الثلاثاء، يونيو 29، 2010

سياسة ال"المفتاح" بين إغلاق سوق العمل و فتح سوق السبت !

سوق السبت- جنين 1

سوق السبت- جنين 2

كل أول صيف، مع تدافع أفواج الخريجين من الجامعات و المعاهد و الكليات الفلسطينية إلى سوق العمل، للبحث عن فرصهم و أحلامهم، يكثر الحديث و الجدل حول إمكانية وجود تلك الفرص في الوطن، فتظل أمانيّهم مسقوفة و محدودة بحواجز الاحتلال الصهيوني و جدره المتوغلة في الأرض و الإنسان، هذا فضلا عن الحالة العامة التي تظهر أمامهم من تجارب سابقيهم ، و أوضاع أهاليهم الذين يضطر معظمهم للانخراط في أي عمل كان لمجرد توفير لقمة العيش، أو أجرة لسكن جامعي لأبنائهم ، أو قسط مدرسي و حتى المواصلات، الشيء الذي يبعد رب الأسرة عن عائلته أياما و أشهر داخل الأراضي المحتلة عام 1948 في ظروف أقسى من أن يتحملها إنسان، تعرضه في كثير من الأوقات لمواجهة الموت بسبب كون وجوده ممنوعا دون "تصريح" يمكّنه التحرك كيف يشاء..

***************


موت حقيقي


منذ بداية الانتفاضة الثانية(انتفاضة الأقصى) توقف العمل فجأة داخل الأراضي المحتلة عام 1948، لتغدو آلاف العائلات بلا مصدر رزق و يصطفون ضمن قوائم الفقر و العاطلين عن العمل، و مع مرور السنوات بدأت الأوضاع بالتغير رويدا مع التخفيف من الحصار خاصة في الضفة الغربية، و لكنها أصبحت أسوأ مع بناء جدار الضم و التوسع الذي أسهم في خنق الحياة الفلسطينية أكثر فأكثر.
و في تقرير صادر عن "مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بيتسيلم)"أوضحت فيه أن الكيان الصهيوني قام باحتكار الإدارة السياسية و الاقتصادية للأراضي الفلسطينية بعد اتفاق "أوسلو" و منذ ذلك الحين و هو ينتهج سياسة عدم التطوير الموجهة، ممتنعاً عن الاستثمار في تطوير اقتصاد فلسطيني مستقل إلى جانب تشجيعه للفلسطينيين على الانخراط في سوق العمل ، فتحولت المدخولات من العمل داخل الأراضي المحتلة 1948 إلى عامل مركزي في الإنتاج القومي الفلسطيني.

و حول الشكل الذي يعامل به العمال الفلسطينيون الذين يدخلون الأراضي المحتلة عام1948 دون تصاريح، يشير التقرير أنه يتم القبض على الآلاف منهم كل أسبوع، من ثم إعادتهم إلى الضفة الغربية، و تتم محاكمة البعض إلى جانب تغريمه ماليا، عوضا عن الإهانة والمعاملة الفظة والمسيئة لهم، حيث يقع غالبية العمال ضحية للعنف والتنكيل الشديد من جانب رجال "الشرطة" والجنود، بالإضافة إلى استغلال مشغلين هؤلاء العمال فيستخدمونهم مقابل أجر زهيد و بظروف صعبة تحرمهم من الحقوق التي يجب أن يتمتعوا بها.

و بمقارنة تقرير "بيتسيليم" الذي صدر مؤخرا، و تقرير مشابه صدر عام 1999(قبل اندلاع الانتفاضة)، لنجد فرقا في العوامل و الظروف التي يحياها العامل الفلسطيني داخل أرضنا المحتلة 1948، أشار الثاني إلى أن صاحب العمل لا يقوم بتدوين الأجر و ساعات العمل ، و ابتزازهم من قبل قوات الاحتلال سواء على الحواجز العسكرية أو في الداخل، إضافة إلى التمييز بين حقوقهم و مستحقاتهم و نظيرتها للعمال "الإسرائيليين ".


