الثلاثاء، أغسطس 02، 2011

1- رمضان، هنا: جمال عبد الناصر



بدأت الأقفال العمل، قبل ساعة أو أكثر قليلا من موعد أذان المغرب، وصوت السيارات والباعة يتضاءل رويدًا رويدًا، ومرتادات المصلّى في مسجد "جمال عبد الناصر" (رام الله) يغادرن بدورهن امرأة تلو الأخرى، والساعة تترقب الوحدة والمفاجآت.

كلما علا صوت إغلاق الحديد، زاد اضطراب القلب بإمكانية إقفال المسجد، لكنّ شيئًا ما يدعو للاطمئنان " وهل لبيوت الله أن تقفل؟".

لا تزال الوحدة وحيدة، غير مقرونة بالمفاجآت، ليزيد الاطمئنان بالتحضير للأذان من خلال الآيات القرآنية التي تسبقه، يا ترى، هل سيأتي عصر تلبي فيه التكنولوجيا دور الإمام، فيتحكم عن بعد بسماعة المسجد أثناء جلوسه مع عائلته في بيته، فيشغلّ صوت القرآن ثم يتبعه الأذان، والناس انتظار؟!

ها هي امرأة تأتي سريعًا، تتلقى الماء المنسدل من الصنبور الذي يسقي روّاد المسجد معنونًا بروح أحد المتوفين عند الله، وما زالت تضم الماء بكلتا راحتيها، وتشرب.

يبدو من قدميها المخضبتين إثر التعرّض الطويل لأشعة الشمس، أنها سارت أو جلست- ربما- كثيرًا، ومن إشاراتها الغضبى إثر ابتسامة تحية وجهت إليها، أنها فقدت الثقة في البشر، فلم الخوف من تجهمها والاضطراب؟ ربما الوحدة مصدر ذاك القلق، لكن، هل يخاف من كان بين يدي الله؟ وهل يؤذي من يرتاح بيت الله؟

- أقم الصلاة.. أقم الصلاة( يتسرب صوت الإمام من السماعة الموصولة بالمصلّى)

مباشرة بعد الأذان، فوحدها صلاة المغرب في رمضان لا تنتظر المصلّين، لأن الذي أتى أتى، ومن لم يأت ظل إلى جانب زاده بعد الصيام، أو ربما كان مشغولًا بأشياء أخر.

الصلاة تحديدًا في هذه اللحظة، قدمت الخوف للمحاكمة، لتحبسه بضع دقائق قبل إصدار الحكم النهائي، وها هو يترصدّ الصلاة لتنتهي دون أدنى خشوع، إلا الدعاء المتصل بألا يُطلَقَ سراحُه..!

صوت طفل يجري إلى جانب والدته، ليدخلا معًا المصلّى، وتوعز بابتسامة مطمئنة، مبررة سبب وجودها تلك اللحظة في المسجد؛ حيث منعتهم زيارة مريض عن شواغر في سيارات تقلهم إلى قريتهم، فالمواصلات موقوفة وقت الإفطار. أتت
تقدّم " الفطائر المحلاة المحشوة" كنوع من كسر الوحدة والحواجز والخوف، الذي أعدم تمامًا.. حبس الله الخوف، وأعدمه عباده!!

الساعة تترقب موعد العِشاء، والنساء بدأن التوافد بعد سبعة عشر دقيقة من تمام السابعة، لتتحرر الرغبة في السير عبر طرقات خفتت إضاءتها لقلّة المحال التجارية المضاءة، وها هو أحد باعة البسطات يعيد ترتيب بضاعته على مساحة (1.5* 1.5)، فلا فرق بينه وبين مالك "الفاترينات" في الاهتمام بترتيب البضاعة، والحب الذي يكنه لها، لتبدو بأجمل شكل، الشيء الذي يوحي بالمعنى الحقيقي للرضا.

امرأة تلقي التحية على أخرى لا تعرفها في الشارع، ما يحصل لأول مرة في رام الله- مع الأخرى على الأقل- ، ربما اطمأنتا لبعضهما وسط الشارع فاتر الضوء والأنوثة، حيث الرجال منتشرون على جوانب الطريق، منهم ماشٍ ومنهم صاحب محل، والمتبقون يرقبون حركة " ما بعد الإفطار"..!

ينهي عقرب الدقائق خمس عشرة دورة، ليعود إلى ترقب أذان العشاء الذي سيملأ المصلّى استعدادًا لصلاة "التراويح"، وهاهن الأمهات والجدات والعزباوات، بعضهن يصطحبن الفتيات الصغيرات اللاتي يرتدين ملابس الصلاة تقليدًا للكبيرات، تردد طفلة من بعيد كلاما يبدو كأنه فارسي، لحداثة طلاقتها بالكلام، تحمل بين يديها القرآن، وتنظر إلى أعلى، كأنما تجمع ما حفظت عن ظهر قلب من الفاتحة إلى الإخلاص إلى الفلق.. سوف لن يحاسبها الله على حملها القرآن بطريقة خاطئة، الشيء الذي تنبهته والدتها لتأتي سريعًا ساحبة إياه منها؛ فالله يحب الأطفال كثيرًا، وأظنه ابتسم حين رأى هذه الطفلة.

- الله أكبر الله أكبر
- أشهد أن لا إله إلا الله
- أشهد أن محمدا رسول الله
- حي على الصلاة
- حي على الفلاح
- قد قامت الصلاة
- قد قامت الصلاة
الله أكبر الله أكبر... لا إله إلا الله

السرعة في الاصطفاف وسدّ الثغرات والتماس مع الغرباء الذين توحدهم " آمين" بعد أولّ فاتحة، وتفرقهم "آمين" بعد دعاء الوتر، كل منهم جاء من مكان ولهدف وينتمي لشيء ما، بغض النظر عن سنه أو بصره الذي ذهب، كتلك المرأة الكفيفة التي مشت إلى جانب صديقتها- ربما أختها- بابتسامة الذهاب إلى الجماعة التي ترتبط معًا بذكر الله والتضرّع إليه، شيء يزوّد النفس لتراتٍ من الأمل..

هناك تعليقان (2):

-=¤§ آس §¤=- يقول...

وسيعلو صوت الآذان دائما
وستبقى مساجدنا شامخة
والله أكبر من الجميع
ورمضان كريم

رحمة محمود يقول...

علينا وعليكم يا رب :)