"الشعب يريد.." موضة أم مشروع؟

التظاهرات السلمية من الشباب العربي الذي قاد أولاها في تونس، استطاعت بالأبعاد الإيجابية التي ملكتها أن تستحوذ على عاطفة الشعوب العربية الشقيقة، التي ذاقت من الظلم كفايتها كي تثور، و كوني أنتمي لتلك الفئة من الشباب الذي يطمح بظروف فضلى لأوطانه، و بقادة يشعر بانتمائه لمنجزاتهم من أجل الوطن و المواطن، اتفقت مع ما يحدث، ليس فقط بسبب طبيعة التدفق الإعلامي للمعلومات و الأحداث، إنما للخلفية المعرفية بتاريخ تلك الأنظمة، التي كانت محط نقاشات مطوّلة في المحاضرات و الندوات الجامعية، عوضاً عن الفطرة الإنسانية المحضة برفض الظلم و الذل، و بالرغم من أمنيتي بأن تصبح الثورة "عدوى إيجابية" تفتك بأنظمة سياسية هزلت سريعاً أمام إرادة الشعوب حين قاومت اللافتات بالنار، و الصوت البشري، بصوت المدفعية، إلا أنني ما زلت أشك في مدى نجاعة ما يحدث.

أريد خطة!

أثبتت الأحداث أن الثورة لم تكن بالأمر الصعب أبداً، إنها كانت بحاجة لشرارة فقط كي تندلع، و الأيام التي كنا و ما زلنا نعدّها قبل تنحّي أي رئيس عربي لم تكن طويلة برغم كل ساعات الانتظار التي تجمد فيها معظم الناس أمام شاشات التلفزة، و برغم كل ما صعد إلى السماء من أرواح ناوءت الاستبداد بتخليها عن فرديتها أمام الرغبة الجمعية التي أحاطت بها و كانت لها المؤنس و النصير، فالطول المجازي الذي سيطر على "ملل" الناس لم يكن سوى بسبب سياسة البث المباشر لما يحدث في الشوارع، و ترقب الأحداث التي يمكن أن تطرأ على الساحات، عوضاً عن التركيز على وحدة جغرافية واحدة للأحداث، الشيء الذي طرح لدي عدة تساؤلات أهمها، من أشعل الثورة، الناس أم الإعلام؟ و هل الذين بدأوا التظاهر بعد تونس مباشرة مثل اليمنيين و الأردنيين ركدوا فترة التغطية المباشرة لأحداث مصر، و عاودوا الكرة بعد أن انتهت ليجدوا فرصتهم بالتسويق لثورتهم عبر البث المباشر؟ لكن ليبيا سرقت منهم الكاميرا، و صارت أخبار اليمن و البحرين و عمان و الأردن و المغرب و الجزائر على الهامش ،حتى يسقط القذافي، و ما يسترعي الانتباه هنا، هو الصورة التي تم تصميمها على برنامج "الفوتوشوب" و نشرت على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي كانت تضم حسني مبارك و زين العابدين و معمر القذافي يجلسون على أحد الأرصفة، يتسولون بطريقة ساخرة، برغم أن المؤشرات لم تكن تدل بذات العمق على أن التالي هو القذافي، فجواب "من التالي؟" لن يحسن المحللون السياسيون الإجابة عليه، أنت فقط بحاجة إلى فيسبوك و يوتيوب و تويتر كي تعرف و إلى فضائية إخبارية عربية كي تتأكد!!

فلا يخفى على الكثيرين المجازر التي كانت تحدث في الأقطار العربية ضد الأقليات و الأحزاب المعارضة، في عهود منصرمة، تفحصها التاريخ و أدانها الشهود، مثل جرائم النظام العراقي السابق ضد الأكراد، و النظام السوري ضد المعارضة منها ما حدث عام 1982 في حماة، و النظام الجزائري إبّان الاستقلال بحق الشيوعيين، و بحق الإسلاميين إثر نتائج انتخابات عام 1991، و غيرها مما حدث في أقطار أخرى، لم تثر تلك البلبلة تجاه الكراسي و المناصب الرئاسية، فحينها لم يكن الإعلام كما اليوم، برغم الفارق الكبير في حجم الجريمة، الشيء الذي أدى إلى تراكم الظلم و الصمت، حتى صار هم الناس "لقمة العيش" بدل "العيش الكريم" ، و تفشي ظاهرة "إمشي الحيط الحيط و قول يا رب السترة"، و عدم الثقة حتى باليسار، الذي احتوته الحكومات المتناوبة(بذات الطابع الحزبي) دون أن يحدث ذلك التغيير الذي لأجله اختارته الشعوب، فابن خلدون لم يكذب أبداً حين قال "إن السلطة مفسدة"، لأضيف له، عند العرب عادة!

