هناء الشلبي.. تحاصر الاعتقال الإداري بجوعها، ويحاصرنا الانتظار!


جنين- رحمة حجة- إذا سمعت بوجود عائلة استشهد أحد أبنائها، وأسرَ اثنان من إخوته واثنتان من أخواته، هل ستعرف هذه العائلة؟ ربما ستشك أنها فلسطينية، لكن إذا أخبرتك بأن إحدى الأختين نالت حريتها من اعتقال دام أكثر من سنتين على يد صفقة تبادل للأسرى سميت ب "صفقة شاليط" قبل أربعة أشهر، هل تأكد شكك؟
ذات الأسيرة اعتُـقلت في السادس عشر من شباط الماضي إداريًا. وانتفاضًا لكرامتها تخوض الآن إضرابًا مفتوحًا عن الطعام لليوم الحادي والعشرين على التوالي في إحدى زنازين سجن "هاشارون" الاحتلالي. أظنك قد عرفت من هي، وإن لم تستدرك الجواب، فهي الأسيرة هناء الشلبي وتلك عائلتها، التي تقطن قرية برقين(غرب جنين) في شمال فلسطين المحتلة.
هناء الشلبي، الأسيرة الثانية بعد الأسير خضر عدنان، الذي كنّا نعدُ أيام إضرابه المفتوح عن الطعام، يومًا بعد يوم، حتى جاء اليوم 66 وأعلن فيه عن اتفاق يوقف من تجديد اعتقاله الإداري ويبقيه في مستشفى الاحتلال حتى استكمال التأهيل الصحي بعد الإضراب، وينتظر الشعب الفلسطيني الذي سانده بتضامناته اليومية معه في يوم الأسير الفلسطيني، السابع عشر من نيسان المقبل، رؤيته حرًا خارج القضبان.
لحظات الاعتقال
تقول والدة هناء ، بديعة الشلبي "أخذها الجيش قبل أن تكمل زراعة الكوسا وأنا أتممت عنها العمل". فعائلة هناء من المزارعين الذين يقضون ثلثي وقتهم في الأرض، وكانت تساعدهم دائمًا. وهي ابنة التسعة والعشرين عامًا. نجحت في الثانوية العامة، ولم تسمح لها الظروف بإتمام تعليمها الجامعي. لكنها قدمت طلبا في كلية جامعة النجاح لاستكمال تعليمها، حيث قالت أختها هدى التي اعتقلت في الانتفاضة الأولى لمدة أربعة أشهر إداريا "كانت تردد بعد خروجها من السجن: الآن أفكر فقط في التعليم" لكن هذا الطلب ما زال قيد التنفيذ.
ووصف أخوها عمر، وهو أسير سابق قضى فترات متقطعة في سجون الاحتلال بين الأعوام(1987-1993) لحظات اعتقال هناء قائلًا "أتوا في الساعة 1:30 صباحًا وكان الجو ماطرًا جدا، منعوا أهلي من الخروج فقط كنت أنا وهناء، برروا وجودهم بزيارة عادية لاستجوابها ثم بدأوا المساومة للنقاش داخل الجيب العسكري وحين رفضنا واستنكرت اعتقالها ثم شتمتهم بدأو بضربها بوحشية فحاولت الدفاع عنها وتلقيت الضربات. ثم فتشوا منزلنا بمساعدة الكلب البوليسي" . وأضافت والدتها بأنهم كانوا داخل البيت ممنوعين من الخروج مهددين بتصويب البنادق نحو صدورهم، وحين فتشوا البيت ربطوا الكلب في غرفة الطفلين (أحدهما 4 سنوات والآخر 11 سنة) دون السماح لهما بمغادرة الغرفة؛ لترهيبهما، كما عللت الأم.
الطفل سامر الذي سماه والده على اسم عمه الشهيد، مشى يحمل جنزيرًا أثناء مقابلتنا لجدته وعمته، فسألته الجدة "ليش حامله؟" أجابها "بدنا نربط اليهود عشانهم أخدوا عمتي هناء". ويُذكر أن أخوها سامر استشهد مع مُطارد آخر (نضال خلوف) من قبل الاحتلال عام 2005 بعد مواجهات ضارية استمرت أكثر من ساعتين في حقلهما، حين داهمهما رصاص الاحتلال أثناء سقاية المزروعات، لتكون آخر كلماته حسبما سمع الجيران "الله أكبر.. الله أكبر".
هناء، من هي؟
أخذتنا زوجة أخ هناء في جولة داخل منزلها، وكلما مرت على طاولة أو جدار فيه، أشارت إلى عمل يدوي صنعته يدا هناء، التي تتقن فن التطريز والخرز والأعمال اليدوية الأخرى، منها ما صنعته داخل السجن ومنها صنعته خارجه. والتطريز لا يقتصر على المعلقات والأدوات المتناثرة في غرفة استقبال الضيوف، بل أيضًا يمتد إلى الحقائب والعلاقات والإضاءة في غرفة الأطفال في بيت أخيها. وأثناء الجولة قالت "دار عمي بشوفوش الفرح.. من يوم ما جيت عليهم كل شهر والتاني يدق الجيش بابهم".
