رأيتُ القدس!

رحمة حجة

 شيء أشبه بتسوية المباني لكن أضيفت إليه بعض أعمدة وشواهد أثرية، والسياح يتجولون فيما بينها. درج من حديد يؤدي إلى الساحة، وعيون المستوطنين ما زالت تنظر إلي باستغراب! أشك بأنني ضيعت الطريق..
أكمل صعود الدرج حيث نسيت طريق العودة، وأستمر في السير وكلما توغلت أكثر في المكان ازداد عدد الأجانب والمستوطنين، وأعلام دولة الاحتلال. فكرت "لن أستعين بيهودي للسؤال ربما سأسأل سائحًا" . اقتربت من مجموعة سائحين، قرأت معلومات تختلف عما درسناه في مواد التاريخ، بأسماء عبرية!
السائحون يتكلمون غير الإنجليزية، ويبدو أنهم يهود أيضًا! كلما مررت من أمام يهودي نظر إلي مستغربًا "يا إلهي أين أنا؟".. بدأت تحسس فراستي في تمييز وجه عربي، لكن لا أحد، غير تاريخ مزور يُعرض على سمع السائحين بلغات متعددة! عدت أدراجي على ذات الاستقامة دون أن أنزل الدرج، شكل المحلات مختلف عما رأيته، تبدو أكثر زجاجية من تلك المنتشرة في شوارع القدس الأخرى التي مشيتها، وتبدو جديدة أيضًا، لم يحفر التاريخ في جنباتها لونًا عتيقًا أو بخورًا. ألوانها متشابهة، ومعنونة بالعبرية.. ما زلت أمشي وقلبي ينبض بسرعة خوفًا ممن تركتهم خلفي وعلى جانبي، حتى وصلت شارعًا معالمه مختلفة، نظرت على يميني، تمعنت بوجه صاحب المحل. لن أفلت من تحديقي به فغامرت السؤال "إنت عربي؟".. ارتاح قلبي ب "اه".. حدثته بما رأيت وشعوري بالضياع، فأكد لي بكلمة "هاي حارة اليهود" ودلنّي على الطريق الموصل إلى الحرم..



اشتقتلك قد الأقصى
تعمدتُ السير على مهل، قبل الوصول إلى بوابة الحرم.. أشغل نفسي بالتصوير استعدادًا للدهشة! ها أنا أدخل البوابة، تبدأ القبة الذهبية بالظهور رويدًا رويدًا، وأنا لا أصدّق بعد أنني في القدس.. أنني في حضرة المسجد الأقصى بعد اثنتي عشرة عامًا. كم كنت غريبة في البعد عنه، وكم أعرف نفسي الآن في حضرته!
التجول في المكان، تفقد البصمات التي تركتها وصديقتاتي أيام سذاجتنا قرب شجرة أو بمحاذاة الفسيفساء المبهر ازرقاقها، أو بعيدًا عن صلاة المعلمات في مدرستنا.. أتذكر شرطيًا فلسطينيًا منعنا الدخول يومها لأننا لم نرتد الحجاب احترامًا لقدسية المشهد والتاريخ. لكنني الآن ألحظ الكثير من غير المحجبات، ربما قلت التشديدات!
الانبهار.. الدهشة.. الحزن.. السعادة.. كلها اجتمعت في عيني على شكل دمعات متتالية، حينها أدركت شوقي الذي يختفي أمام لا مبالاتي برتابة "القدس" ككلمة حماسية في الخطابات وعبر أثير الإذاعات المحلية. تذكرت عبارة صديقتي "اشتقتلك قد الأقصى" وابتسمت.. أخجل من مصارحتك يافا بأنني أستشعرها للمرة الأولى في حضرة الأقصى! يااااااه كم تقتلنا المسافة ويغدر بنا هاجس الحنين.. ورغم كل هذا البعد، أحسست بأنني جزء من الصورة. فلا معنى للغربة بين أهل القدس وسكان القدس وشوارع القدس، كم طيبون ومنسيون هم في دكاكينهم وبيوتهم المحاطة بتهديدات الاستيطان!
أتذكر الأسبوع الفائت على التلفاز حين اجتاح المستوطنون الحرم وحدثت المواجهات بينهم وبين الشبان الذين أصيب الكثير منهم، وأستشعر حرارة دمائهم على الأرضية، بين الشجر، وحول حنفيات المياه في الباحة المجاورة للمسجد الأقصى. نظيفة جدًا تلك الأرضية، التي تمتص الحزن من آهات المنسيين تكرارًا ومرارًا.. هل سيأتي يوم يفقدها العدو قدرتها على الامتصاص؟ في أي أرض سنكون يا ترى حينها؟ 




