أيلول الأبيض !!

في التفاتة قصدية إلى الحلقة الجديدة من مسلسل التسوية و السلام المزعوم، التي انتظرها متابعو المسلسلات الرمضانية بشيء أقل من الشغف، فإعدادها و إخراجها بدأ في العشر الأواخر من الشهر الفضيل الذي تنشغل فيها الشعوب المسلمة- ربما- بطقوس العبادة و الغفران، و بعض حكامها بتأمين السلام و الاستقرار في واشنطن، كي يكون أجر أحفاد "الثورة" مضاعفاً، من ثورة يوليو إلى ما سمي بالثورة العربية الكبرى، و حتى ما يدعى بانطلاق الرصاصة الأولى في ثورة الشعب الفلسطيني ضد جلاده و مغتصبه!!
فها هو مبارك يتقن الشكر و التبجيل لرواد "العملية السلمية" منذ بدئها حتى تلك اللحظة، أضف إلى ذلك تفاخره بأنه شارك بكل المأدبات الانهزامية في تيار الصلح الذي بدأ بسلفه "السادات" و امتعض حينها!! أما " صاحب التاج و "الجلالة" فيحذر مما أسماه "الفشل" في هذه المرحلة، مؤكداً على "الحل" الذي يراه و أمثاله الأكثر نجاعاً في قضيتنا، و هو "حل الدولتين".. و أن مهمتهم في واشنطن الآن ليست سهلة - أكيد، فأنتم صائمون و لن ترتاحوا بسبب كثرة الجدال على الأشبار و الأمتار و سيجف ريقكم- لذلك يدعو له أتباع التاج في دولته الشقيقة "الأردن العظيم" بأن يسدد الله خطاه و يكون الأكثر تشدداً في دفع التراجع إلى الأمام !
حان دور "ابن عمومتنا" نتنياهو الذي يتجه بعينيه و كتفيه صوب الجالسين من الحكام العرب -أخينا خبير بمهارات الاتصال- و يحدثهم بكل "حميمية" اتفقت و صوت المترجم الذي حاول "إسقاط" الدمع من عيني بسبب "نبله و آماله بشأن السلام"، فيخاطب عباس قائلاً "أنت شريكي في السلام" لذلك يجب أن يبدءا معاً خطوة جديدة تنهي "النزاع المؤلم"، و بأن "الشعب اليهودي ليس غريباً على أرض أجداده، لكنه يدرك أن شعباً آخر يشاركه هذه الأرض، بالتالي عليهم البحث عن الأواصر التاريخية التي تجمعهم"، حين قال ذلك، كان الود ودي أن أقف و أشكره لاعترافه بأننا مشينا على هذه الأرض مثلهم، ألا ترون كم هو كريم؟!!
لم ينته "نبله".. فهو قد "تنازل" عن وقت العتاب و اللوم، ليبدأ صفحة جديدة في السلام الدائم و الآمن و يعثر على الحل مع "الرفاق الحائرين" الذي يتساءلون ... يفكرون.. متى يكون،، متى يكون،، السلام، "عشان نخلص من مشكلة الفلسطينيين"؟؟!
و لم ينس استعطاف الرأي العالمي، كعادة أقرانه من الصهاينة حين ذكر ما أسفرت عنه عملية قتل المستوطنين في الخليل "ندرك حزن العائلات التي فقدت 4 مستوطنين منهم امرأة حامل و أم ل 6 أطفال، إذ قتلو بوحشية على يد إرهابيين" لكنه و "لسعة صدره" لن يركز على هذا الشيء و يتراجع عن رغبته في تحقيق السلام، إذ يكون بذلك خدم أغراض "الإرهابيين" الذي سعوا لإفشال المباشر في التفاوض الجاري.. أما المستقبل الذي يطمح إليه نتنياهو من خلال السلام، و هو الذي عاشته رام الله و جنين في الفترة السابقة -برأيه- التي وصفها بالهدوء، بأنها فترة انتعاش اقتصادي ! و التفكير "بناطحات سحاب بدل الصواريخ التي تطلق على المستوطنات، و طرق تجارية تربط فلسطين بالعالم بدل أن تكون طريقا لللإرهابيين..." مؤكداً على أن "مكاننا" فريد تحت الشمس، لكن لا أدري (نا) نحن لمن تعود؟؟ هل لشعبه المزعوم أم لهم و لنا؟! مضيفاً بكل "براءة" أنهم "تركوا لبنان و غزة و لم يحصلوا إلا على الإرهاب".. بالضبط متى تركوها؟
و ينهي ب "قول مأثور" لأحد ما يسمونه في عقيدتهم "نبي" و بعبارة "ليس بإمكاننا أن نمحو الماضي لكننا نستطيع تغيير المستقبل".. و هنا لفتة "حضارية" أخرى أمام العالم، بأنه و "شعبه" يستشرف السلام في المستقبل القادم برغم كل الآلام التي عصفت بهم "بسببنا" في الماضي... يا إلهي، لا أستطيع تحمل كل كرم الأخلاق هذا !!