و بحجم هذه التراكمات التاريخية من جيل لآخر، قامت الثورة، لكن هل بحجمها تشكل وعي سياسي قادر على إدارة شؤون الحكم، و قلبه رأساً على عقب، ينفي ما قبله من المشبوه لدى الشعب، و يأتي لهم بالخلاص من الظلم و الفقر و التعاسة؟ هذا بعيداً عن القضايا العربية المشتركة حالياً، كقضيتي فلسطين و العراق، و موقعهما في إعراب أنظمة الحكم الجديدة، التي لا تستطيع-على الأقل حالياً- تجاوز المعاهدات و العلاقات المشتركة مع الكيان الصهيوني من جهة و الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، كونها تقع ضمن قائمة الإرث السياسي لأي نظام مهما كان، تقع مهمته فيما بعد بأقلمة خططه مع ما هو موجود، و مواءمة تطلعاته بما يقيده، و بالطبع لست في معرض المطالبة ب "مدينة فاضلة" ، إنما بأمنية أن تسعى الدولة بنظامها الجديد إلى تحطيم قاعدة "رضا الناس غاية لا تدرك" و صياغة قاعدة جديدة "رضا الشعوب غاية يمكن أن تدرك" ।

لذا، لا يلزمني كمراقب و مشروع مناصر، سوى خطة "لما بعد الثورة" قبل أن تحصل الثورة، إذا اتفقنا أن الثورة ليست بتلك الصعوبة في ظل المعطيات الموجودة، و هذا لا ينفي بالطبع التباين بين أنظمة الحكم العربية، إضافة إلى التباين بين درجة الوعي لدى الشعوب في الأقطار المختلفة، و العلاقة بين بعضها البعض، و مدى تأثيرها على بعضها البعض أيضاً، و هل كل النظم تحتاج إلى تغيير كامل كما تتجه الفكرة السائدة في المظاهرات الشعبية؟ أم هناك نظم بحاجة إلى إصلاح فقط؟ فالثورات الشعبية بقدر ما تعكس الخلفيات و المنابع التي أسست لها، لا تعكس درجة الوعي و الثقافة المطلوبة لحدوث تغيير جذري سياسي، يتناغم مع مقومات البناء و التغيير في المجالات المختلفة، فالنظام لم يفرز نمطاً فاسداً في الحكم فقط، بل أفرز علاقات اجتماعية هشة بين أفراد الشعب نفسه، و ثقافة تعليمية تبعية في مناهجه التبشيرية بالمسلمات و القوانين الأزلية التي لا يمكن تجاوزها، إضافة إلى تحريف التاريخ بما يشتهي الناس و يحافظ على ثبات الحكام في مقاعدهم، هذا كله بحاجة إلى خطة "ما بعد" و رؤية الثوار بما يريدونه و من يريدونه خلفاً، تبعاً لأحكام ديمقراطية تتعدى نتيجة صناديق الاقتراع، و طريقة الانتخاب و الترشيح.

تسرّب مرهق!

إن الكم الهائل الذي يتلقاه المواطن العربي من المعلومات حالياً مرهق نسبياً، و مشتت، فأنت لا تكتفي بجرعة من خطاب منتظر لحاكم على أهبة الفلتان من صلاحياته، أو بنشرة أخبار مفصلّة من فضائية واحدة، أنت تحتاج إلى عدد من الفضائيات لا تتوحد بالنطق، كي تختار بمنطقـك الوجهة الصحيحة، و ربما لا تصل !عوضاً عن مطالعة الصحف و قراءة وجهات نظر كتابك المفضلين إن كنت منحازاً لرأي أحدهم في قضايا مشابهة، بالإضافة إلى مطالعة التفاعلات و التغذية الراجعة على صفحات الإنترنت، خاصة ما يتم عرضه و إدراجه على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، بتنوع مقروئها و مرئيّها ، الذي ينتقل سريعاً و بأشكال مختلفة على تلك الصفحات - بطريقة بالغة السخافة أحياناً،- و بدوره ينتقل لأحاديث الناس اليومية، و طبعاً مش كل الناس!! فكما يوجد جانب مهتم و مضطلع و متابع و اندمج في هذه البوتقة لتصير موضوعه الرئيسي في الجلسات، هناك قسم آخر ما زال مشغولاً عن هذا كله، بهموم أخرى و أسواق أخرى، و ملذات أخر!

تعلمنا، أن الثقافة الحقيقية هي ثقافة المقروء، أما ما تسمعه من الناس فيحاط دوماً بهالة شك، لكن ماذا عن المشاهد و المسموع و المقروء حين يجتمعون معاً في لحظة؟ و برغم ذلك تشك به!! إذاً أنت هنا بحاجة لأكثر من العقل، إنك بحاجة للإيمان نوعاً ما بسياسة "خلّي قلبك دليلك" برغم كل الشوائب التي تحيط بها، و الثقافة الدارجة بأننا شعب عاطفي، يصدق كل ما يرى و ما لم ير!

إلى أين؟


في ظل رفض دبلوماسي دولي لما يتوقع حدوثه من تدخل عسكري أمريكي في ليبيا، لم يعد المرتقب فقط رحيل القذافي، بل القدوم الأمريكي أيضاً، بزاده و عتاده، بمطامعه و توجهاته، و أيضاً ب "فلاش باك" للأحداث و التساؤل، هل ستتبلور القضية هنا بحيث تنعكس النظرة من ثورة إلى احتلال؟ إلى سياسة أمريكية عودتنا في خاتمة كل دورة رئاسية حرباً جديدة، و بئر نفط جديد؟ فإن ذلك كفيل بتعويض المخاسر السياسية التي حققها الرئيس الأمريكي أوباما في عدم تحقيقه أياً مما وعد به شعبه، و تجميل صورته كــ "حام ٍ للديمقراطيات في دول العالم الثالث" حتى يغفر له شعبه زلاته، و يعاود تأهيله لفترة حكم جديدة، لكن، هل سيسمح العربي بأن تظلّ مشاكله حصاناً يعتليه الأمريكي لحل مشاكله؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"