الاثنين، مايو 16، 2011

15 أيار- هنا قلنديا


لم أدرِ من قبل، أن رمي حجر صوب جندي احتلال مدجج بالسلاح، يحتاج إلى قدر من الجرأة و الشجاعة، لم تملكه يداي، و لم يسطعه قلبي، الذي يتسارع نبضه كلما سمع صوتاً مدوياً، ظاناً أنه الرصاص، ليتضح أنه صوت قنابل الغاز المسيل للدموع، الذي التقيته المرة الأولى منتصف أيار على حاجز قلنديا، فالشهداء في قريتي كانوا يغادرون على مهل، و بلا ضجيج إلا حول أسوار بيوتهم، و كل المظاهرات التي سرت فيها، كانت أقلّ حدّة من أن يجتاحها ضباب الغاز، و الرصاص المطاطي و الحي و القنابل الصوتية!
جئت
أبحث عن أمل.. عن استثناء.. ورائحة الحنين إلى الوطن، و عن بعض ٍ منّي.. جئتُ أبحث.. فوجدتني بينهم، هؤلاء الشباب الذين لم يرضخوا ل "احتفاليات" النكبة التقليدية، التي تنتهي عادة بخطابات كاذبة، و أغان ٍ شعبية تعودنا سماعها في لحظات السلام، بدمعة و اشتياق، و بلا حراكٍ أيضاً!

في تلك اللحظات، أدركت قيمة الحياة فقط، التي تجعلني أهرب من الصوت و الغاز، و من أسباب ربما تقود إلى حتفي، و لم أكن كالذين قرأت عنهم، إلا أنني تذكرت دلال.. شعرت أن كلّ خطوة إلى الأمام، باتجاه العدو، تقربني منها، إذ كانت تلوح لي، و تهمس "لا تخافي".. و رأيت فارس.. فروحه كانت تحوم في قلب كل شاب حمل حجراً و مولوتفاً و حتى قنبلة الغاز التي تسقط إلى جانبه، كل شاب اختنق و احتمى دقيقتين، فيفك عنه الكوفية، و يتنفس هواء أنقى بقليل، ثم يلفها سريعاً، عائداً إلى الميدان، يحمل حجراً في كفه، و في الأخرى يحمل أملاً..

" هذا الضباب يلاحقني.. يستفزني.. أمسك بقطعة بصل.. أشمها.. لا فائدة!.. نغزات تحت عينيّ، و عينيّ تغمضان.. أفتحهما رغماً عنّي.. قدماي تخوناني،، سأقع.. سأقع.. لا، أستمر بين السير و الركض.. أغمض عينيّ، لا، لن أتراخى، جسدي يهبط رويداً رويداً.. لا أريد فقدان وعيي.. ألمح مدخلاً، فأعبره.. يناولني مسعف قطعة قماش مبلولة، أشمها، و أجلس سريعاً على عتبة أحد البيوت.. فأرشف بعض الهواء، محاولة إخراج السمّ من جسدي ببصقات و بعض سعال و عطس! "

رذاذ البصل الذي يسوق العيون إلى الدموع أثناء تقطيعه، يقاوم الغاز المسيل للدموع، و في هذا الموقع تحديداً، لم نشتـُـمه لرائحته الكريهة، إنما كنا نشتـَـمُّـه كما لو أنه نرجس أو ياسمين، فلا نشبع عبقه! وأن تعطي أحدهم بصلة، بمثابة هدية، فأعظم الهدايا تلك التي تأتينا وقت حاجتها، لتنشأ بينك و بين "الغرباء" علاقة بصل و ملح!

هناك تعليقان (2):

كريمة سندي يقول...

15 آيار هو يوم شرف لنا جميعا بارك الله فيكم قلوبنا معكم

رحمة محمود يقول...

كريمة.. سعيدة أنا بوجودك و متابعتك، و ان شالله يجدد أيار في قلوبنا التصميم الدائم على حقنا في استعادة أرضنا المغتصبة.

مودتي