الأحد، أبريل 03، 2011

زاوية حادة قليلاً!



صباح تنبعث منه رائحة الفلافل و البرد، قبل أن تدفئه الأنفاس التي ستملأ هذا الباص بعد أقل من ساعة، ليتجه صوب رام الله.. في رحلة من شمال البلاد إلى وسطها، استثناء عن النقلات الطبيعية المعتادة في بلدان أخرى،التي تتجه دوماً نحو الشمال، لكننا كفلسطينيين لم نفرح بعد بتحرير شمالنا المغتصب حتى يكون قبلتنا الحضارية!

جلست كعادتي، ليس بجانب أحد، إذ إنني في الباص تحديداً، أحب مشيئة القدر، لا بل و انتظاره، فمرة يبعث لي امرأة مسنة و أخرى شابة، منهن من يطيب لها السؤال، فأجيب، و أخريات يطيب لي محادثتهن فيستجبن، و المتبقيات يكتفين بنظرة صوبي، و يقضين الوقت بصمت، باستثناء (أقفلي النافذة،معك محرمة؟، قديش الساعة؟).. و لا أتذكر أني تكلمت مع إحداهن طيلة المسافة الواصلة بين جنين و رام الله، أو بين الأولى و نابلس،لا أتذكر .. كأن الله يبعث لي شبيهاتي من قليلات الكلام مع "الغرباء" ذوات الرغبة المستترة-أحياناً- في التعرف عليهم، و كثيراً ما يبعث لي القدر كرسياً فارغاً، فترافقني حقيبتي!

كانت النافذة جاهزة بما يكفي للانتظار، و نسيان البرد بالنظر خارج حدودها، فأشاهد السائرين باتجاه باص نابلس، و معظمهم طلبة في جامعة النجاح، إذ تشي بهم كتبهم و حقائبهم التي تحوي ما يلزمهم لقضاء أسبوع آخر-ربما أكثر- مع قليل من شوق الوالدين، أو ربما أحدهما.. و في منتصف المسافة بين باصي نابلس و رام الله، أقرب إلى الأول، يقف شخص يعرف على أنه "رجل فقراوي" في مجتمعنا، يضع يده على أذنه مذكراً إياي بطريقة الشيخ عبد الباسط في قراءة القرآن، و في يده الثانية سيجارة "عربية"، ينادي بأعلى صوته مغمضاً عينيه "نابلس.. رام الله..نابلس.. رام الله..نابلس......" ، من ثم يفتح عينيه، و ينفث الدخان، متأملاً في شيء ما، و مخرجاً دفتر ملاحظات صغير من جيبه، يكتب عليه شيئاً، لا يكمله حين يرى إحدى الطالبات تحمل حقيبة كبيرة في يدها، فيسارع نحوها ملتقطاً الحقيبة، و متجهاً لوضعها في المكان المخصص لها على جانب الباص.... من ثم يعود إلى مكانه في المنتصف، أقرب إلى باص نابلس، و يكرر النداء، تمر عليه مشاريع الركاب، لا يرون إلا مدخل الباص، لا يقولون له "صباح الخير" و لا "شكراً" لأنه أراحهم من حقائبهم، لكن لحظة، ها هو شاب يمد يده مصافحاً لصوته -الذي انتقل من أذنه خلال عملية النداء- فيبتسم بشكل يتناسب و هذا الصباح، بدفقة شعورية جميلة،و يعود... يثير تساؤلي رجل خرج و صبية من سيارته- يبدو أنها ابنته- و يتجه لوضع حقيبتها في المكان ذاته، لكنه يمر عن المنادي دون حتى أن يرد تحيته، إذ أشار له الأخير بيده، و ينظر إليه بصمت و تجهم، و بطريقة غريبة، كأنه شيء غريب!!

يجلس المنادي، ذو الوجه المكسو بالشعر، المرتبط بشعر الرأس، لا فواصل بينهما و لا حدود "فرزاتشية"، أما الجزء الواضح من بشرته، فتغطيه بقع سوداء، يجلس على الرصيف المحاذي لموقف الباصات، يفتح كيساً آخر من السجائر، و يشعل إحداها، و يبدأ النشيد من جديد، للباص الثاني، و باص رام الله لم يمتلء بعد...

أقرر أن أكتب عنه.. لكن تنتابني قشعريرة تخزني، تقول لي "هل راقبت حركاته لأنك فقط وجدت به مشروعاً لكلمات منتقاة؟ أو لأنك تشعرين بوحدته.. و بعزلته التي تكشف عن نفسها أمام جمهور المارة؟ و ماذا لو كنتِ مكانه؟ " .. لا أضيع بين نفسي و نفسي، فأجد سريعاً ثنايا الإجابات، و بقايا أسئلة أخرى!


* في نهار آخر، كنت عائدة من جنين إلى قريتي، و كان "هو" منتظراً على مفترق طرق سيارة تقله إلى ذات القرية، و حين فتح الباب، سارع السائق بالقول له "اجلس في الخلف" تعلو وجهه ابتسامة، لم ترق لي!



ليست هناك تعليقات: