الجمعة، أكتوبر 01، 2010

إلى هناك..

تسير غادة إلى مكان ما.. تجرّ خطواتها بتثاقل، مارة في ذاك الشارع الذي يقف الباعة على طرفيه، و يحاورونها لحظياً محاولة منهم في جذبها لشراء شيء ما، لكنها لا تراهم، فأمامها خط من الأمنيات تسير عليه و خلفها خط آخر من الخيبات تحاول تجاوزه.

يلمع العنب الأسود و الأخضر إلى يمين طريقها، و تلمع إلى جانبه عيني امرأة تلبس ثوباً تبدو عليه معالم الوطن، بترتيب غير اعتيادي عما يجري هذه الأيام، تحرف سيرها خطوة واحدة باتجاه العنب.. لكن خطوة واحدة و عيني امرأة يشع منها أمل التخلص من كيلو واحد لا تكفيان لتقدمها خطوات أخرى، و كأنها وجدت نفسها في طريق خطأ، لتحرك قدمها باتجاه الخط المستقيم الذي رسمته، و تكمل سيرها، لا ترى شيئاً، غير أفكار تتابع في مخيلتها حول الأماكن التي اعتادتها هنا، و تضيع.. تضيع في غيبوبة المدينة التي أحبتها دوماً، لكنها باتت الآن أحد مسببات اختناقها..

تفكر بكل هذا العالم المتهالك أمامها، من أقصى لافتات المحلات الآيلة للسقوط، مرورا بأصابع الرجل الستيني المنتفخة، الذي يجرّ عربته هو الآخر بتثاقل، بين طلبة المدارس في موعد "الرواح"، علهم يزرعون في روحه وردة حين شرائهم من عربته بعض البليلة و الترمس ! حتى الأشياء التي تركتها منذ زمن و لم تعهد تغيراً فيها، فبائع الفلافل ما زال على الناصية، و المخبز ما زال يحيل العجين خبزاً بأشكال معروفة و محدودة، و الشمس تسحب الشباب من جيل اعتاد الوقوف في وجهها، حتى ينزف عرقه من أعلى جبينه إلى أخمص قدميه، و المستريحون على أبواب المسجد، و نظرة الواعظات في الحلقات القرآنية الأسبوعية إليها باستغراب حين تدخل ردهة المسجد، لا لتصلي.. بل كي تستريح من عناء الوحدة، فتخلع حذائها و تستسلم للراحة بعض ثوان حين تمد رجليها مستشعرة ألم الأصابع المنتفخة و المحمرة، لترسم خريطة الغد، ماذا يمكن أن يحدث فيه، أو حتى ما سيصير حقيقة بعد لحظات.. ثم تخرج مفعمة بشيء من التصميم، و تكمل سيرها إلى مكان ما..