أما أختها زاهرة، التي أخذتنا في جولة هي الأخرى في بيتهم وداخل غرفة هناء وبين مقتنياتها، أطلعتنا على هواياتها وشخصيتها من خلال موجودات غرفتها. ويستدرك الناظر حبها للتطريز ولأخيها سامر الذي تضع صورته بالإضافة إلى أحد أعماله اليدوية، وحبها للكتابة أيضًا من خلال مدوناتها داخل السجن بين طيات دفاترها المشغولة أغلفتها بشكل فني اعتاد البعض رؤيته في بيوت ومع أهالي الأسرى.
وقالت زاهرة التي كشفت عن آثار الجروح على قدميها الناتجة من تعرضها للبرد الشديد ساعة اعتقال هناء "تعرضنا بما يكفي من الظلم والإهانة من اليهود، فأين هي المقاومة الآن؟ لا مقاومة كل ما يوجد هو فساد فقط وصدقيني حتى لو هدموا الأقصى لن يحصل شيء!". وزاهرة التي أبدت تشاؤمها بكل ما يحيط بهم وجهت غضبها ليس على الاحتلال فقط، بل أيضا على المتعاونين معه من الفلسطينيين! وقال بنبرة عالية وإشارات توكيد "الله يمهل ولا يهمل".

وعن اعتقالها الأول قالت هدى "يوم تحرير الأسرى لم تخرج هناء من الباص ولم تشاركهم الاحتفالات في المقاطعة لأنها قبل الاعتقال تعرضت للاستجواب المباشر من قبل الأمن الوقائي في السلطة لمدة عشرة أيام على التوالي دون مبيت وحين اعتقلها جنود الاحتلال قدم لها الضابط الإسرائيلي في التحقيق كامل المعلومات مشيرًا إلى أنهم أخذوها من السلطة!" منوهة إلى موقف هناء الحاد من التعامل مع الأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية.
ووصفت هدى مشاعرها لحظة الاعتقال الثاني "حرقت لي قلبي". وحدثتنا عن آخر ليلة قضتاها قبل الاعتقال إذ زارتها في بيتها المجاور لمنزل أهلها في برقين، وتبادلتا أحاديث طويلة وأنواع مختلفة من المأكولات والضحك حتى قالت هناء مازحة "مالكم شكلكم بتودعوني؟!". وأطلعتنا على بعض مراسلاتهما على الهاتف النقال التي ما زالت تحتفظ بها، فكانت إحدى رسائل هناء لهدى قبل أيام من اعتقالها "إذا خنقك دخان الألم فافتح نافذة الدعاء كي يتجدد الهواء بكلمة يا الله" واصفة علاقتهما القوية حتى لكأنها تشعر بأن هناء ليست أختًا فقط إنما ابنتها أيضًا. وأردفت بغصة "هناء كل اشي بالنسبة إلنا" لكن حين تحدثنا عن كيفية قضائها لأوقاتها في الأسر وبعده، رفعت عينيها كشأن الذي يغيب في ذاكرته وابتسمت "كانت تضل تكتب وتقرأ وحفظت 3 أجزاء من القرآن وقالتلي رح تكمل حفظ الأجزاء التانية". وعن ابنها بدر(9 سنوات) قالت هدى بأنه حين اتصلت الإذاعة بهم وجه رسالة إلى خالته "أنا عرفت إنك مضربة عن الطعام، كلي.. احنا بنحبك!".
الآن.. ماذا؟
كتب الصحفي الفلسطيني خليل شاهين في صفحته على Facebook  "كيف لأي منا أن يواجه الاعتقال الإداري غدا وقد حدد لنا الشيخ خضر الحد الأدنى: الحرية أو الشهادة.. من يجرؤ بعد اليوم على تجاوز هذا الحد؟ كل فلسطيني معرض للاعتقال الإداري، ولم يعد ممكنا الهبوط عن معايير الشيخ خضر لكسر إرادة الاحتلال وانتصار إرادة الأسرى.. إرادة الشعب"
وبعد 18 يومًا من الإضراب عن الطعام، تحاكم هناء، ويُخفف الحكم الإداري من ستة أشهر إلى أربعة، دون الاستجابة لدعوات الإفراج عنها، والأسباب التي قدمت بشأن ذلك خاصة وضعها الصحي، فمحكمة الاحتلال لم تقتنع بما قُدم من أدلة حول تدهور صحتها، ورأت أسباب اعتقالها أكثر إقناعًا حسب ما وجه إليها من تهمة "معاودة استئناف النشاط العسكري بعد الإفراج عنها أكتوبر العام المنصرم"، كما جاء في وسائل الإعلام.
وردًا على هذا، تصمم هناء على الاستمرار في إضرابها المفتوح عن الطعام. ويواصل ذويها الإضراب معها، وينتقل الإضراب التضامني معها إلى بعض الأسرى في سجون الاحتلال، والأسيرات المحررات، وبعض من طلبة المدارس.. لكن، ما رقم اليوم في مشوار إضرابها الذي سيحسم المسألة؟ وهل سيظل المواطن والإعلام في ترقب اتفاق مشابه لما تم مع خضر عدنان؟ وما حال الأسرى الذين ينتظرون الصفقات المشابهة لصفقة "شاليط " إذا علموا باعتقال تسعة لغاية الآن من المحررين؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"