الخطر القادم آت.. و عباس كله إيمان، و إدراك، و استيعاب للدروس المستفادة من التجارب السابقة، بالإضافة إلى أنه جدّي و مصمم على إنجاح هذه المفاوضات -يعني بالطول بالعرض لازم ننتنازل- و هو يدعو "جيراننا"،، لو سمحت يا أخ عباس " هدول جيرانك لحالك" ! يدعوهم لوقف الإجراءات الاستيطانية و إنهاء الإغلاق و الحصار بالإضافة إلى التذكير بما يسمى "الثوابت".. لحظة لحظة.. ألم يكن الدخول في مفاوضات مباشرة مشروطاً بوقف الاستيطان؟! إذن لم يطالب به الرئيس بعد الدخول.. لا لا.. أعتذر، فهناك فرق بين وقف و تجميد، ربما الشرط تجميد، حسناً عباس ستغفر لك اللغة العربية إن لم نغفر لك نحن!!
ها هو يؤكد من جديد أن " إنهاء الإغلاق و الحصار و الحواجز ليس شرطاً مسبقاً إنما تنفيذاً لتعهدات سابقة" ، من هنا أشكر صبره المرير و العتيد هو و إخوانه و رفاقه طيلة هذه السنوات التي لم ينفذ فيها الصهاينة مطالبهم، و يطالبهم بتنفيذها الآن.. مني شخصياً كل التقدير !!
لكن يا أخي الكريم، من هي شعوب المنطقة التي تشير إليها في قولك "تتوق شعوب المنطقة إلى الاستقرار و السلام و ..." ، أنا شخصياً من منطقتك، و من شعب فلسطين تحديداً، عربية و مسلمة، لكن لم يسألني أحدهم عن "توقي" للسلام مع الكيان الصهيوني، و لم أجب بأنني أتوق.. من فضلك، حدد ممن هم الذين "يتوقون" !!
و بعد تغنيه بالدور المصري و الأردني و البريطاني في "العملية السلمية" قال بكل عنفوان و تصميم "آن أوان صنع السلام و إنهاء احتلال عام 1967... الاستقلال و الحرية و العدالة إلى جانب دولة إسرائيل" يعود لنقل رسالة لم أشارك في كتابتها مفادها أن " الشعب الفلسطيني يريد سلام عادل و ممكن" و يدين عباس ما حصل في الخليل، إذ "لا نريد إراقة الدم من الفلسطينيين و الإسرائيليين" منهياً ما بدأ بقوله "نريد أن نعيش شركاء للأبد، جمباً إلى جمب" موجهاً الحديث إلى نتنياهو بعدها " دعنا نوقع سلاماً دائماً إلى الأمام..."
يتضح الفرق جلياً بين ما قاله نتنياهو، و ما قاله عباس و مبارك و عبدالله، و في العموميات التي يكررها المفاوضون العرب، و في التفاصيل التي يطرح بها الطرف المقابل نفسه للعالم، أو لم تسمع بالثلاثة آلاف شهيد في غزة يا أبا مازن؟؟ أم لم تقرأ عن هدم البيوت في سلوان و الشيخ جراح؟؟ أو ربما لم تر دموع أطفال الأسير الذي قضى شهيداً جراء الإهمال الطبي في سجون الاحتلال؟؟ ربما كان عليك و نتنياهو تقاسم الجثث في خطاباتكم حتى تظهر الأمور أكثر دقة و مفصلية، و إلا لماذا الدخول في أروقة جديدة مع كل هذا الخلل المعهود في التوازن؟!
لا أستغرب كلمات أبو مازن و لا أبو حسين و حتى أبو جمال، فهذا كلام المسالمين، الذين برعوا في خطابات التسوية و تطبيقاتها على أرض الواقع ضد حرية شعوبهم، هذا إن كنا نعترف حقاً بكوننا شعوباً تابعين لملتهم و عقيدتهم السياسية في الوطن العربي، لكن كانت "القعدة ناقصة" أبو متعب، أو ليس شريكاً حقيقياً أيضاً للسلام؟! سنعذر عدم تواجده، فهو منشغل بالتأكيد في الطوفان حول الكعبة و تدبير شؤون العبادة و العباد من المعتمرين في شهر رمضان المبارك، و "ندعو الله" بأن يحفظ له صحته حتى الدورة الثانية من رئاسة أوباما أو نهاية حقبة لرئيس جديد للولايات المتحدة الأمريكية، فيشارك "الرفاق بها"، فقد عودتنا السياسة الأمريكية أن تحتفل كل نهاية ولاية بمؤتمر مجيد للسلام و المسالمين و اللاعنفيين، حتى يذكر لها بمشاركتها في "حل الصراع في الشرق الأوسط"، و ها هو أيلول يبدأ بانسحاب جنود الاحتلال الأمريكي من العراق و تسليم العهدة إلى الكمبرادور الجديد، و افتتاح مؤتمر التفاوض، و على حد تعبير قول أوباما "المفاوضات بين الفلسطينيين و الإسرائيليين فرصة لن تتكرر" .. فاغتنموا الفرصة يا "أولي الألباب" !!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"