السبت، يناير 07، 2012

أحمد أبو الرب.. أورثه الأسر مرضًا وكثيرًا من الذكريات





رحمة حجة
"موضوع المرض أمني بالدرجة الأولى، فالأسير يُعامل على أنه أسير أمني فقط ولا يتغير ذلك بمرضه" هذا ما قاله الأسير المحرر في الدفعة الثانية من صفقة التبادل أحمد أبو الرب(34 عامًا) حين بدأ سرد تفاصيل المرض الذي أصابه أثناء فترة الاعتقال التي امتدت 10 سنوات تقريبًا في سجون الاحتلال، وكان المفروض انتهاؤها عام 2017. مشيرًا إلى أن الطبيب لا كلمة له أمام إدارة السجون التي تحكم مصير المريض من الأسرى.

ففي رمضان 2006 وأثناء ممارسته لبعض التمارين الرياضية، شعر أحمد بخدَر في قدمه اليسرى، وتكرر الأمر معه حتى فحصه طبيب السجن الذي لم يعطه جوابًا نهائيًا في تشخيص حالته، ويستمر وضعه حتى أيار/2007 حين تم تحويله لمستشفى "رمبام" لإجراء الفحوصات، ويقول عن ذلك "الأسرى عادة يتوجهون للطبيب لأبسط الأسباب، ربما يزداد الخوف من المرض داخل السجن عن خارجه، لذا فالطبيب لا يأخذ الأمر دائمًا على محمل الجد حتى يقوم بفحوصات متعددة". وتم تشخيص المرض بعد ثلاثة أيام على أنه تصلّب لويحي، وأعطيَ لأجله العلاج.

وصف أحمد المرض بأنه غامض، إذ من خلال متابعته مع الطبيب، تبين أن المرض بحاجة لظروف معينة كي يظهر بعد أن يكون قد تمكن من جسد المصاب، وأسبابه غير معروفة لغاية الآن؛ لذلك لا يوجد علاج نهائي له، بل يقتصر دور العلاج(الكورتيزون من خلال إبر أو حبوب) على إعاقة تقدُّم المرض.

وبحسب موقع (جمعية أصدقاء مرضى التصلب اللويحي في فلسطين) فإن هذا المرض يصيب غشاء المايلين (المادة البيضاء) من الدماغ، ما يؤثر على المهمات التي يقوم بها هذا الجزء، كالحركة والإحساس والنظر والاتزان والذاكرة.

وعن توفر العلاج، أخبرنا أحمد أن لديه جرعة لشهر كامل، ووزارة الصحة متعاونة كثيرًا مع حالته، إلا أن العلاج في الضفة أقل تركيزًا مما كان يتلقاه في السجن، ولا يوجد مثله إلا في لبنان كما قالت له طبيبة في الصليب الأحمر.

في الحوار معه حول سياسة الإهمال الطبي التي طالما قرأنا عنها، يؤكد أنها مرتبطة بتأخر العلاج للحالة المرضية حين يضطر المريض لانتظار تحويل أوراقه من طبيب إلى آخر، ويُذكر أن عائلته قدمت طلبًا في المحكمة أيلول الماضي للإفراج عنه بسبب تدهور صحته، لكن الطلب قوبل بالرفض.

لا ينام.. ليحلم!
أحمد المشغول بالزيارات التي تشاركه فرحة الإفراج، أتاح لي مساحة الاقتراب من بعض أفراد عائلته، قبل حواره، حيث ظهرت ملامح الفرح على وجوههم وفي الحديث عن لحظات اللقاء التي بدأت بمشاهدته على التلفاز بينما كان والده وإخوته لحظة استقباله في رام الله، حتى وصوله جنين في الثانية صباحًا وسط احتفالات عائلته وأهل قريته(جلبون- شرق جنين)، لكن أول ما فكرت به والدته صبرية "كيف كان وكيف أصبح يمشي على عكازين دون كل الأسرى المحررين الذين رأتهم"، بينما خالته التي تقيم في الأردن وتصادفت زيارتها مع تحريره تخبرنا عن ابن أخيه إلياس ابن الخامسة "كان يحكيلي بدي اروح معك عالأردن بس لما طلع عمه قلتلو يلا ما بدك تروح؟ حكالي لا هسة طلع عمي بروحش على مكان" 

يطلّ بيته على امتداد القرية الأفقي التي يحيطها جدار الضم والتوسع مصادرًا أكثر من ألفي دونم من أراضيها المشجرة بالزيتون، هذا البيت الذي انتظر يوميًا لحظة العودة إليه بمرارة " الانتظار، آباي ما أصعبه! انتظار التحرر أعطانا قدرة إضافية عالصبر، من كتر الانتظار صارت العضلات اللاإرادية إرادية.." وحين تحرر ظل غير مصدق حتى أنه لم ينم ليلتها كما أخبرتنا أخته تماضر؛ كي لا يشعر بحقيقة الأمر وبأنه ليس حلمًا!

