الأحد، أكتوبر 23، 2011

18/10، هنا: بعض من الحرية











 رحمة حجة
 
"تحيا فلسطين حرة عربية.. تحيا فلسطين حرة عربية.." ويبتعد الصوت " تحيا فلس ط ي ن حر ة ع ر ب ي ة" المنبعث من مدرسة الأوائل التي تقطن بجوارنا، تخلل حوّاسي حال الخروج من "السكن" قاصدة بيتونيا، لألتقي وأهالي الأسرى المحررين بالقرب من سجن عوفر الاحتلالي... وها هو نهاري يبدأ بنفس متصاعد ووتيرة عالية من الخفقان المنعش.

في السيارة أخبار الصباح مختلفة، وأغاني الصباح مختلفة أيضًا، وأتى صوت مذيع "الراية" من بين الموسيقى الوطنية الاحتفالية، ليقول "صباح الخير .. صباح الحرية" ولأن هذه اللحظة أهم من صوته الذي لم يرق لي، لم أشح بسمعي بعيدًا، وبصري ظل يراقب حركة السير التي علتها أعلام وصور للأسرى المحررين، عدا عن مكبرات الصوت المعلنة عن فرح هذا اليوم، بطابعها الحزبي حينًا، والعام حينًا آخر.




الحل عند جوليا
قرب عوفر، كان أهالي الأسرى وغير أهالي الأسرى ينتظرون ابتسامات الحرية، بألوانهم وأعلامهم ودموعهم وضحكاتهم وموسيقاهم وأغانيهم ودبكاتهم ورقصاتهم وأطفالهم.. وحتى بهدوئهم في جلسات انفرادية على الصخور أو داخل السيارات أو خارجها على مقاعد بلاستيكية.. يراقبون ذلك الفرح عن قرب وصمت متقن، كتلك المرأة التي رأيتها جالسة أمام سيارة الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر، تنتظر بثوبها الفلسطيني عودة أحدهم..

طغت الرايات الخضراء على المشهد العام، فخطر لي "هي فرصة حماس لتحتفي بذاتها حيث منعت طيلة الفترة الماضية من التلويح براياتها في الضفة الغربية كإحدى تبعات الانقسام الفلسطيني" وابتسمت لأجلهم.. للمرة الأولى! وارتدى شعارات حماس من لا ينتمي إلى صفوفها، ربما شكرًا لها، حتى أن أفرادًا ارتدوا راياتها وكانوا في ذات الوقت ضمن مجموعة تحتفل على نغمات الأغاني الفتحاوية..

بعد قليل، تحركت سيارة تحمل مكبرات الصوت، لتتوسط الجموع، وينبعث منها صوت داع إلى وحدة الشعار والأغنية، بدلًا من الانقسام إلى مجموعتين (فتح وحماس وما تناثر بينهما من الجبهة الشعبية والمبادرة وجبهة النضال الشعب)، ردد شعارًا للأسرة.. مرة، مرتين، ثلاثة.. وما أجابه سوى الصدى، فكان الحل، جوليا بطرس وأغانيها الثورية، التي، على الأقل، ربما، توحد الصفوف..!

لظرف ما اضطررت إلى العودة لرام الله، من ثم اختيار العودة مرة أخرى، لكن إلى المقاطعة، حيث سيستقبل المحررون وسيُجمعون بأهاليهم هناك، إذ نصحني سائق التاكسي بذلك، ونصائح السائق تُسمَع.. وعلمت فيما بعد بالاشتباكات التي حصلت في عوفر بعد مغادرتي.



في النُص
في التاكسي الذي أقلني من بيتونيا إلى رام الله موقفان، أولهما ندمت لأن سرعة بديهتي خانتني ولم ألتقط الكاميرا وأصوره، وثانيهما انبعث من إذاعة "الحرية" وها أنا أكتب عنه.

من عوفر إلى مدرسة الذكور في بيتونيا، ما زالت الأعلام والسيارات والصخب الموسيقي مدويًا بانتظار المحررين، إلى أن رأينا عددا كبيرًا من طلبة المدرسة يصطفون بجانب بعضهم خارج سورها، بلباسهم الأزرق، يوحي منظرهم بأنهم سيلاقون المحررين حين يمرون من أمامهم، حيث سمعت صوت طبول الكشافة، لكن فجأة ظهر رجل يحمل "بربيشًا" في يده، وركض من بينهم، ثم بدأ يضربهم بقوة، مجموعة مجموعة، وأخذوا بدورهم يتناثرون هروبًا، وعلامات الغضب بادية على وجهه!!

سألت من معي في التاكسي حول ذلك ربما سيعرفون؟ فقال أحدهم بلهجة ابن المنطقة "هاد مدير المدرسة، شكلو الاولاد هاربين دون علمه" فحيرتني كلمة "هاربين"، هل هي من استقبال المحررين أم من المدرسة للاستقبال؟! ومهما كان الجواب، هل يجوز لهذا "المدير" ضربهم بهذا الشكل الذي أصفه بالمتخلف؟! ليقول السائق "لازم اليوم أصلًا عطلوا المدارس عشان الاستقبال"..

أما عن إذاعة الحرية، كانت كغيرها من الإذاعات هذا النهار، حبلى بالأغاني الوطنية وأفراح الحرية، ليقطع المذيع الوصلة بقوله- ليس حرفيًا إنما أتحرّى التنصيص- "اليوم رفعت الأعلام الفلسطينية في كل الوطن، ولم ترفع أعلام وشعارات الفصائل، فقط علم فلسطين، وهذا الإنجاز لا يعود لأحد، إنما لكل الشعب الفلسطيني..... بالنسبة للأسيرات اللاتي لم يحررن ضمن الصفقة، سئل أحد قادة حماس عن ذلك فقال إن ذلك خطأ المؤسسات الحقوقية التي لم تخبرهم عنهن.. لا تعليق مستمعينا الكرام"

وهذا نموذج من الكذب على المواطن –برأيي- فعلى ما يبدو أن المذيع لم ير عوفر على شاشات التلفزة أو لم يخبره مراسل إذاعتهم هناك-إن وجد- عن الرايات الفصائلية، ولم يمش في شوارع رام الله هذا الصباح ليرَ السيارات التي ترفع رايات حركة فتح وحركة حماس. كان بإمكانه استخدام الحقيقة بشكل جميل كما قال مذيع آخر "أعلام الفصائل كلها موجودة دليل على وحدة الصف الوطني" لا أن ينكر وجودها ويكذب أيضًا!

وبالنسبة للإنجاز وحماس.. أسأل المذيع، كيف حال العلم الواحد؟




اللقاء
أخبرتني أختي بأنهم تابعوا الأخبار المنقولة من بيتونيا منذ الرابعة صباحًا والعائلات هناك، وظلوا إلى أن وصل المحررون بعد الساعة الحادية عشرة، ليذهبوا بعدها إلى المقاطعة وينتظروا من جديد.

تجاوزنا بوابات الأمن والتفتيش في الحقائب، ودخلنا المقاطعة، كانت المرة الأولى بالنسبة لي. الناس ما زالوا يحتشدون، عشرات الكاميرات، مكبر واحد للصوت، وحلقات الدبكة والرقص مستمرة، أطفال ونساء وشباب وشابات ومتقدمين في السن، كلنا ننتظر مقابل منصة تطل كالشرفة، على ما يبدو سنرى المحررين هناك.. والرئيس.

خطر لي "ماذا لو نزل الرئيس إلى الساحة وشارك العائلات الدبكة؟! خاصة وأن الأمن موجود أعلى كل سور وأدنى كل زاوية من المقاطعة عوضًا عن حملة تفتيش كل من يدخلها.. يعني الدنيا أمان!!"

