الأربعاء، يناير 16، 2013

سمير غائب عن امتحان اليوم.. لماذا؟


رام الله - وطن للأنباء - قصّة لـ رحمة حجة:  ساري وسمير لم يلتقيا عصر أمس كما اتفقّا، ولن يلتقيا اليوم.. سمير استشهد.
ساري شاهين (16 عامًا) الصديق المقرّب جدًا، كما يصف نفسه، من الشهيد سمير عوض (17 عامًا)، يقول "لما مات ضاع من حياتي كتير.. مش عارف شو بدي اعمل.. بفكر أطلع من البلد".

كانت الكلمات تخرج ببطء من ثغر ساري، الذي بدأ صداقته مع سمير منذ أكثر من عام، حين عملا معًا في قرية نعلين القريبة من قريتهما بدرس (غرب رام الله)، واستمرّا بعدها، يتبادلان الضحكات والهموم ويتناجيان في كل شيء، كما يقول ساري، الذي لم يكن يودع سرّه إلا له، لأنه كما يصفه "الأمين الصادق خفيف الظل"

ثلاث رصاصات تقتل الحلم

الدخول إلى قرية بدرس (نحو 2000 نسمة) يشبه الدخول إلى زمنٍ ضيّعته تفاصيل الحداثة. الرجال والشباب والأطفال منتشرون على جانبي الشارع الواصل بين بيت الشهيد والمسجد، أما النساء والفتيات، توزعن بين مدخل البيت وأروقته وغرفه، فأينما ولّت الكاميرا عدستها داخل البيت تجد امرأة ملتفة بصمت غياب شقاوة سمير، الذي لم يصل جثمانه بعد.
تتوسط والدة الشهيد وأخته عددًا من النسوة، اللاتي يتوافدن تباعًا للتعزية.

لا تقوى الأم على الكلام، إلا أنها حين روَت مشهد طفلها الملطخ وجهه بالدم، والمخترق جسده بثلاث رصاصات أولاهُنّ في الصدر والثانية في الرأس والثالثة في الرِجل، صارت الشهقة تلو الشهقة تستجلب الدمع الذي تذكّرَ "كان في الحادي عشر السنة الجاي توجيهي في 30/4/1996 انولد، بعد 3 أشهر بكمل الـ17 سنة..".

الكاميرا تبحث عن منام الشهيد، لكن "الصالون" الذي يجمع أنفاس معظم أفراد العائلة الـ16، يعجّ بالمعزيّات، بينما كتبه تختبئ في درج غرفة مجاورة.

"قال لي امبارح انو حابب يصير محاسب لإنه شاطر بالرياضيات. قلتلو تعال معي بالسلطة أحسنلك، قاللي لا. المحاسب أحسن اشي" بهذا بدأ حديثنا مع عبدالله عبدالله (17 عامًا) الذي شهد لحظة قتل سمير، في صباح الثلاثاء (15/1/2013) بمحاذاة جدار الضم والتوسّع، الذي يفصل بين مستوطنة "موديعين" المُقامة على عدد من القرى الفلسطينية المدمرة عام 1948 كالبرج والقباب وبير الماعين وبرفيليا وغيرها، وبين أراضي بدرس وقرىً مجاورة.

يقول عبد الله، حين التقيناه واقفًا أعلى الجبل الذي يضم المقبرة، مُطلًا على الجدار الشائك، حيث قُتلَ صديقه "بقينا قاعدين، هو كان جاي يدرس معه كتاب التكنولوجيا.. قاللي بدي انزل، ولما قرّب عالجدار شافوه الجنود، قالوله روّح عدارك وصاروا يسبّوا (يشتمون) عليه، فما استحمل وصار يضرب عالشبك (الجدار) حجار، بعدين شفت الجنود برمحوا (يركضون) عليه حسيت انه في حياته خطر، رحت ارمي حجار معه، وهو هارب لما اجى يطلع من تحت الشبك طخوه بصدره ورجله.. قربت عليه، حكالي سلام. وقاللي خلص روح.." 


ستفتقده يا عبد الله، أليس كذلك؟ لا يجيب.. ويمشي خطوات مبتعدًا عنّا.

عبدالله، كان قبل عام في أحد معتقلات الاحتلال الإسرائيلي، حيث قضى ستة أشهر، لأنه كان يقطف اللوز في منطقة قريبة من الجدار، الآن يعمل عند جزّار في قرية مجاورة، بعد أن "تسرّب" من المدرسة، وكذلك ساري، فمقاعد الدراسة شاغرة دونهما، لكن ذلك لم يمنع مواصلة رفقتهما بسمير.

مستعدٌ لـ"مواجهة"

قبل وصول جثمان الشهيد سمير عوض مسقط رأسه، تمترس جنود الاحتلال الإسرائيلي بمحاذاة الجدار، أمام وفي قلب دباباتهم، كأنهم مستعدون لمواجهة مع شبان وأطفال القرية الذين حملوا أعلامهم ورايات الفصائل أعلى الجبل، بعد انتهاء مراسيم الجنازة بموارة الجثمان الثرى.

كان ممثلو القوى الوطنية والمقاومة الشعبية ووزارة التربية والتعليم، يخطبون فوق سور عال يطل على قبر الشهيد المحاط بالمواطنين، بينما الشباب والأطفال مستعدون لاستنشاق الغاز المسيل للدموع، وربما رصاصات حية.

انتهت خطب الرثاء والتصبير والصمود بالدعوة إلى قراءة الفاتحة على روح الشهيد، فضم الجميع أياديهم يتلون الآيات، والجنود فتحوا قنابلهم تجاه المقبرة وأبعد من ذلك إلى داخل القرية، لأن بعضًا من الشبّان هتفوا ضد الاحتلال، ولروح الشهيد.

تفرّق الحشد، بينما استمر بعض الشبان برشق الحجارة. والليلة، نقص أفراد عائلة الشهيد واحدًا على العشاء، وفي صبح الأربعاء ظل قميصٌ أو ربما سترة معلقة، وستسأل الأم أبناءها وبناتها عن امتحاناتهم، وواحدٌ منهم ضيع الموعد، لأنه أصبح الآن من سكان المقبرة، التي تحاذي قاعة الدرس، وفوضى الاحتفال بانتهاء الفصل الدراسي.. لكن لحظة، لن تسأل ربما، فالبيت على غير عادته مكتظٌ بالمُعزين!