الأربعاء، أبريل 06، 2011

نظرة إلى "المثقف و السلطة"

 
ينظم المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد محاضراته التي بثت عبر إذاعة البي بي سي البريطانية (1993) في كتاب Representations of the Intellectual" " الذي ترجم إلى العربية بعدة أشكال، اختيرالشكل الذي أعده محمد عناني و اختار له عنوان "المثقف و السلطة" ، و يقع في 205 صفحات، تقاسمتها الستة فصول المكونة له، بالإضافة إلى مقدمة المترجم و الكاتب و لوازم النشر و الطباعة.
يفتتح سعيد كتابه بإيراد رؤيته للمثقف أو المفكر، الذي ينوي الخوض في الحديث عنه في الصفحات المقبلة، فهو ذاك الشخص الذي يصعب التكهن بما سوف يقوم به في الحياة العامة، و يستحيل تلخيصه في شعار محدد أو اتجاه حزبي معتمد، أو مذهب فكري جامد، و إن أكثر ما يشوه صورة المثقف في الحياة العامة، هو "التشذيب و التهذيب"، أو اللجوء إلى الصمت حين يقتضيه الحرص، أو الانفعالات الوطنية، أو الردة و النكوص بعد حين مع تضخيم صورة ذاته، مضيفاً بأن المثقف الحق هو الذي يتفاعل مع أوسع جمهور ممكن، لأن الجمهور الواسع هو السند الطبيعي له الذي يمده بالقوة.
و في الفصل الأول (صور تمثيل المثقف) يعرض لنا سعيد تفسيرات و رؤى لماهية المثقف و دوره في محيطه، و علاقاته بالآخرين، نظرّ لها مفكرون و فلاسفة من قبله، من خلال كتاباتهم الأدبية و العلمية، أمثال أنطونيو غرامشي، و جوليان بندا و ألفين جولندر، بالإضافة إلى ميشيل فوكو و غيرهم. و تظهر رؤية الكاتب الشخصية للمثقف من خلال تعقيباته على ما سبق، و بين كل فقرة و أخرى من صفحات الفصل الأول ، إذ يقول " إن المثقف أو المفكر فرد له رسالة، و هي رسالة فن تمثيل شيء ما، سواء كان يتحدث أو يكتب أو يعلم الطلاب أو يظهر في التلفزيون.." موجزاً بعض الصفات الهامة التي يتوجب على المثقف التحلي بها، كالواقعية و العقلانية و الكفاح، أما مهمته فتتطلب اليقظة و الانتباه على الدوام، و رفض الانسياق وراء أنصاف الحقائق أو الأفكار الشائعة باستمرار.
أما الفصل الثاني(استبعاد الأمم و التقاليد) فيناقش فيه مشكلة التذبذب التي يتعرض لها المثقف بسبب هويته القومية، التي تضعه في مواجهة الآخر، بقالب "نحن في مواجهة هم"، و البداية في وجود المثقف ضمن مجتمع لغوي، يتبادل مصطلحات و مفاهيم مشتركة، تشكل فيما بعد الطابع القومي، الشيء الذي من شأنه التأثير على المثقف، فإن نجح بذلك، سيؤدي ذلك إلى إلغاء العقل و الفردية في المسائل القومية، ما يجره لأن يصبح بوقاً للسياسة الجماعية،فيكون بذلك دخل حقل التعصب و الخوف بدلاً من حقل المعرفة و التواصل و المشاركة.
فالمثقف ليس الذي يرضخ لكل ما هو عام، إنما هو الذي يستطيع نقد المواطن التي يتفق عليها غالباً كالمقدس و الوطني و الأفكار الموصوفة بأنها نبيلة، أما الولاء فهو عائق أمام النقد، و يضعف المثقف، فمثلاً، حين يناهض حرباً قادتها بلد ما ضد أخرى، عليه ألا يتوانى عن مناهضتها إذا ما شنتها بلده. فما يقوده إلى الحراك ليس تبعيته إلى قومية أو عقيدة أو أي سلطة كانت، إنما تمسكه بالقيم العليا كالعدالة و الحرية و الإنسانية، و مناصرتها على الدوام.
و بين الولاء و الانتماء، ينتقل إدوارد سعيد إلى نقاش مسألة "المنفى" في الفصل الثالث (منفى المثقفين:المغتربون و الهامشيون)، إذ يخص المثقفين الذين يعانون حالة "البين بين" في بلاد لم تشهد منبت جذورهم، و يشعرون فيها بأنهم هامشيون، لا يملكون الحق في أن يتخذوا قرارات بشأنها،و إذا ما حاولوا، يواجهون بأنها ليست مواطنهم لذلك لا يقع ضمن شأنهم الخوض في شؤونها..
فالمنفي كما يصفه الكاتب هنا، لا يمثل تواؤماً كاملاً مع المكان الجديد، و لا هو تحرر تماماً من القديم، لذلك يحاط بأنصاف مشاركة، و أنصاف انفصال، فيصبح من واجبه الرئيسي إحكام مهارات البقاء و التعايش مع الحرص الدائم على تجنب خطر الإحساس بأنه حقق درجة أكبر مما ينبغي من الراحة و الأمان، و يورد للتدليل على رؤيته أمثلة حية لمفكرين عاشوا في غير ديارهم الأصلية، و مدى تأثير ذلك على حياتهم.
