الخميس، ديسمبر 16، 2010

شكراً جامعة بيرزيت!!




في الفترة التي أحاور نفسي خلالها بين أمر الذهاب إلى اجتماع الخريجين من جامعة بيرزيت، كوني تخرجت منها و هذا أغلب الظن!! و بين عدم الذهاب، فالتزاماتي تقتضي أن أختصر في التبذير على وسائل النقل العامة بين قريتي و المحافظات الأخرى.. هذا عوضاً عن أنني لم أستلم دعوة رسمية على بريدي الإلكتروني، إلا أن أمي سمعت بالخبر من التلفاز و كذا أخبرتني صديقتاي اللتان وصلتهما الدعوة، تصلني رسالة تذكرني فيها الجامعة بالتزاماتي التي ما زالت تربطني بها، من ساعات عمل تعاوني، و أموال ترتب عليّ دفعها مقابل الشهادة ..

حضرة الطالب/الطالبة:
نرجو إعلامك أنك لغاية هذه اللحظة لم تنهي العمل التعاوني لذا عليك إنهاءه في أسرع وقت. ونود لفت انتباهكم إلى الإعلانات التي صدرت في الصحف المحلية من جامعة بيرزيت بأنه على جميع الطلبة الذين لم يستلموا شهاداتهم إنهاء جميع معاملاتهم واستلام شهاداتهم في فترة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ الإعلان وسوف يتم فرض رسوم إضافية وإتلاف جميع الشهادات المتبقية لدينا بعد انتهاء الفترة المحددة
للمراجعة الاتصال على هاتف رقم 2982145.
شكراً لتعاونكم،


هذا اقتباس من الحرف الأول إلى الفاصلة الأخيرة من البريد الذي وصلني و وصل الكثير غيري، تربطنا قواسم مشتركة وجدتها من خلال تفحصّي لعناوين البريد الإلكترونية،عوضاً عن كوننا جميعاً لم نعلّق بعد "براويز" شهاداتنا الجامعية على جدران بيوتنا، أو نحتفظ بالغلاف القاني!


تحيرني الفاصلة في آخر هذه الرسالة، إذ توحي بشيء سيقال.. لكن، ماذا أكثر من هكذا استغلال و استهتار بحقوق الطلبة كي يقال؟؟ و لم "لفت النظر إلى ما ورد في الصحف المحلية" يحتل مساحة من رسالتهم أكثر من التذكير بساعات العمل النعاوني رغم أن الرسالة معنونة ب "العمل التعاوني" ؟؟ آهاااا ربما كي تكون صدمتنا أخفّ وطأة، إذن هم يقلقون لراحتنا!! لا لا.. ربما لأن المرسل أنهى الرسالة ب "شكراً لتعاونكم" معتبراً إتمام "المعاملات" عملاً تعاونياً!


الحقيقة أنني لغاية اللحظة لا أصدّق كيف تجرأ صرح جامعي خرّج الآلاف من طلبة هذا الوطن بأن يبعث رسالة بهذا الحجم من "البنكية" إلى طلبة عاشوا فيه أجمل اللحظات حيناً و أقساها حيناً آخر؟؟ كيف يستطيع دفعة واحدة و باختزال في رسالة أن يحرف مسيرة تعليمية بأكملها نحو المصالح المالية و نفوذ الطبقة المسيطرة على باب العلم ذاك؟؟ سيتلفون شهاداتنا.. أحقاً!! لكن كيف، حرقاً أم شنقاً أم بالصعقات الكهربائية؟ أما المتأخر، فسيدفع رسوماً إضافية بعد انتهاء الفترة المحددة.. "اتخربطت بصراحة" فكيف يستوي دفع الرسوم مع الإتلاف؟ إمّا أن يكون إذاً تهديداً و الأصح بأنهم سيكلفوننا بدفع تلك الفوائد مقابل التأخر، أو أنهم سيكلفوننا ثمن "لوجستيات" الإتلاف الرخيص!


ربما أستطيع بمكالمة واحدة على الرقم المدون أعلاه أن أعرف الإجابة عن استفهاماتي الأخيرة، لكنّي بصراحة أدرك تمام الإدراك، بأن الاستفهام لا يعدو كونه استنكارياً، وسط هذا الوضوح في الرسالة، التي تدّل فقط على المستوى الذي وصل إليه التعليم في إحدى أهم جامعات الوطن.


يظنون الشهادة و ملحقاتها مجرد ورق محشو بأرقام و تفاصيل أكاديمية تحتمل النجاح كما تحتمل الفشل فقط.. تحتمل بصماتهم و حبرهم و أختامهم الرسمية كما تحتمل بصماتنا ممّا اخترناه في مسيرتنا التعليمية من بوابات لآفاق المعرفة.. لا يدركون بأن إتلاف شهادة هو إتلاف روح سكنتها، هو جرم متعمد و مقصود و صريح بحق إنسان عاش سنوات من عمره أقلها أربعة، في انتظار و قلق و ترقب بنتائج امتحاناته و تحصيله الأكاديمي، و فرحه و غبطته سعادته حين يجتاز المراحل، إنسانٍ اختار التعليم وسيلة لتحقيق أهدافه في كون واسع خصب بالخيال، حر لا يعرف الاستكانة، عاش كل الفصول في ساحات جامعته و شوارعها التي تصل الكليات بعضها البعض كما تصل بين قلوب الناس، فيكونون دفئاً لبعضهم في الشتاءات القارسة و ظلالاً يستندون عليها في آب الحارق!! إن الشهادة توثيق لمرحلة تتعدّى تقدير الجيد و و الممتاز، تتعدّى كل حسابات متينة، إنها تأريخ لإنسان تأبطّ كتابه أو اللاشيء، جالساً في استراحة الغداء أو متلهفاً إلى أحد رفوف المكتبة، مسارعاً إلى محاضرته قبل أن يغلق الأستاذ الباب، أو خارجاً من امتحان لم ينم قبل إتمام مذاكرته... لذلك و أكثر، من يقتل هذه الروح و يسحقها باستهتار.. يستحق أن يعاقب!

هناك تعليقان (2):

Mahmoud يقول...

طبعًا انا ممكن اتفهّم رغبة جامعة في انهاء ملفات بعض الطلاب وتسليمهم الشهادات والتفرغ لدفعات جاية رح تتخرج، لكن مثل ما حكيتي، الاعلان بتحسيه صادر عن بلدية لفواتير كهربا، مش عن جامعة بحجم ومساحة وطول وعرض وارتفاع بيرزيت، سبحان الي بغيِّر وما بتغيّر.

متشرّد يقول...

هَزُلت يا صديقتي.