بين جنين و رام الله و نابلس، و المناطق الفلسطينية التي لم تزرها غادة، قواسم مشتركة في الارتفاع، تراها بعينين من زجاج، فهذه البنايات و أعداد البسطات و الخيبات و العاطلين عن العمل و الأمل و ضغط الدم في ارتفاع، و سعر كيلو البندورة و سندويشة الفلافل و غرام الذهب أيضاً في ارتفاع، و أعداد البزات العسكرية التي تتمشى و تتعشى على حساب ميزانيات البزّات الأخرى ترتفع، و الأقساط الجامعية و الأوراق البيضاء في انتخابات مجالس الطلبة في ارتفاع، و الوجوه المبتسمة في إعلانات وكالة التنمية الأمريكية في ارتفاع، فربما تحلم أن تتحول ابتساماتها ضحكات حين يرتفع الفك الأعلى بعيداً عن الأسفل، حتى أصوات الناس، لكأنهم أبدلوا بأفواههم أبواقاً، و رؤوس المحجبات المحشوة بأشياء غير الشعر ترتفع أيضاً، و كأن الفتيات يتبارين للوصول إلى أعلى قمة جبل مصاحب للرأس في كتاب غينيس، شيء لا يذكرها سوى بعصر الجواري و أسواق النخاسة!.. و ما زالت تسير إلى مكان ما..
يلتقط انتباهها صحافي يمد ميكروفونه بحزن نحو المارّة، و لا أحد يريد إليه الكلام، و حين يسألها توافق على إجراء مقابلة، فتعترض جبينه ابتسامة لا تفتأ النظر إلى الورقة و البدء بإمطار علامات الاستفهام
- ما رأيك بحرية التعبير في بلادنا و تدخل الأجهزة الأمنية في التظاهرات الشعبية؟
- بصراحة أنا أعبر عن رأيي بكل حرية، و لا يمنعني أحد عنه، إلا في القضايا البسيطة التي أتناقش فيها مع أمي، كقضية الواسطة في العمل و الزواج التقليدي!! في حين لا أخفي أي رأي مضاد أو مشاعر مغايرة عن الآخرين، لكن أجبني أنت، لم نزعت اسم التلفزيون الذي تعمل لصالحه عن ميكروفونك !!
...... يكمل الأسئلة، و يقول شكراً.. و تمشي، تمشي، إلى مكان ما...
ها هي تستقلّ سيارة صفراء كحظ بلادها العاثر، ظانةً أنها قد تستريح من أفكارها فتصاب ببلادة انفعالية تجاه الأشياء التي تنفصل عنها بتسارع مختلف، و صوت أغنية يتسلل إلى أذنيها..
راحت حاجات من بعدو و جات حاجات
لكني لسا بعيش على أيام زمان
و اللي باقيلي مي اللي فات
شوية زكريات
و لسا فاكرلو حكايات بصبروني ف وحدتي
.............
...............
...................
تغض سمعها و بصرها عن طقوس هذه الأغاني المغرورقة بالدمع، لتتجه بعينيها صوب ما بعد النافذة، فترى ذاك المبنى الكبير الذي يشبه في طلة نوافذه التي تتجاوز المئة في عددها طلة نوافذ الكولوسيوم، فيشع بريق "ماذا لو أطل وجهي يوماً ما من إحدى هذه النوافذ أثناء ممارستي للعمل الذي أحب، و هل يعقل أن لا يحتويني مكان في كومة المكاتب المقرر افتتاحها بعد حين في هذا المبنى؟!".. ينحدر البريق ثم يختفي حين تهب ريح فكرة أخرى "المكاتب منذ الآن تعرف أصحابها و تتجهز لقدومهم، أما أنت يا غادة فلا أعثر ملامحك بينهم.."، تبتسم بسخرية و تكمل طريقها إلى مكان ما..

يتهاوى اسمها من بين حشد، فتدير ظهرها للمارة، و إذ بها صديقتها..
- صديقتي، يا لهذه المصادفة الجميلة!!
تحرك شفاهها بابتسامة، و عيناها ما تزالان في وضعية الثبات، فتحضنها صديقتها قائلة "أين أنت؟؟ اشتقنالك"
- و تضمها هي الأخرى قائلة"ها أنا عندكم"..
- ما كل هذا البرود و لم نر بعضنا منذ شهور؟
- ربما كنت هكذا لا أدري، ربما سأصير أفضل، أو أسوأ، لا أدري..
- يا إلهي، عهدتك يقينية الحروف، حازمة الرد!
- و مم تشكو قوانين الاحتمالات؟!
- ليست أنت!
- ستصبح، و أصبح هي، الآن، أو بعد حين.. أو ربما أصبحت
تصمتان بعد حوار مسروق من وقت الشارع، و تتفقان على موعد حال سماح القدر و طوعية الذاكرة، و تشد صديقتها على يديها بحرارة افتقدتها قائلة "سنلتقي؟"
- ربما يجمعنا هذا العالم ...
تقطع حديثها
- سنلتقي.
تبتسم غادة "كما تشائين"..
تشعر برغبة عارمة بالرقص، و الدوران حول نفسها، و إغماض عينيها عن كل ما حولها،و تبدأ برفع أصابع قدميها عن الأرض رويداً رويداً، ثم تفرد ذراعيها و تحنيهما أسفل ثم أعلى فأعلى فوق رأسها و بمحاذاة خصرها، من ثم تمدهما أمامها على وقع ألحان...

Cet air qui m'obsède jour et nuit
Cet air n'est pas né d'aujourd'hui
Il vient d'aussi loin que je viens
Traîné par cent mille musiciens
Un jour cet air me rendra folle
Cent fois j'ai voulu dire pourquoi
Mais il m'a coupé la parole
Il parle toujours avant moi
Et sa voix couvre ma voix
Padam.. Padam.. Padam

تستفيق من هذيانها ثم تصرخ بوجه الحياة.. "سأكون يوماً في مكان ما.."

قصة قصيرة

هناك تعليقان (2):

ميسم يقول...

رحمه حجي
سرد رائع لنص جميل للغايه أخذني الى هناك قراتني وقراتك في سطوره
ربما كلنا غاده
فأمامها خط من الأمنيات تسير عليه و
خلفها خط آخر من الخيبات تحاول تجاوزه

رحمة محمود يقول...

وجودك هو الرائع.. صدقيني،،
فأنت تضيفين معنىً جميلاً للأشياء حين إبصارك إياها


محبتي