تعودنا.. كلمة مقيتة!
في السوق يمشي العربي بمحاذاة الإسرائيلي. علم إسرائيلي يعلن معنى البشاعة في تلويث الهواء. أتقاجأ بدخولي لدكان عربي اشترت منه إسرائيلية.. وذهَبَت بأمان!
 في قريتنا، يأتي الإسرائيليون إما للاعتقال أو للاغتيال.. وحين أشاهدهم على الحواجز أو يتجولون بدباتهم في الطرقات الواصلة بين المدن الفلسطينية أو بانتظار باصاتهم على أرضنا، ينتابني الغثيان ومراودة فعل القيء.. فأدير وجهي كي لا تكون عيناي مرآة لهم ولو للحظة، وأحيانًا أحدّق فيهم ببغض أخرس، وهل أستطيع أكثر من ذلك أمام من يحمل السلاح استعدادًا لمراسيم دفن فلسطيني يوميًا؟!
أتساءل.. وتتساءل أختي.. وصديقتنا في هذه الجولة "كيف لأهل القدس أن يحتملوا كل هذا يوميًا" وتضيف أختي "إذا كان المشهد مخيفًا لنا في ضوء النهار النهار الصارخ، كيف يبدو في الليل؟ هل يستطيع المقدسيّ السير ليلًا بأمان؟" استفهام استنكاري يقض مضجع الطمأنينة لدينا!
تقول إحداهن "اتعودوا" .. لا أظن هذه الكلمة بتلك السهولة، تعودوا أي أنهم فقدوا إحساسهم بالغرابة، ومن فقد الإحساس يموت! وها هم يستيقظون من الفجر، يفتحون محلاتهم، ينشرون بضاعتهم، النسيج والجلد والحلويات والحليّ والبخور.. الصيني والباكستاني والهندي والأمريكي والمقدسي على بسطاتهم وفي زوايا محالهم، قد يباغتهم فوج سائحين فيكسبون ذاك النهار، وقد لا يمر عليهم إلا القليل، لكنهم لا يفكرون بإغلاق المحل في اليوم التالي!
في الشوارع التجارية المجاورة للحرم، وبمحاذاة البيوت العتيقة.. أتذكر جو البلدة القديمة في نابلس. الدرج الأطفال الذين يلعبون كرة قدم، المحال الضيقة، والتوافذ المدلاة بعناية، التي لا تفتح ستائرها للغرباء.. ألمح طفلين من بعيد يعجبني منظر قفزهما على الدرج، وهما لا يتجاوزان سن الثالثة من عمرهما. أهرع بسعادتي لالتقاط مشهد جميل، فيكسر فرحي أنهم أبناء مستوطنين، إذ يلبس الذكر تلك القبعة الصغيرة وتنسدل من تحتها جديلتين صغيرتين، ألف وجهي عنهما.. ولا أصوّر! 
أتذكر صديقتي رفيا، التي لا تفارقها الكاميرا، أتذكر اختياراتها للصور، وأحاول التقاط الجمال.. الحزن.. الدهشة.. الدفء.. البرد.. الطيبة.. البراءة.. والوحشية، بكاميرا هاتف متواضع، لكني لا أصور كل ما أريد، أترك أشياء قصدًا، فهذه لن تكون زيارتي الأخيرة!
أشتري بعض الأشياء ذكرى، لا كي أخبئه بل كي أرتديه، ويفنى؛ فهذه لن تكون زيارتي الأخيرة!
أقرأ أسماء البوابات والأسواق والنبذات التاريخية حول بعض الأمكنة،، ولا أعنى بحفظها، أو قراءتها أكثر من مرة.. فهذه لن تكون زيارتي الأخيرة!
ترافقني قصيدة "في القدس" لتميم البرغوثي غير أنني لا أحفظها لكني أدرك روعتها، وأأبدأ التأليف الشعري في عقلي، وأنسى ما ألفت.. ليس مهمًا؛ لن تكون زيارتي الأخيرة!
أدخل الثلاثة مساجد.. الأقصى والمرواني وقبة الصخرة، أصلي فيهما الحد الأدنى، ولا أدعو بكل ما أريد.. فأنا أنسى، وأصمم بأنها، لن تكون الزيارة الأخيرة!
أتذكر سيرنا.. توهاننا.. تكرارنا للشوارع مرتين، حتى حفظني الباعة، وبعد فنرة مر عليّ أحدهم وابتسم لي قائلا "مرحبا" فأحسست بأنني ابنة هذا المكان. وابتسَمت.
وأتذكر شذى، صديقتنا ابنة العشرين عامًا، في انبهارها الأول وأسنانها البيضاء اللامعة التي ظلت مكشوفة أمام فرحها بكل شيء تمر عنه أو تسمعه للمرة الأولى في حياتها.. في القدس!