أظهرت آخر إحصائية لعدد العمال في الأراضي المحتلة 1948 و المستوطنات أن عددهم وصل 45 ألف عامل يملكون تصريحا بحسب عضو "منظمة لاف لاوفد الإسرائيلية التي تدافع عن حقوق العمال السريين" روي فاغنر، مؤكدا على أن العمال "السريين" ( أي من غير حملة التصاريح) قد يوازي عددهم المعلن عنهم أو حتى يتجاوزونه، موضحا بأن العمال قد يعملون أسبوعيا كاملا دون تلقي أجر و إذا حصلوا عليه يكون أقل بكثير من الحد الأدنى للأجور الذي يقدر ب700 يورو.
و يذكر أن عدد العمال الفلسطينيين قبل عام 2000 (الانتفاضة الثانية) بحسب أرقام صندوق النقد الدولي قدّر ب 146 ألفا عملوا في الداخل المحتل و المستوطنات.

و تروي أم محمود من جنين أن زوجها يعمل منذ ثلاث سنوات في هذا المضمار، فهو يخاطر في كل مرة يذهب بها إلى عمله، إذ لا يحمل "تصريحا" للعمل فيدخل تهريبا كمعظم العمال معه، مؤكدة أنه تقدم بطلب لمكتب العمل كي يؤمنوا له تصريحا لكنه لم يفلح، و أيضا حاول الحصول على "تصريح بحث عن عمل" الذي يسمح بإقامة العامل يومين في الداخل، و لا نتيجة...

تضيف أم محمود، بأنها تعيش حالة دائمة من القلق و عدم الاستقرار بسبب غياب زوجها عن الأسرة، إذ يغيب أسابيع و أشهرا عديدة دون أن يعود خلالها للبيت، و حين يعود للاستراحة بضعة أيام، تحس بمرارة الوقت حيث لا تستطيع مناجاته بمشاكل البيت و الأبناء و أحوالهم، خوف أن تثقل عليه همومه، فهو يعيش في بؤس حقيقي و ظروف عمل قاسية(لا ماء.. لا كهرباء.. لا حمام.. أحيانا يبيت في العراء تحت الشجر.. ينامون ليال كثيرة دون طعام حيث لا يستطيعون التحرك بحرية خارج أماكن سكناهم)، و حتى في تلك الفترة التي يقضيها بين عائلته، لا يلبث أن يرتاح يومين حتى يبدأ المقاول(الذي يشغله) بالاتصال عليه مرارا و تكرارا كي يعود للعمل، مردفة أن الأولاد يحتاجونه هذه الفترة أكثر من أي وقت مضى، فهي لا تستطيع أن تربيهم لوحدها بعيدا عن ناظري الزوج، الذي يحمل هما آخر و هو توفير لقمة العيش، و بحرقة تقول أم محمود "كإنو بروح عالدار تا يجيب المصاري و يرد يرجع للشغل، يا ريت لو يلقى شغل هونة في بلده أو يكون معو تصريح عشان ما يعاني بالسكن".

و حول أصعب المواقف التي يرويها زوجها لهم، تذكر أم محمود أنه سجن أكثر من ثلاثة مرات و أطلق سراحه بعد ليلة واحدة في كل مرة، و في إحدى المرات عادوا إلى سكنهم فوجدوا أغراضهم ملقاة خارج السكن و أغراض بعضهم محروقة من قبل أصحاب السكن، و ذلك تخوفا من قدوم الشرطة، ليطردوا خارجه و يبيتوا في العراء تحت الشجر، فتلدغ العقارب و الأربعينيات بعض زملائه في العمل، و قصص كثيرة مغمسة بالألم ترويها أم محمود ، هذا فضلا عن الطرق التي يعبرونها للوصول إلى مكان عملهم، فيقطعون الجبال و الوديان متخفين عن عيون قوات الاحتلال، و في السابق كانوا يمرون عبر أنفاق المجاري للوصول فقط، ففي دخولهم و مكوثهم أثناء فترة العمل مخاطر، لدرجة أن قال لها يوما "نتعرض لموت حقيقي في كل لحظة".

أما شادي تركمان (جنين) الذي يعمل في الداخل بدون تصريح حاله كما أبو محمود، فيقول "نذهب في الثالثة صباحا ننتظر سيارات لتقلنا إلى أماكن العمل و نضطر في كثير من الأحيان إلى القفز عن الجدار و إذا كان عال كثيرا نستخدم مقصا لقطع الأسلاك" مضيفا أنه معرض دوما للقبض عليه، فهو يسجن و يعود مرة أخرى، و في حالات كثيرة يدفع العامل غرامة مالية تتراوح بين 1000 شيكل و 9000 شيكل، و ذلك حسب الجرم الذي تدعيه قوات الاحتلال ، عوضا عن حوادث السير التي يتعرض لها العمال بسبب ظروف القيادة الخطرة، فعندما تلاحق سيارة "شرطة إسرائيلية" سيارة العمال(ليست مؤمنة أو مرخصة) لا تستطيع الثانية التوقف بتاتا و تظل مسرعة في طريق واحد، و قبل عدة أشهر شهد تركمان على حادث سير ذهب ضحيته عاملين من جنين أحدهما من بلدة يعبد و اسمه مهند و الثاني من بلدة كفر راعي و اسمه همام.

و تذكر أم السعيد(جنين) قصصا عن العمال و المآزق التي يمرون بها أثناء سفرهم و عملهم، و تلك التي تسمعها من زوجات العمال، و منها أن حدثت جارتها عن مجموعة من العمال(طبعا زوجها ضمنهم) كانوا في طريقهم إلى العمل أثناء جو ماطر و بارد جدا، و في غمرة الخوف من أن تلاحقهم سيارة "شرطة" تقدمت باتجاههم مجموعة من جنود الاحتلال لنصب حاجز على الطريق، ما دفع السائق إلى تركهم في تلك المنطقة و مواصلة سيره، و لجأ العمال للاختباء من الجنود و المطر المتكاثف فوق رؤوسهم فاحتموا تحت مرتفع الشارع (شيء أشبه بالوادي) و مكثوا قرابة الساعة و النصف واقفين ينتظرون الجنود إلى أن ينهوا إكمال الحاجز، و إذ بأحد الجنود يتبول فوق رؤوسهم، فلم يستطيعوا أن ينبسوا بحرف واحد أو يصدروا صوتا واحدا خوفا من أن يمسكوا بهم.


و لضمان حقوق أولئك العمال، يدعوهم مسؤول الدائرة القانونية في الاتحاد العام لنقابة العمال(جنين) رياض كميل إلى متابعة النقابة في أي قضية و التثبت دوما من موازين العمل في الأراضي المحتلة 1948 و تسجيل كل شيء من أجر و إثباتات عمل عند صاحب العمل باسمه و المكان، و غير ذلك من إثباتات تعزز قضاياهم في ما يسمى "المحاكم الإسرائيلية"، مؤكدا أنهم يتابعون حتى تلك التي لا يملك العامل أدنى إثبات لتنجح، لكن تلك الوثائق مهمة جدا.

و يتابع محامو النقابة كثيرا من القضايا العالقة(المعاملة السيئة على الحواجز، النوم في العراء، عدم دفع الأجور المستحقة...إلخ) مع العمال الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، خاصة بعد أن عقد الاتحاد اتفاقية مع منظمة العمل الدولية للوقوف عن كثب إلى جانب حقوق العمال و مصالحهم التي تنأى بحقهم عن الضياع و بجهدهم عن الاستغلال.