و يضيف سعيد، بأن المثقف المنفي يتميز بنزوعه إلى السخرية و الشك لا بل إلى المرح و الهزل، لكنه لا يستخف بشيء و لا يعرف اللامبالاة، و بأن شعوره بالمنفى يمثل حافزاً على الرفض عكس الشعور بالاطمئنان لما هو سائد، و ربما بذلك إن لم يعرض سعيد حلاً لتلك المسألة أو بالأحرى طريقة للتخلص من سلبياتها، فهو يقدم بتلك الميزات إيجابيات يتمتع بها المثقف المنفي، مؤكداً له بشكل أو بآخر، أن مرّ المنفى أفضل من الشعور بالأهمية الناتج عن الاندماج الهزائمي.
ما هو الخطر الذي يتهدد المثقف اليوم، سواء في الغرب أم في العالم غير الغربي؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال، في ثنايا الفصل الرابع(محترفون و هواة)، إذ إن الاحتراف المهني بنظره هو الخطر، و يقصد بذلك، ميل المثقف للنظر إلى عمله الثقافي باعتباره شيئا يؤدي إلى كسب الرزق، ما يقوده لجعل نفسه قابلاً للتسويق، و قبل كل شيء لائق المظهر، من ثم يصبح "لا خلاف عليه" و غير سياسي، بالأحرى يغدو موضوعياً. و في ذات الوقت يستنكر اتهام جميع المثقفين بأنهم "يبيعون أنفسهم" لمجرد أنهم يكسبون رزقهم بالعمل في جامعة أو صحيفة، واصفاً ذاك الاتهام بالفظاظة و عدم الواقعية و التوازن بالنظرة إلى الأمور. و يطرح الكاتب نفسه مثالاً على تلك الحالة، و كيف أوجد المشكلة، و طرق حلها و التخلص من أسباب الضعف التي يمكن لها المس بمسيرته الفكرية، مؤكداً على أن التخصص يقتل الإحساس بالإثارة و الاكتشاف، و هما مهمان للمثقف. أما الهواية، فهي المفهوم المقابل للاحتراف، و تتمثل في ذاك النشاط المدفوع بنزعة الحرص و الحب لا بالربح و التخصص الأناني الضيّق.
"ليس قول الحقيقة للسلطة ضرباً من المثالية الخيالية، بل إنه يعني إجراء موازنة دقيقة بين جميع البدائل المتاحة، و اختيار البديل الصحيح ثم تقديمه بذكاء، في المكان الذي يكون من الأرجح فيه أن يعود بأكبر فائدة و أن يحدث التغيير الصائب" هكذا لخص الكاتب العلاقة بين المثقف و السلطة، في نهاية الفصل الخامس(قول الحقيقة للسلطة)، بعد أن عرض نفسه نموذجاً للمثقف الذي تعامل مع السلطة التي يعيش في إطار حكمها(السياسة الأمريكية) و تلك التي ينزع بالانتماء لمبادئها(م.ت.ف) .
أما الفصل السادس و الأخير(أرباب دائبة الخذلان)، فيكرسه للحديث عن أولئك المثقفين الذين تنقلوا بين مذاهب و عقائد مختلفة تمام الاختلاف عن بعضها، و لكن بذات الإيمان و الولاء و حتى الصدق في اختيارها و المنافحة عنها، و ذلك إن ارتبط بالمثقف، لن يمثل الطريق الصحيح أو التواؤم مع ما يحمل من أفكار و مبادئ، إذ أنه ببساطة ينتقل من عبادة رب لعبادة رب آخر، متناسياً روح النقد التي يجب أن تكون أهم ما يتحلى به، و عدم الخضوع و الجري وراء السراب فيما يمكن أن يشبع السبيل التي قرر أن يسلكها.و يبرز في الصفحات الأخيرة أهمية الاعتقاد بأن الأرباب دائماً ما تخذل عبادها، و بتخصيص الشرح عن مواصفات المثقف العلماني.
و أستطيع وصف الكتاب بأنه "مترابط فيزيائياً و بيولوجياً" إذ لايضيّع المعنى من القارئ،فكل فصل بني بالاعتماد على سابقه و كان مكملاً له، بحيث يجد القارئ الفصل الأخير منطقياً في نتائجه اعتماداً على الأسباب التي جاءت في الأول، بالإضافة إلى وضوح جهد المترجم، إذ لم أشعر للحظة أن أداة ربط في غير مكانها، أو أن أي مصطلح لا يتناسب و السياق.
أما التساؤلات التي تسربت عبر صفحات هذا الكتاب، لتربط بين خاصنا و طرحه العام، هي " أين نحن من كينونة المثقف؟ و هل التحلي بهذه الصفة باتت رغبة أم طموحاً، و إن كانت كذلك، لماذا؟ و هل ما زلنا نثق بهذا المثقف كما في السابق؟ أم أن انضمام الأكثرية من المثقفين إلى صفوف النظام و تطبيق نظرة"الجمهور عايز كدة" استطاع أن يمحو كلمة "مثقف" التي لازمت اسمه زمناً من العمر؟و ماذا حين يصبح المثقف هو الوجه الآخر السلطة؟!" نترك لكم الإجابة.

ليست هناك تعليقات: