أكتب لك من هنا، ودمي محاصر بالغصّات، والخوف من أن تكون خيبته الكبرى، حيث تعلم بأن كل ما سبق أشباه متراكمة من الخيبات، لم تزدني إلا منعة للجدران التي نتعثر بها في هذا الوطن.
أأخبرك عن الوطن؟ ذاك الذي تعودته ملجأ حين يموت الحب، وهديًا حين أجده، الآن.. أنا على حافة هذا الوطن، لا أستشرف أي شيء.. لا أستطيع التنبؤ بالأمل، وكل ما أراه عبارة عن جولات تنافسية بين الصاعدين نحو اتجاه يخطئه، وخطوات مرتجلة لا تدبير لها سوى لحظتها، أما قبل وأما بعد، فحذفت من قاموسهم.. وأنا ما زلت أخط رسائلي اليومية إليك، أملًا بشيء من اليقين أنني لن أضطر إلى محوها يومًا ما، وستقرؤها، وستبتسم.. وتقول لي بعينينك العطوفتين: أحبك!
كيف لي ألا أكتب لك، وكلما ذهبت بي الحاجة وجدت سواك عونًا، وخانتني يداك..! أنا أراك ثالثًا بيني وبين الشارع، وصديق.. وأمي.. والباص.. والسماء.. والبحر الذي لم أره.. وحلمي، أراك أينما ذهبت، أيجب الإخلاص لوهم؟ وهل أكبر من وهمي بك؟!
البارحة قالت إحدى " اليساريات" إن " استحقاق أيلول وهم.. والدولة وهم.. والتحرر من الاحتلال ومستوطناته وحواجزه خلال أيام مجرد وهم.. لذا فلنكن واقعيين" وفي ذات الوقت قالت " نرحب بخطوة الذهاب إلى الأمم المتحدة لكن بشروط... وإيجابيات الحصول على دولة لا تذكر إلى جانب سلبياتها على الفلسطينيين في الوطن واللجوء والشتات".. الشيء الذي لم يخلق في ذهني إلا الشتات! فكيف تفاوض على الوهم؟ وتناقش سبل تطوير الوهم؟ وترحب مع رفاقها بإستراتيجية الوهم؟ نحن في وهم كبير يا عزيزي..!
وأنا إحدى حالات الوهم، حيث ينمو معي ويستقيظ معي وينام معي ويتعب إن تعبت، ويشرق إن أشرقت.. وأفاوضك فيه على جدر لا تراها، وأتناسى " فيتو" ردك.. إذ أصحو على أمل اسمك مرفوعًا على إضاءة شاشة هاتفي المتواضع، كما يحلم الذاهبون برفع العلم على صدور شهدائنا وفي أوجاع أسرانا المهملين طبيًا ونضاليًا إلا باحتفالات الأمل والوعد والأعياد المجيدة..!
على ذكر الأسرى، قبل فترة، في طريقي إلى رام الله، جلست إلى جانب شابة تفتحت عيناها على تعب وحزن مُهمَل، ويبدو أنها ارتاحت في جواري فحكت لي كل أسباب ذاك التعب.. هي التي تنتظر زوجها الأسير منذ سبعة أعوام، عمر طفلها الذي كان 50 يومًا لحظة أسر والده. قالت لي بأنها ستنتظره إلى " المؤبد" ولا شيء سيردعها، وتناقشنا في قضية الانتظار والصراع الذي تواجهه المرأة والضغوط التي تتعرض إليها كي تترك زوجها و" تعيش حياتها"، ثم سألتني برفق حزين: " إن حصل معك ذات الشيء هل ستنتظرينه أم تتركينه؟" وأجبتها " بأنني فكرت في ذلك مسبقًا- ربما لأن حلمي كان في رجل لا يرى إلا فلسطين كاملة مهما كلفه من حياته الثمن- ولن أتركه" فقالت بقوة: " وأنا لن أتركه مهما حصل"...
وسألتني:
- يقولون بأن الأسرى كافة سيتحررون بعد أيلول، ما رأيك؟
- لا أظن!!
- انظري لمصر، هل توقع أحد سقوط مبارك ونظامه؟! كان مستحيلًا تصديق ذلك، وكذلك الأسرى.."
ابتسمت حيث لا أعرف الإجابة- لا أعرف.. ربما، ولكنني لا أظن..!
- أتدرين؟ لا أريد شيئًا، وحتى الأقصى لا أريده، فقط أريد أن يتحرر الأسرى ويعود زوجي!
- واللاجئون يقولون نريد العودة.. والمشغولون بوظائفهم يريدون تحقيق الدولة.. كل يريد حلًا لقضيته وحده!!
ابتسمَت..
هل تدرك إلى أين وصلنا يا عزيزي؟ إلى الأهداف غير المشتركة، نحن مثقلون بالبساطة العمياء.. منسيون في هذا الوطن من خطط " الذي يصنعون القرار و يرتبون ترابه مبان ومؤسسات" وانا منسية في يومك، لا أذكر إلا أنت، بعد يوم من التعب..!


09:04 ص
رحمة محمود

Posted in: 
0 التعليقات:
إرسال تعليق