كانت كل عائلة تترقب محررها/تها، وكلما دخلت إحدى الشخصيات البارزة التي ستستقبلهم، ظننا أنهم المحررون، ولكن ما إن علت زغرودة بيننا حتى أدركنا أنهم وصلوا أخيرًا.. كم كانت المشاهد مؤثرة عند ظهور كل واحد منهم وواحدة، حين أطلوا من تلك الشرفة، وبدأوا النزول أحدهم تلو الآخر، وأنا أحاول مشاهدتهم بين الحشود المتدافعة، صرخ أحدهم خلفي فرحًا "هذا ماجد!".. حينها تمنيت لو أنني أعرف أيًا منهم كي أنتظره بتلك اللهفة، إلا أن لهفتي كانت بانتظارهم جميعًا..

في تلك اللحظة فكرت أنه ليس بالضرورة أن يكون أحدهم قريبي حتى أترقبه، ربما تجب علي معرفتهم واحدًا واحدًا حتى حين أرى وجه أي منهم أعرفه.. وأناديه باسمه، هذه ال 6000 اسم، عليّ حفظها.. ربما سأستطيع!

بدأ الرئيس خطابه، وليس الكل استماع.. حيث بدأ المحرَرون السير باتجاه أهاليهم، وطغى صوت الفرح والزغاريد والشعارات لكل منهم على صوت الرئيس، وكل ما رأينا واحدًا منهم، تدافعنا باتجاه التقاط اللحظات الأولى في احتضانه لأهله داخل صورة، كانت الدموع سيدة المشهد، والقُبل أقل من الشوق الذي اعتراهم، بعض منهم صار يسأل عن أخيه أو والده الذي أخره الحشد عن الوصول إليه سريعًا، وبعض المحررين لم يجدوا أهاليهم بسرعة حيث كان مكبر الصوت ينادي كل برهة باسم أسير ويقول مثلًا " إلى أهل الأسير... هو الآن عند البوابة الغربية للمقاطعة" ..

انتهينا من التصوير والدموع (فقط هذه اللحظة) وتركنا المقاطعة تخلو من الوافدين رويدًا رويدًا، وبوابات الأمن في مقرها لا تسأل الخارجين، وعيارات الفرح النارية أخذت حريتها في الخارج (وصفي لا يعني رضاي عن هذه الظاهرة) وبائع الساندويشات فرغت جعبته وابتسم بعد أن التقطت له وللعربة صورة، وهذا محرر يشرب " الخروب أو التمر هندي ربما" من البائع الذي يرتدي لباسه المميز ويلف عادة حول المنارة، أفكر: "هذا أول شيء يتذوقه في هوا الحرية" وأبتسم..

كم كان يومي حافلًا وجزءًا من أفراحي لهذا العام، وفكرت كم كان هاتف أختي الصباحي المحرّض قبل تمام السابعة صباحًا ناجعًا، ذاك الذي قادني إلى رؤية المحررين ولحظاتهم الأولى واستعادة الأمل ومشاركة الناس فرحهم والفخر حين أقول لأحدهم "الحمد لله عسلامتك".

عدت إلى مكان تدريبي، والأغنية المرافقة لمارسيل في التاكسي بدأت معي من مقطع "هرمت فردّي نجوم الطفولة، حتى أشارك صغار العصافير، درب الرجوع لعش انتظارك" يااااااااه كم هي موجعة ومختلفة المعنى في هذه اللحظة؛ حيث تذكرت المحررين ذوي الشعر الأبيض واللحى البيضاء والتجاعيد المهملة والأسنان المصفرّة والأسنان الغائبة، والابتسامات المتفاجئة.. إلى جانب ذوييهم الذين انتظروهم سنينًا من العمر، رحلّ بعضهم إلى الله والبعض الآخر شهد هذه اللحظة الحرة.













ليست هناك تعليقات: