ذاكرة التهجير.. جرح لا تشفيه الوعود!




استيقظ الحاج أحمد عيسى حويل (84 عاماً) في غرفته التي اعتادها هذه الفترة، بعد الأزمة الصحية التي ألمت به، ليقلب الفضائيات الإخبارية، بالإضافة إلى إذاعة البي بي سي، الوحيدة التي يدركها تردد مذياعه، لكن الأخبار مثلّت صدمة أخرى غير تلك العالقة في ذاكرته، من تضاريس النكبة، والاجتياح لمخيم جنين، الذي يقطنه، فمشاهد القمع والتنكيل بالمتظاهرين في اليمن وليبيا، جرّته للقول"هدول همّي العرب اللي ما ساعدونا بقتلو بشعوبهم".

من فترة قريبة فقط، توقف عن العمل كحارس ليلي في مديرية الزراعة(جنين)، إذ لم يترك العمل منذ أن كان شاباً، ترافقه دراجته الهوائية، التي عرف بركوبها حتى هذه السن.

أطلت حفيدته ابنة الأربع سنوات من الباب، ليطلب منها بشوق أن تأتي إليه، لكنها تتردد، فهذا الصباح مختلف قليلاً بوجود ضيف لم تتعوّد رؤيته، فضحك موجهاً حديثه إلى ضيفه بأن هذه الصغيرة مقربة جداً إليه، ولا يبخل عليها بإحضار الأشياء التي تحبها من بقالة الجار يومياً.

أخرج ضيفه الأوراق والقلم، من ثم الكاميرا، ليبدأ وإياه السير في طرقات الذاكرة الملونة بالحنين إلى أرض زرعين، وبحر حيفا..

عنها!

يرتفع صوت الحاج حويل، على اتساع غرفة الضيوف، وتتسارع كلماته بنبض قلبه، وإيماءات يديه ترسم الصور التي ينطق بها لسانه، حين بدأ استرجاع زرعين (11 كم شمال جنين، وفي منتصف الطريق بينها و قرية نورس وقعت معركة عين جالوت) وشبابه معها، فاستذكر أراضيها السهلية، التي مثلت الركيزة الأساسية لحياة معظم سكانها، بالإضافة إلى العمل في سكة الحديد، وآخرين أتوا للعمل من قرى مجاورة كعرابة وسيلة الظهر والسيلة الحارثية (محافظة جنين)، أما عائلته المكونة من ثمانية أفرد، فكانت هي الأخرى تشتغل بالمناصفة على فلاحة أرض تملكها عائلة عبد الهادي(أبرز العائلات الإقطاعية مطلع القرن التاسع عشر).

في وصفه لعدد قاطني زرعين قبل عام 1948م، يقول "كل خشة ملانة"، ولم تكن زرعين مأهولة بسكانها الأصليين فقط، بل بالذين جاؤوا إليها طلباً للعمل في الزراعة. وكمقارنة بين اليوم وأمس-قبل النكبة- يردف بنفي وجود الخلافات بين أهلها، إذ كان السلام والود يجمع بينهم، تبعاً لعدم وجود أسباب للتنازع أهمها "الأرض" .( الأراضي جميعها كانت ملكاً لعائلة عبد الهادي)

يصمت قليلاً من الوقت، مستدركاً زرعين الآن، التي مسحت تماماً عن وجه الأرض، وتبدلت الأشياء فيها، إذ تحولت مقبرتها إلى منتزه، والبيادر إلى برك للسمك، بينما أقيمت على دبة عكا (الأرض السهلية) مستوطنة يسكنها اليهود "السكناج"، وذلك حسبما رآه حين زيارتها بعد حرب عام 1967م.

إذ وقعت الواقعة!

بين تفاصيل الممرات الضيقة، والحوارات بين حويل وعائلته حيناً، وحيناً آخر مع الضباط العرب(من جيش الإنقاذ)، يستذكر لضيفه كل رصاصة أصابت العدو، وكل رصاصة لم تصب! وكل متر قطعه مع أقرانه باتجاه العدو، وكل شبر عادوا منه حين أحكمت عصابات الصهاينة قبضتها!

"ظلت العلاقة بيننا وبين اليهود قائمة في العمل والحياة اليومية في ذات الوقت الذي طالبوا فيه بريطانيا بوطن قومي لهم" بهذه العبارة فتح صندوق النكبة في ذاكرته، ليسترسل بعدها، بأنه كان يعمل في دائرة الأشغال (حيفا) قبل سماعه بالمشاكل التي استجدّت على الساحة بين العرب واليهود، منها ما حدث في سوق الخضرة بحيفا، وانفجار القنبلة بالفينري الذي أودى بحياة ثمانية عرب. لكنه عاد إلى زرعين بعد توضح نية اليهود بمهاجمتها، وقام أهل القرية بجمع ثمن بنادق ليتم توزيعها على الشباب الذين سيمترسون استعداداً للمواجهة، لكنه لم يحصل على بندقية من تلك؛ بسبب القرعة في التوزيع(نظراً لقلة البنادق)، لذا قامت والدته بشراء واحدة من الأردن.

"الساعة الثانية عشرة ليلاً.. طوق اليهود القرية، ثم بدؤوا ضرب قنابل الهاون، فاستيقظ الأهالي، ثم أخذت أبي وأمي إلى ملجأنا (حفرة داخل البيت) فذهبت مع شباب القرية كي أعسكر معهم، حاملاً بارودتي، ثم قابلت جاراً لنا بعدها فأخذته أيضاً إلى الملجأ ، لكن الشاويش سعدون(دير الزور/سوريا) حذرني فيما بعد من بقائهم هناك كي لا يموتوا بشكل جماعي! بعد ذلك اتجهت مرّة أخرى صوب المعسكر.

وأثناء المواجهات أصيب صديقي فوقع و وقعت منه بارودته- أتذكره جهماً طويلاً- فحملته على كتفي، والتقطت فشكاته وبارودته، و صرت أركض فيه بين الزرع وأركض.. أحس اليهود رأونا، فها هو الفشك يلمع على وجه الزرع! وأنا أركض"

يختنق وجه حويل، وتبدأ عيناه احتباس الدمع حين تذكره هذا المشهد، ثم أكمل "حتى لاقاني حسين الرحال قرب البيادر، فساعدني بحمله، وركضنا معاً حتى البيت، لنبحث عن الإسعاف.. وحين طلع الصباح، انتبهت لنفسي والدم يغطيني من أعلى كتفي إلى قدمي، فأتى أبي ملهوفاً يسأل عني، إذ أخبروه أنني أصبت، بعدما رأوني مدمياً، وبينما نحن نبحث عن مسعف، رآني أبو سنان وأراد تصويري بكاميرته لكنني هددته بكسرها إن فعل، وذلك تخوفاً من أن يعرفنا العدو، لأننا في حالة حرب! ثم عدت مع أبي إلى الملجأ، لنجده ناراً! فجلسنا أمام البيت وإذ بجندي عراقي(سوري الأصل) وضع الرشاش على صدره من ثمّ بدأ يضرب العدو به- وأشار بيديه كيف بدأ المذكور بإطلاق النار وارتفعت نبرة صوته قائلاً.. زلمة- ثم انضم أحمد الكردي و بدأ هو الآخر يطلق الرصاص برشاشه، و بعدها رحلوا، لتهدأ المواجهات قليلاً..".

تستذكر زوجة الحاج حويل في تلك اللحظات ما قامت بها أمه (لم تكن حينها متزوجة به، لكنها قريبته وتقيم في نفس القرية) قائلة "كل الناس غادروا القرية وظلت هي تزغرد و تغني :


غربي زرعين لسبدي الشمال يدو تطلع الشمس ونتملك البحور
يا بي سعدون يا قايدنا المنصور اضرب بسيفك خلي هالصهيوني يغور"

وسعدون هو "الشاويش" السوري الذي أشار إليه حويل سابقاً، وأكدت زوجته أنه كان محبوباً من قبل أهل القرية.

ويذكر د.وليد الخالدي في كتابه(كي لا ننسى) أن "الكتيبة الرابعة من لواء غيلاني" الصهيونية تمكنت من السيطرة على زرعين في الثامن والعشرين من أيار عام 1948، بعد أن شكلت لها هاجساً منذ التاسع عشر من آذار؛ بحسب تصريح "قيادة البلماح" وجيش الإنقاذ العربي.

تتفق هنا رواية حويل الذي لم يحدد تواريخ الأحداث التي وصفها، مع التصريحات العربية حول الأحداث قبل سقوط زرعين، إذ أشار الأول إلى خروجه من زرعين بعد هدوء وتيرة المواجهات فيها، لينضم إلى الجيش العربي في المناطق الأخرى، مؤكداً أنه علم بتفريغها من الأهالي الذين خافوا من عودة القوات الصهيونية، و هنا تذكر زوجة حويل "لو طلع النهار على أهل البلد و اليهود فيها كان ذبحوهم كلهم، لإنو حتى اللي استشهدوا ما سلموا منهم، و أنا شفتهم كيف خزقوا عينيهم بالسياخ بعد ما قتلوهم..".

فقد تم مسح القرية، و التأكد من خلوها من السكان بواسطة الطائرات-خوفاً من أهل زرعين- على حدّ قوله.

السقوط الأمرّ

جندي عربي: شارد!
حويل: بتشرد إنت وضباطك وأنا بشردش!
- أعطيني البارودة
- أنا لما تروح بارودتي بروح معها

يستذكر حويل هذا الحوار مع أحد الجنود العرب، بعد خروجه من زرعين باتجاه جنين، بذات النبرة، و الاستنكار، كأنه حدث البارحة.

وبعد وصوله عرابة، عاد مع المقاومين باتجاه الجلمة ثم صندلة فالمزار، وخاضوا القتال ضد العدو الصهيوني، الذي كان يبتعد شيئاً فشيئاً، وفيما هو مع زميله في المعسكر آخر الليل، إذ بمجموعة المقاومين(العرب والفلسطينيين) يعودون أدراجهم ركضاً، حيث تم كشف وجودهم في الوادي الواقع على طريق المزار، من خلال القنابل الضوئية، ولم يستطيعوا استعادة المزار! و فيما بعد تم تسليم صندلة و اللجون(أم الفحم) دون قتال.. ثم توقف القتال، دون تبرير واضح من الجيش العراقي!!

يتناول فنجان القهوة، كفاصل بين اللحظة والذاكرة، من ثم يكمل وصف الأحداث، وطريق عائلته، التي استقرت آخر المطاف في مخيم جنين، وهو بدوره كوّن عائلته التي تتألف من عشرة أبناء، أنجبوا له ما يكفي من الأحفاد لكي يحملهم مسؤولية الوطن، وتاريخ الشقاء و اللجوء، في قصصه عن تلك الأيام، مختتماً حديثه" أول ما طلعنا، أكيد كان عنا أمل نرجع، بس هسة راح الأمل، لأني ما بثق بالعرب، ولا بكل المفاوضات اللي بفكروها بترجع البلاد،لأنه متل ما بقولوا اللي أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"