الاثنين، مايو 09، 2011

قراءة أولى.. "حفارو القبور"



"حفارو القبور" هو كتاب هذا الشهر الذي اختارته مجموعة "قرّاء" في جنين للمناقشة، كتبه المفكر الفرنسي روجيه جارودي عام 1999، و النسخة المقروءة ترجمتها عزة صبحي للعربية، و تقع في 154 صفحة. و يتألف الكتاب من أربعة أقسام، يستظل بكل قسم عدد من العناوين، التي تعبر عن أفكار جارودي تجاه القضايا التي يناقشها.

العالم المحطم و الهيمنة الجديدة

يثير جارودي في هذا القسم شكل العلاقة الاستعمارية التي تحكم قطبي العالم(التابع و المتبوع) و أسبابها التي تدور حول المحور الاقتصادي الذي يمثل الهدف و الوسيلة في آن، و كيف تمركزت السيطرة بيد الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد حرب الخليج الثانية، و طالت سيطرتها دول أوروبا و الاتحاد السوفياتي، الذي أدى تفككه إلى ظهور قوى موالية(يلسن) لسياسة الولايات المتحدة، ما أحكم تبعيتها لها.
و ناقش "التطرف الاستعماري" و يعني؛ادعاء امتلاك الثقافة الوحيدة الحقيقية، و الدين العالمي الوحيد، والنموذج التنموي الوحيد، مع نفي أو تدمير الثقافات و الديانات و النماذج الأخرى، و هذا "التطرف" أدى بدوره إلى إيجاد هيمنة استعمارية من نوع جديد، تسربت عبر اقتصاد السوق، لتفرض حياة غربية، تتغلغل في جوانب الحياة المختلفة، فتنشأ جماعة متطرفة رافضة لهذا التيار السائد، و محاربة له، و أورد الجزائر نموذجاً.

أعراض الانحطاط

يرى الكاتب أنّ الولايات المتحدة هي أساس الانحطاط في العالم، موضحاً مفهوم الانحطاط بأنه "قطع أواصر النسيج الاجتماعي؛ لتحويل المجتمع إلى ذرات، وتخريب العلاقات بين الجماعات القومية الاجتماعية أو الدينية، وذلك حين لا تعتبر وحدة العالم هدفاً نهائياً و قاعدة كبرى" ، و يقع الانحطاط على مستويين، على المستوى الفردي؛ الذي يعني الاهتمام بالنفس و رفض الآخر، و على المستوى الجماعي؛ الذي يعني النزوع إلى السيطرة.
و من مظاهر الانحطاط، تفاقم التفاوت وعدم المساواة بين الأغنياء والفقراء من أمريكا حتى أوروبا، الشيء الذي أنتج الفساد والعنف في المجتمع، أما الإعلام في هذا العصر، فقد بات تجارياً بالمطلق، إذ تمثل الحقيقة لديه سلعة تباع وتشترى، أما ما يبثه للناس، فليس مبنياً على "الجمهور يريد هذا" كما يدعّي، إنما على تسريب نوع معين من المواد الإعلامية التي لا هدف لها إلا الربح، و جعلها ثقافة سائدة، يتكيف المتلقي معها، و يطلبها بالمقابل، بشكل لا إرادي، أما "الخروج عن المألوف" فهو المعيار الوحيد الذي يمكن أن يجذب زبائن اليوم.، وهذا ما سماه جارودي بثقافة "اللامعنى".

التكنولوجيا: الأم الإلهة.. لماذا لم تتمكن التقنية من حل مشكلات عالمها؟

يطرح جارودي فكرتين أساسيتين في هذا القسم، أولاهما أنّ الحداثة عبارة عن تجسيد للهيمنة الغربية و الاستعمار ليس إلا، و ثانيهما أن العلم لا يقف عند حد، وهناك نظريات علمية "النسبية و الكمية" حديثة غيرت سياقاً علمياً حوصر به الإنسان منذ زمن، وظنه اليقين.
ويعرّف الحداثة بمظاهرها، وأهمها سيطرة العلوم والتقنية على الحضارة، ونظام تختزل فيه كل القيم إلى سلع، والانشقاق عن التراث، عوضاً عن سيادة النمط الغربي في الحياة، ورأى أن الحداثة انتهت لكونها تغييراً من أجل التغيير فقط.

ماذا نفعل؟

القسم الرابع والأخير، خصصه الكاتب لمقترحات حلول، في محاولة للتخلص من المشكلات وتأثيرها، تلك التي خصص لها ثلاثة أقسام شرحاً وتفصيلاً.
وتتلخص الحلول فيما يأتي:
1- تنظيم الحرب الاقتصادية بتقليص السوق الأمريكي.
2- مقاطعة البضائع الأمريكية، وتبدأ بالأشياء البسيطة مثل الكوكاكولا والسجائر وأسطوانات الأفلام.
3- وضع نهاية للصدع الاستعماري.
4- مواجهة عقبة أسطورتي الحداثة والديمقراطية، بيقظة شعبية ناقدة للمجريات الحالية، إلى جانب التغيير الجذري للعلاقة بين أوروبا والعالم الثالث.
5- حل مشكلة الهجرة.
6- مشاركة الجميع في مقاومة اللامعنى.
7- إعادة بناء النسيج الاجتماعي، بشرط أن تشارك القاعدة فيه مشاركة حقيقية.
8- الإيمان بوجود نماذج مناضلة جديدة قادرة على الصمود، فالنضال لم يتوقف عند زمن أو شخص.
9- حل مشكلة البطالة، و ذلك من خلال عدم اعتبار العالم الثالث مصرفاً لفائض الاقتصاد الأوروبي المشوه، الذي ينتج الكثير من أجل الإسراف و القتل، دون اعتبار لحاجات شعبه و الشعوب الأخرى.
و أنهى كتابه، بفكرة ضرورة الإيمان بوجود أمل على الدوام، الشيء الذي يعزز القدرة على مواجهة التحديات المعاصرة .

قالت "قرّاء"

الكتاب قيّم، و غزير بالمعلومات المترابطة و المتتابعة، و المكررة أحياناً، مرتب بشكل جذاب لا يرهق القارئ في المتابعة، وأجمل الكاتب مشاكل كثيرة تعاني منها البشرية بطريقة واعية و موضوعية، ولم يكتف بالنقد، بل حاول إيجاد حلول لتلك المشاكل، أما الترجمة، فالواضح أن المترجمة عزة صبحي ليست متمكنة من اللغة العربية، إذ افتقدت الترجمة لأدوات الربط كثيراً، حتى ظنّ القارئ في كثير من المواقع أنه يقرأ اقتباسات لجارودي مترجمة ومرتبة، و ليس نصوصاً مترابطة.

ليست هناك تعليقات: