الثلاثاء، ديسمبر 27، 2011

شهادتي.. إنجازاتي!



أيان الجميلة.. كُتبت القصة قبل أن تأتي، فكانت المشاهد على قدر التوقعات

رحمة حجة

المشهد (1)

على باب غرفة إحدى المستشفيات السعودية، في قسم الولادة، يجلس محمد (32 عامًا)، ثم ينهض سريعًا حين يسمع صراخ زوجته، يقترب من الباب، يرخي أذنيه عليه ليطمئن، يهدأ الصوت، فيهدأ نبض قلبه.
يمشي جيئة وذهابًا بمحاذاة الغرفة، تارة يرفع عينيه بالدعاء كلما اشتد الصراخ، وتارة أخرى يكبلهما خلف ظهره، وأخرى يجلس بصمت.. ولا أكثر خصوبة لثمار الذكريات من أرض الانتظار، وها هي ذاكرة محمد تسترجع أوان نضجها، قبل اثني عشرة سنة!
حينها كان محمد في مقتبل العشرينيات، يعمل مع جدّه في محل لصنع القهوة التي يشربها العابرون وسائقو التاكسيات، على رصيف شارع الأمير محمد في عمّان، تزامنًا مع دراسته للثانوية العامة التي لم يحظ بعلامة النجاح فيها لمرتين متتاليتين! ما جعله يفكر عميقًا "هل سأبقى أعمل هنا؟ وهل سيتكون مستقبلي بين فنجان القهوة والرصيف؟ لا لا أريد أن أبقى على هذا الحال.. أريد حياة أفضل!"
وكذا زوجته، حملت مرتين، ولم ينجح حملها.. وها هي في ولادة المحاولة الثالثة، فهل تنجح وتأتي أيّان؟!

المشهد (2)

تخرج إحدى الممرضات من الغرفة، فيسرع إليها ورأسه يلتفت إلى الداخل، وعيناه لا تفارقان الباب حتى يغلق..
-        هل هي بخير؟
-        أجل  أجل لا تقلق..
-        لكن لم لم تلد حتى الآن؟
-        تقول مبتسمة- الظاهر بنتك عنيدة مو راضية تنزل!
ترتسم ابتسامة على وجهه المتعب- يااااا رب..

المشهد (3)

يعود محمد إلى كرسيه، يغمض عينيه قليلًا، لتلوح له الذكرى من جديد، حيث تراءت له والدته وهي تقدم له سواري الذهب كي يبيعهما من أجل إتمام المبلغ المالي المترتب دفعه مقابل مشاركته في دورة "إدارة المطارات و علوم الطيران" التي كانت الأولى من نوعها آنذاك في الأردن، ومنحت الفرصة لذوي المعدلات المنخفضة في الثانوية العامة، بالإضافة إلى الذين لم يحصلوا على علامة النجاح... جمع ما حصلّه من نقود في عمله في القهوة وأحد المحامص على ثمن سواري الذهب، وذهب.. ليكون أول المنتسبين إلى هذه الدورة، ويُغلق التسجيل بعد استيفاء العدد لشدة المنافسة!
صورة أمه لم تفارقه، التي ضحت بالثمين لأجله في الوقت الذين كانوا بحاجة إلى النقود، ما جعله دائم المثابرة كي يكون الأفضل، وأقل ما يجب تحصيله في الدورة تقدير "جيد جدًا" إلا أن محمدًا حصل على .. ممتاز! وانتهت سنة كاملة كخطوة أولى نحو حلمه، الذي سيغير حياته..
يفتح عينيه فجأة على صوت زوجته، ويقوم بسرعة الخائف، ولم تأت أيّان بعد!

المشهد (4)

" الساعة في معصمه الأيسر تشير إلى التاسعة والنصف مساء، وقد بدأ انتظاره منذ الثامنة، ليتذكر انتظاراته الصباحية التي استمرت شهرًا على أبواب "الملكية الأردنية للطيران" يحمل شهادة الدورة التي حصل عليها مصدقةً من وزارة التعليم العالي وجامعة عمان الأهلية، إلا أن ذلك لم يكفه لينخرط في التدريب مع الملكية، حيث طلبوا منه شهادة الثانوية العامة، لكنه مارس تكرار طلبه وإلحاحه عليهم ليتدرب على أيدي خبرائهم طيلة الشهر، حتى "ملّوا" منه وقبلوا الطلب.
الشريط بدأ التسارع... سنتان في الملكية الأردنية في قسم العمليات المختص بالحجوزات عن طريق الهاتف.. ليس فقط متدربًا إنما مدربًا أيضًا لخريجي الجامعات؛ كي يحصل على شهادة الخبرة التي تعدّ وسامًا للعمل فيما بعد في أي مكان نظرًا لأن شركة الطيران المذكورة هي الأولى باعتبارها الناقل الرسمي في الأردن، وحلمه لا يفارقه!