تزورهم جارتهم متهللة بالفرح لعودته، لكن ابتسامته لا تشرق كما يجب، لماذا؟ لأن ولديها ما زالا أسيرين، وفي السجن نفسه لم يستطع إظهار فرحته واصفًا إياها ب "المكبوتة" حيث يخجل أمام رفاقه الأسرى حين يخرج ويظلون هم حبيسي الانتظار، ويخبرنا عن عثمان بني حسن من قرية عربونة(شمال شرق جنين) الذي شاركه نفس الغرفة ويدخل عامه السابع والعشرين في الأسر. ثم قال "صحيح سقف توقعاتنا كان كبير خاصة مع اللي طلعوا بالدفعة الأولى لكن اللي صار أقل، في القسم اللي انا فيه 120 أسير طلع منهم 6!"

السجن.. حديث آخر
طاردت قوات الاحتلال أحمد ستة شهور، قبل أن تلقي القبض عليه نهاية نهاية اجتياح مخيم جنين (2002) حين كان يقاوم ورفاقه جنود الاحتلال، كما أخبرتنا والدته. دخل السجن بعد ساعات طويلة من الترقب والقلق وصوت الطائرات، كما وصفها، فتكون أول ثلاثة أشهر بمثابة استراحة وتفكير، ينهض بعدها ليملأ الفراغ الكبير الذي يطغى على حياة الأسر، فيتعلم اللغة العبرية، ويحفظ أجزاء من القرآن الكريم بالإضافة إلى مطالعة الكتب والكتابة، وأكثر كتابين أحبهما: تاريخ الجنس العربي لمحمد عزة دروزة، ومسلسل التقصير والخيانة لمحمد أبو شلباية. وأنهى فصلين في تخصص العلوم السياسية من خلال الانتساب إلى الجامعة العبرية، الشيء الذي توقف بعد أن داهمه المرض، إذ لم يقوَ على الدراسة بعدها.

وأول ما تعلمه أحمد في الأسر أن يكون ذو نظرة وطنية شاملة لا يحصرها الإطار الحزبي " بعد فترة من السجن بتبطل تحس حالك من التنظيم بتنخنق بالإطار الضيق" إذ كان النقاش دائمًا بين أسرى التنظيمات المختلفة في قضايا عديدة حتى في الأنظمة الداخلية لها، مضيفًا أن "السجن معاشرة" أي أن الأسير يدري بكل أطوار حياة رفيقه في الغرفة، يعرف عنه تفاصيله اليومية، وربما يعرف أكثر مما يعرف عن أخيه، مشيرًا إلى أن الأسرى تجاوزوا ما يحدث خارج السجون من انقسام بين التنظيمات الفلسطينية.

تنقل أحمد بين سجون الاحتلال من شطة إلى عسقلان، نفحة، الرملة، مجدّو، بير السبع، وجلبوع، ولكن لم يتم دائمًا نقل الأسرى دون أن يبقى كل منهم في مكانه؟ يجيبنا بأن الإدارة تتبع سياسة النقل مع الذين يعتبرونهم مصدر شغب يحرضون على الإضرابات وتحقيق مطالب السجناء، ومن يسهمون في حل المشاكل داخل السجن يعتبرونهم عناصر استقرار فتكون مصلحتهم بألا ينقلونهم.

مواقف..
" أصعب المواقف حين يموت أحد أقارب الأسير دون أن يستطيع رؤيته، وكذلك لحظات الزيارة حين لا نستطيع احتضان ذوينا إلينا، وكنت قبل الزيارة أفكر فقط كيف أجعل أختي تضحك لأنها كانت تبكي دائمًا لما تراني!" وعن أحد الأسرى قال أحمد بحزن "اتزوجت بنته وعملناله حفلة بالسجن فصار يحكيلي يعني انت بعرفك اكتر من ولادي بجوز لو اشوف بنتي استحي ابوسها عراسها!"  

ومن المواقف المرحة، يتذكر حين ساعد أحد الأسرى من فلسطين 1948 مع رفاقه الآخرين كي يكلم أخته في الهاتف، حيث جابهوا التشويش من إدارة السجن على الخطوط بطريقة ما من خلال توصيل الأسلاك والسماعات، وبالطبع كان الأسير مختبئًا في مكان ما، وأحمد فقط من كان يسمع المكالمة، حيث ردّ ابن أخت الأسير على الهاتف ظانًا أنه "يعاكس" أخته، لينهال عليه بالشتائم وفي الطرف الآخر يحاول إقناعه بأنه خاله حتى أتت الأخت وحين علمت الأمر بدأت تشتم نفسها، وضحك الجميع حين علموا بالموقف. 

والآن مالذي ينوي فعله؟ يحتل وضعه الصحي سلّم أولوياته ، فيفكر فقط بالعلاج، من ثم سيبدأ التفكير بأشياء أخر.



 

هناك 3 تعليقات:

Um Ommar يقول...

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الله يشفاهم ويعطيهم ويعوض صبرهم خير

بكره هالقصص,, من وأنا وصغيره
وحتى ما كنت أفهم إش يعني سجون إسرائيليه
كنت أسمع مغامرات أولاد خالتي ,, وتعذيبهم ومرضهم,,


لا حول ولا قوة إلا بالله

entrümpelung wien يقول...

شكرا لكم .. دائما موفقين ..::))


entrümpelung
entrümpelung
entrümpelung wien

umzug يقول...

:)) ... شكرا لكم .. دائما موفقين

umzug
umzug wien
umzug wien