و في قضية الشابين اللذين توفيا في جنين(ذكرهما تركمان) يؤكد كميل بأن الاتحاد رفع قضية من خلال المحامي المتصل بهم في الأراضي المحتلة على سائق السيارة لأنه غير مؤمن و مرخص لسيارته، و تمت متابعة هذه القضية و كثير من القضايا الأخرى تتابع مع مؤسسات حقوق الإنسان الموجودة داخل الأراضي المحتلة 1948 و يقوم بنشرها على المستوى الدولي.

خريجون على القارعة

يحمل الطالب بعد تخرجه من أي تخصص كان، شهادته و سيرته الذاتية ، و أوراق أخرى ساعيا في الأماكن التي تناسب دراسته أو لا تتناسب معها أملا بالحصول على وظيفة، قد يجد أو ينتظر، و يطول الانتظار... ثم يستعرض مواقع التوظيف الإلكترونية التي تملأ الشبكة العنكبوتية، مرسلا سيرته الذاتية لكل فرصة قد تتوفر، و لكن في كثير من الأحيان يتراجع خطى إلى الوراء بسبب متطلبات الوظيفة التي يجدها، فالتخصص وحده لا يكفي، و السنوات الأربع أو الخمس في الجامعة ليست طريقا واحدا، فأين الخبرة؟؟؟ إذ يطلب كأقل شيء خبرة سنة و الرقم في ازدياد، و في كثير من الوظائف خاصة الحكومية لا تحسب الخبرة إلا بعد التخرج، فالطالب قد يقضي طيلة فترة الدراسة أو جزءا منها منخرطا في عمل ما، لكنه لا يحسب في سيرته العملية، و كأن جهده ذهب هباء.


و لا يختلف الحال الفلسطيني عن العربي بوجود فرص للعمل تمنح لخريجين دون حتى النظر إلى سيرهم الذاتية (بالواسطة)، أو حتى من هم أقل منهم كفاءة علمية، الشيء الذي يزيد من ضغوطاتهم النفسية و احتمالات التفكير بالسفر إلى الخارج، هذا عوضا عن ندرة المشاريع الدائمة التي تضمن للخريج عملا ثابتا يكفيه ذاتيا و يكفي عائلته التي تحتاج اليوم إلى راتبه، لتعيش وسط الغلاء في الأسعار و الحياة بشكل عام، فمؤشر الفقر في ازدياد.


هنا يتبادر الحديث عن التخصصات الجامعية و مواءمتها لحاجة سوق العمل، إذ يقول مدير قسم التشغيل في مكتب وزارة العمل(جنين) ياسر البزور بأنه لا يوجد أي مواءمة بين مخرجات التعليم و احتياجات سوق العمل، و تسعى الوزارة ضمن خطط عملها و برامجها المشتركة مع وزارة التربية و التعليم إلى إيجاد حل لهذه الظاهرة يتأتى عبر تحديد عدد الطلاب في كل تخصص أو كخطوة استباقية نفذتها دائرة التشغيل، و هي اللقاءات الإرشادية للطلاب لتوجيههم نحو التخصصات الجامعية المناسبة، و بعد تخرجهم تكفل لهم التوجيه نحو المؤسسات ، التي يمكن أن يجدوا بها شاغرا لهم أو تدريبا يكفل لهم الخبرة و التجربة العملية، و لكنه يلقي كثيرا من اللوم على الطلبة الخريجين، الذين لا يتورعون للتقدم نحو مكتب الوزارة و البحث عن فرصهم بأيديهم، لكنهم بحسب رأيه "يودون الحصول على الوظيفة بكل سهولة دون أن يتعبوا أنفسهم بالتدريب".

و في ذات السياق يؤكد كميل على عدم وجود سياسة واضحة من قبل الحكومة في تشغيل الخريجين، حيث يتوافد سنويا نحو 8000 خريج من كافة أرجاء الوطن بينما حاجة سوق العمل لا تزيد عن 500 شاغر، و إذا ظل هذا النهج في طريقه سيكون مدمرا، و يزيد من حدة البطالة، ما يزيد من هجرة الكفاءات و العقول، و الاتحاد قدم أوراقا و مقترحات للحكومة و وعدت بحل الإشكالية إلا أنه لا شيء حقيقي على أرض الواقع.

