سيارة نقل الموتى.. ليست مجرد سيارة!




رحمة حجة

"وجدت نفسي أكلمه متوسلًا بحق اللي كتب عليك الشهادة تخلينا نقدر نشوف عينيك! ليرتخي جفناه بعدها وأستطيع فتح عينيه للتأكد من لونهما"، هذا ما قاله مغسل الموتى وسائق سيارة نقلهم عبد الحميد المبيض (55 عامًا) المعروف بـ"الشيخ حميد" مستذكرًا كيف لم يتمكن ذوو احد الشهداء من التعرف عليه الا من خلال لون عينيه الاخضر واللتين كانتا مطبقتين بعد مكوث الجثة في ثلاجة الموتى بـ"مستشىفى تل هشومير". الشيخ حميد روى بعض ما لا ينساه مما شاهد اثناء عمله، جلس في ظل شجرات متنزه بلدية جنين القريب من مكان عمله حيث حاورته . 
الشهيد الذي استجاب (حسب رواية حميد) لطلبه بتسهيل فتح عينيه، كان في أحد جرارات ثلاجات الموتى في مستشفى "تل هشومير" داخل الأرض المحتلة عام 1948، نقله حميد إليها من قرية تياسير (من معسكر لجيش الاحتلال آنذاك، في الانتفاضة الأولى) بعد أن اجبره جنود الاحتلال على ذلك، وحين هاتفوا أهل الشهيد ذهب معهم حميد لاسترجاع الجثة، التي اختلفت هيأتها عن المرة الأولى التي رآها- ولم يسرد حميد تفاصيلها قائلًا "عشان حرام أوصف شكل الميت"- فسأل أهله:
- ألا يوجد علامات مميزة لابنكم؟ الواضح أن هذه جثته بحسب الاسم على إصبع قدمه (تعلم العبرية لحاجته حين تكرر أمر توكيله في البحث عن الشهداء في الثلاجات المصنفة حسب الحروف الأبجدية) لكن كيف نتأكد؟
ردّ أحدهم : نعم عيناه خضراوان!
ويستذكر حميد قوة إطباق عيني الشهيد، ما جعل أمر التأكد من شخصه صعب المنال.

