‏قال Alia Alrosan

وعبد الصبور، كما يقول أسد "يصنف الإنسان إلى بسيط يحتك بشكل مباشر مع الحياة غير العادلة، وإلى مثقف يحمل في داخله هموم الناس ويدافع عنها ليصنع بدوره الضد لتلك الحياة، وفي مقابلهما المثقف المنعزل الذي لا يسهم في ذلك، والإنسان القاهر الظالم الذي يصنع الحياة غير العادلة تلك".

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"