يبتسم أثناء تفكيره.. متذكرًا الموقف الذي لا ينساه، حين دخلت مديرة القسم مكتبهم مع المتدربين:
-        هاد الولد أحسن منكم كلكم، وعشان هيك رح نكافؤوا بتذكرة ذهاب وعودة لتايلاند..
ليذهب وحده إلى تايلاند، يعيش حلاوة الإنجاز، ويمارس أحلام السفر فيما بعد مع زوجته، حيث تعاهدا بأن يكونا رفيقي درب واحد، في كل مكان، وإلى أي مكان في العالم!

المديرة ذاتها انتقلت للعمل في أحد مراكز الحجز الآلي في الأردن وطلبت فيما بعد أن ينتقل محمد للعمل معها، واستمر عمله هناك لمدة عام، لم تستطع تثبيت تعيينه كموظف رسمي فيه لعدم حصوله على الثانوية العامة، عام كامل دون راتب شهري، لكنه لم يخل من المكافآت التي كانت تصرفها له المديرة مقابل عمله.
حبيبتي أيان، متى ستأتي؟؟

المشهد (5)
شعر محمد بالعطش، فتوجه نحو الماء في البهو المجاور للغرفة، وصورة أيان (المستخرجة من جهاز الآلي لفحص الحمل) بيده، كأنه يقبض على حلمه الثاني، يحتضنها حتى تجيء ويرى تعاليم الجسد الطفولي الملائكي، الذي سيملأ العمر بين دفتي قلبه وقلب زوجته التي تعاني في الداخل، ويحمل هو صرخاتها..
يشرب.. يستريح قليلًا، والدعاء والذكريات لا تفارقه، وها هي تطل من أعلى الدرج، والدته! يركض نحوها.. يحتضنها، وتهون عليه بكلماتها:
-        ان شالله تقوم بالسلامة ونشوف أيان، هاد اشي طبيعي ما تخاف
-        خليكي جمبي.. 
أمه التي كانت دائمًا الوصلة بينه وبين أحلامه، ها هي تخفف عنه مرة أخرى، ويتسع له حضنها مجددًا..
يغفو على ساعديها.. وتلوح له بقايا الذكريات، حين تعرف على زوج ابنة عمته، وشرح له طبيعة عمله والخبرة التي يحملها بعد عمله في شركة أخرى للسياحة والسفر لمدة ستة شهور في عمان، ويعده بأن يساعده في العمل..
وبينما كان مع أحد المجموعات العربية السائحة في وادي رم، جاءه الاتصال الذي نقله من عمان إلى السعودية، إذ يعمل مذ ذاك الوقت (2005) حتى الآن في مكتب "الطيار" للسياحة والسفر، المعروف على مستوى الوطن العربي، ويؤهله للعمل بتميز في أي مكان يريده..

المشهد (6)

-        وااااع وااااع وااااع
ينبعث الصوت من الغرفة.. فيستفيق فرحًا وتشكر أمه الله، ليخرج الطبيب..
-        الحمد لله عسلامتها
يدخل محمد ووالدته إلى الغرفة مسرعًا، يحمل أيان ويقبلها، ويقبل جبهة زوجته..
-        الحمد لله عسلامتك، ومباركة علينا أيان.. مباركة للعمر اللي جاية..

هناك 4 تعليقات:

Um Ommar يقول...

طريقة نقل التفاصيل ما بين الذكريات والحاضر طريقة جدن راقيه ورائعه

أبدعتي بالسرد,, جدن جدن كمان

صباحك خير

يارب نلافي عند كل الشباب هالطموح
بحب الطموح,,هوه الشي الوحيد اللي ما إله حدود وما بمنعه إلا الخوف اللي جواتنا

يتهنو بأيان يارب,, إسم كتير حلو

جعفر حجير يقول...

لا زلت أؤمن أن عالم التدوين يحتوي كنوزا مخبأة

أمتعتني و تمنيت لو أن الرواية أطول
شكرا لأم عمر إنها عرفتنا على هذه المدونة

Um Ommar يقول...

العفو جعفر
لازمن هاي المواهب ما تضلها مدفونه
خصوصي إنكم من فلسطين
:))

رحمة محمود يقول...

شكرا أم عمر، وانا سعيدة جدا بقراءتك، وتسلمي الله يحلي ايامك :))

جعفر شكرا كتير لوقتك وقراءتك، بيسعدني وجودك أيضًا.

مودتي.. رحمة