بين انتفاضتين

 
يعمل حميد في تغسيل الموتى وتكفينهم ومتابعة إجراءات الدفن والتلقين إلى ما يختص بأمور العزاء والمقرئين في "بيوت الأجر" منذ عام 1980، بينما بدأ العمل في بلدية جنين على سيارة نقل الموتى منذ عام 1987، الشيء الذي أدخله قلب الأحداث في الانتفاضتين (1987 و2000) مذ كان شابًا حين كان "يعمل في كل ما يستطيعه" على حد تعبيره، من نقل الجرحى والشهداء والأسرى المحررين والأدوية وحتى المطاردين قبل جيش الاحتلال، فسيارة الموتى كانت الوحيدة القادرة على التجول في أوقات "منع التجول" المفروض من الاحتلال، والجنود كما أخبرنا "يخافون حتى الاقتراب من السيارة، وحين يضعون الحواجز لتفتيش سيارات المواطنين، يقولون حين يرونني: امشي امشي..".
وعن بداياته في العمل "طلب مغسل الموتى الذي كان قبلي في جنين مساعدة من المتواجدين في بيت رجل متوفّى فسارعت إلى مساعدته، من ثم صرت أبادر لمساعدته أينما تواجد لأنني أعرف مقدار الأجر من الله عز وجل على هذا العمل، بالإضافة إلا أن أحدًا لا يجرؤ على القيام بذلك" ليصبح معروفًا لاحقا، حاليا هو الوحيد في مجاله على نطاق المحافظة، والأكثر خبرة، ولم يمنعه ذلك من تدريب آخرين أحدهما من مخيم جنين والآخر من سكان المدينة على تغسيل الموتى والإلمام بالإجراءات اللازمة لإتمام عملية الدفن، كي ينوبا عنه في غيابه.
وفي إشارة منه لثقة الناس بعمله " كنت في عمان حين جاءني اتصال من ابني كي يؤكد لأحد المواطنين أنني خارج البلدة، حتى اقتنع. لكنه طلب مساعدتي عبر الهاتف فأخبرته بكل التفاصيل اللازمة لعملية الدفن وزودته بأرقام العاملين في هذا المجال".
يستذكر الشيخ حميد نقل الشهداء في الانتفاضة الأولى إلى ما معهد "أبو كبير" داخل في اراضي 1948، المكان الذي يتم فيه تسليم الجثث لقوات الاحتلال؛ لتشريحها من ثم إعادتها دون إجراءات رسمية مثل التأكد من علاقة القرابة بينها وبين المطالبين بها من الفلسطينيين، أو التوقيع على أوراق رسمية ذات علاقة، الشيء الذي يؤكد على قيام المشرحين بسرقة أعضاء جثث الشهداء، خاصة المنظر المختلف لمعظمهم بعد عملية التشريح الذي يدل على نقص بعض أعضائهم. وغالبًا ما كانت تتم عملية توصيل الجثث وتسليمها في الليل، إذ يقول "لا أذكر مرة واحدة بعثت جثة أو استلمتها بالنهار".
وبالرغم من تأكيده على أن "الأمور صارت أسهل مع قدوم السلطة" إلا أن الاحتلال في مزاجيته لا يتوانى عن تعطيل عمله، حيث قام جنود الاحتلال بتأخيره في إحدى المرات الى اما بعد منتصف الليل على حاجز "سالم" فقط لأنهم كانوا يشاهدون مباراة كرة قدم بين فريقي إيران وأمريكا آنذاك!!
في مسيرته الطويلة، تعرف على غالبية الموتى والشهداء في المحافظة إن لم يكن كلهم، وعند سؤاله عن شخصيات تولى تغسيلها لم يستذكر كأن لا أهمية للسؤال، الذي استدركت سذاجته "فالموت واحد..  تميزه الأسباب.. لا الأسماء!"
لكنه يستذكر ما عايشه مع الشهداء و"كراماتهم" ومحاسنهم، حيث يتذكر وزميله في الإطفائية كيف أضاء قبر الشهيد عصام براهمة من قرية عنزة، في حلكة المقبرة التي دفن فيها!.

سيارة الموتى.. بدها دفشة! 