بعد أقل من شهر
ندوة ثقافية بعنوان "مسارات في القدس العتيقة" في سينما جنين. حكت عن التاريخ والحياة اليومية وما يتعرض له المقدسيون من عملية التهجير والأسرلة. وما تتعرض له آثارنا ومقدساتنا من سرقة ونهب على مرأى ومسمع من العالم، وكيف يتم تسويق الأسماء اليهودية بغية الإحلال والطمس للهوية العربية. عرض فيها الأستاذ والباحث علي الجريري صوره في أماكن كثيرة في القدس.. كنت أنتشي حين أعرف المكان، فهذا مشيت فيه وهذا تصورت بجانبه، والمكان الذي لا أعرفه.. أتذكر "لم تكن زيارتي الأخيرة" لذا سأسل عنه في المرة المقبلة، وأراه.
وسمعت أبياتًا شعرية لدرويش، أحسست لحظتها أنه يعبر عن شعوري بالضبط حين تجولت في القدس.. إذ يقول:
في القدس؛
أعني داخل السور القديم؛
أسير من زمن إلى زمن بلا ذكرى تصوبني ..
فإن الأنبياء هناك يقتسمون
تاريخ المقدّس ،
يصعدون إلى السماء
و يرجعون أقل إحباطا و حزنا ؛
فالمحبة
و السلام مقدسان و قادمان إلى المدينة.

أمشي؛ أخف؛ أطير ثم أصير غيري في التجلي ..
تنبت
الكلمات كالأعشاب من فم أشعيا النبوي ّ:
" إن لم تؤمنوا لن تأمنوا".























تعليقات

‏قال Um Ommar
الله يسامحك ع هيك بوست وصور بشرحن القلب
‏قال Ameer Sbaihat
أحتدم النقاش بيني وبين أحدهم عن القدس، فهو يريد أن نستشهد فداها، وهي التي كأي شبرٍ أخر من فلسطين لا أعز عنها روحي، وأجبت لو أستشهدنا كلنا من سيبقى ليحميها،ابتسمت وانا اقرأ نصك، لأنه يجعلني ادرك كم من الصواب كنت املك. 
في القدس اعني في القدس العتيقة، لم أفكر كمؤمن بأن علي الاسراع للصلاة ولا لتفقد كافة معالمها، وأخذتني "ولدنة" طفل في التاسعة من العمر لأسير مكتشفاً خان الزيت وأمضي وقت أكثر داخل المتحف الذي يعرض تاريخاً بطريقة برجوازية، واراقب مندهشاً هؤلاء الذين يصلون للمرة الالف وكأنهم يريدن دخول الجنة اليوم، لم افعل الكثير فأنا مثلك لن تكن زيارتي الاخيرة. 
واليوم لم استطع بعد الوصول،  وما زلت لليوم اذهب بعيد عنها الى جانب الدير القديم في بيت لحم لأكون في حضرة شعاعها. 
تفقدت الصور التي التقطتها عدستكي كل على حدى تفقدت نصك لأبحث عن ما أضعته طفلاً لزيارتي الوحيدة للقدس، ووجدته 

لنصك رائحة قديمة وتفاصيل عتيقة
لنصك نيرفانا وأسرار الحياة 
‏قال SkyWriter
Writer From Sky:
لقد استشعرت النار الموجودة في قلبك.. وكم بكيت وبكيت على دمشق القديمة التي تعرّضت للاحتلال ولكن بطريقة مختلفة عن القدس.

وفي أحد الأيام كنت في المركز الثقافي الدنماركي ( وهو في أحد منازل دمشق القديمة التي حُرمنا منها )أقف في باحة المنزل قرب شجرة الليمون الدمشقية ودموعي فضحتني أمام أعضاء المركز, وقبل أن أنهار من شدة حزني, صوتٌ داخلي صرخ وقال: كيف تلوم بعض الأغنياء والمتغطرسين على حب الدنيا, ثم تبكي هنا على أمر سيبقى في تلك الدنيا الفانية.

ومنذ ذلك اليوم قررت أن أستمتع بما بقي من دمشق القديمة, وأهتم بأمور آخرتي أكثر.
‏قال رحمة محمود
عزيزتي أم عمر ان شالله بتشوفيها للقدس عن قريب :)

أمير صديقي، متل ما حكيتلك، بتحكي عن زات الاشي اللي بفكر فيه.

Sky Writer
جميل بأننا في كل مكان نستشعر ذات الشيء، دمشق ولى عنها الاحتلال والآن تتعرض لشيء أشد.. فليحمها الله. القدس ما زالت تحت الاحتلال، وأشياء أبشع، نبكي لأننا لا نسطيع الا القليل، ونستدرك أنفسنا بالدعاء.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"