 
منذ بدأ العمل في نقل الموتى، تغيرت سيارة نقل الموتى ثلاث مرات، والتي يقودها الاان أمّنها له محافظ جنين قدورة موسى عام 2004 بسبب إلحاحه المستمر لتبديل السيارة الثانية.
ذات مرة يقول الشيخ حميد انفجر أحد إطارات السيارة الأولى عام 1990 فانقلبت به لكنه خرج سالمًا مع رضوض يحسها إلى الآن، ولم تكن الثانية أفضل حالًا، إذ كانت مستعملة سريعة العطب على حدّ تعبيره، وكثيرة هي المواقف التي تعطلت فيها السيارة أثناء نقلها المتوفين، دون أن يقتصر ذلك على محيط محافظة جنين، حيث ذكر تعَطُلهَا في إحدى في أريحا على الحدود الأردنية- الفلسطينية أثناء ذهابه لإحضار متوفى من الأردن، إلا أنها لم تمش بعد وصولها لينتظر "الونش" من جنين ليأتي ويحمله، هذه المرة وحده مع السيارة، لأن أقارب المتوفى استطاعوا تأمين أخرى لنقله، ولكن في حادثة تعطلها أثناء عودته من أبو ديس في مفترق لبعض مستوطنات الاحتلال، أتى "الونش" من جنين لينقله والمتوفى سويًا.. وبقي الأمر هكذا حتى عام 2004 كما أسلفنا، إذ يقول حميد "صرت أحل المشكلة بوقتها، لإنه البلدية بتساعدني حسب قدرتها وهي إنها تظل تصلح السيارة".
أن تكون سيارة لنقل الموتى، لا يعني أن تظل صندوقًا أسود يشتعل الحرّ داخله صيفًا، وتقضي الوقت أمام الميكانيكي ثلثي عمرها، وهذا حال السيارة الأخيرة الأمريكية الصنع كما أخبرنا، وقطع غيارها نادرة. ويضيف حميد "أنا مش بدي سيارة بس عشان تكون جديدة.. هو انا بدي اقضي كل نهاري فيها؟! بس إكراما للميت اللي بتعطل توقيت دفنه لما تتعطل بالطريق".
وأثناء حديث حميد ومراجعة التاريخ معه وبعض الذكريات، مر مدير منتدى شارك الشبابي كفاح أبو سرور ليسلم علينا بابتسامته قائلًا "البلد من دون الشيخ حميد بتزبطش" ليتبادلا عبارات تشير إلى نظام ساعات الدوام المحددة الذي لا علاقة له بفاعلية العمل، فحميد بقوله "والله العظيم أنا متضايق" منزعج من رتابة الدوام الذي يجبره الجلوس من الساعة الثامنة صباحًا حتى الثانية ظهرًا في مقر عمله، بينما يمكن لهذا الشكل أن يتغير مع ساعات حرة حسبما يتم الطلب.
وفي تفاصيل عمله يشير إلينا أن ما يقوم به من تغسيل الموتى والإرشاد في قضايا الدفن يبتغي فيه وجه الله وكسب أجره، ولا يطلب من الناس منحه أجرًا إنما لا يرد أجرًا يدفعونه، حيث صار عرفًا بينهم مكافأة المغسّل.

لا يخيفني الموت

 
"حين يرن الهاتف إذا كان اسمًا؛ أعرف أن لا علاقة للأمر بالموت، أما حين يكون رقمًا غريبًا، أقدر 80% أن تكون حالة وفاة" هذا ما يفكر به حميد حين يسمع رنين هاتفه النقال، ليستجيب.
عادة، يخاف الناس حكايات الموت والموتى واستذكار لحظات الوفاة حتى سماع صوت سيارة الإسعاف أو رؤية سيارة نقل الموتى التي كتب بأبيض عريض على سوادها "كل نفس ذائقة الموت" فما بال حميد الذي يشاهد ويعيش كل ذلك منذ أكثر من ثلاثين عامًا، الموقع الذي دفعه لكل المواقع ورؤية كل اللحظات التي لا يحب تذكرها كثيرون منّا؟ ولا ينسى أنه كان يساعد أطباء التشريح في الأوقات الضيقة بخياطة أجساد الشهداء كي يتقّوا شر تأخيرهم عن الدفن ومقارعة جنود الاحتلال على الطرقات.
يقول الشيح حميد "في ناس بسألوني كيف بتوكل وبتشرب وبتعرف تنام بعد ما تشوف هاي الشوفات؟! بجاوبهم بكلمة وحدة : الإيمان" إذ يرى الميت إنسانًا فقط يحتاج المساعدة، لا يخيف ولا يتحرك ولا يملك أي قوة، بل يحتاج الكثير من القوة لتهيئته للدفن، فعمل المغسل كما يخبرنا ليس بالشيء السهل!
ولحميد أبناء ثمانية، أكبرهم عمره ثلاثون عامًا، جاءوا للحياة ليجدوا والدهم يعمله في هذه المهنة، لكنهم اعتادوا على ذلك، مقدرين الأجر والثواب الذي يناله والدهم من الأحاديث التي تدور بينه وبينهم. يختم حميد حديثه معنا بالقول "يجب ألا يخاف الإنسان عملية التغسيل، فكل شخص أولى بأن يغسله قريبه أو قريبته حسب سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا أفضل من إحضار مغسل خاص".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"