و يضيف البزور بأن هذه الظاهرة تعاني منها دول عديدة في الشرق الأوسط تنعم بالأمن و الاستقرار، "فما بالكم بالوضع الفلسطيني الذي يتجلى على ساحته ظرف موضوعي هو الاحتلال؟" ، فلو أمعنا النظر في الإحصاءات ما بين (2000-2009) نلحظ أعدادا متراكمة و متزايدة من الخريجين الذين يصطفون بانتظار فرصة عمل، و يقترح حلولا للحد من هذه الظاهرة، تتمثل في الاتصال و التواصل الدائم مع المؤسسات الخاصة و الإنتاجية في سوق العمل الفلسطيني ، و منحها محفزات و تسهيلات خاصة في قبولها و استيعابها لأعداد الخريجين، و خلق شراكة حقيقية بين شركاء الإنتاج الثلاثة (الحكومة، القطاع الخاص، الاتحادات و النقابات و الغرف التجارية و الصناعية)، بالإضافة إلى إيجاد فرص عمل طويلة الأجل للعمال و الخريجين تمتد عقودها سنة أو أكثر و ليس أشهرا، فضلا ضرورة إيجاد مؤسسات تدريبية كافية لتأهيل الخريجين و إكسابهم خبرة مناسبة تمكنهم الانخراط في سوق العمل.

و لكن لماذا بالرغم من تواجد برامج التشغيل و التدريب المهني للخريجين تظل الشكاوى محدقة بعمل وزارة العمل؟ و تظل الرؤيا غير واضحة لتلك البرامج و الإمكانات؟ يجيب البزور بأن المواطن لا يتجاوب و نداءات الوزارة و الخطط التي تقدمها، و في جنين خاصة هناك ما سماه ب "ثقافة الفقر" فالناس يريدون حلولا عاجلة و قاضية، و وظائف مباشرة بمرتبات عالية، و إذا لم يتحقق ذلك في جنين يسعون مباشرة للذهاب للعمل في رام الله(28000 مواطن غادروا جنين للعمل في رام الله)، بينما لو نظرنا إلى رام الله و أريحا و نابلس، يفكر المواطن مليا قبل التسرع بالانتقال، و يتدرج في المهنة منخرطا في التدريب و العمل المؤسساتي التطوعي.


مساحة بالية للتنفس


سوق البالة (البضائع المستعملة) ظاهرة ملاصقة للفقر في أي مكان، و ليست فلسطين الوحيدة بين دول العالم التي نرى فيها مثل تلك الأسواق، و لكن، حتى في هذه يترك الاحتلال بصمته، فالبضائع المستعملة في "سوق السبت" بجنين كلها تأتي من الأرض المحتلة 1948، أكثر من ثلثيها مستخدمة من قبل الصهاينة.

ففي زحمة ارتفاع الأسعار في الأسواق العادية يلجأ الناس إلى هذا السوق لعلهم يجدون ما يتناسب و جيوبهم غير الممتلئة بالنقود، و هذه أم عدي التي تمشي في السوق مصطحبة طفلها الصغير تفتش عن ملابس و أحذية تقول" أشتري من هنا لأنها رخيصة و زوجي عامل (مزارع)" أما رفيق خمايسة فيشير إلى أن تسوقه من هنا هو نوع من التعويد لا علاقة له بالأسعار، فالأسعار غدت أغلى من البضاعة الجديدة.

و في الاستيضاح بشأن أحوال رواد السوق يقول مصطفى السعدي(صاحب محل نثريات و كهربائيات و ملابس مستعملة) بأن السبب الرئيسي وراء وجودهم هنا هو الفقر و قلة "المصاري"، حيث يعمل في السوق منذ 27 عاما لكنه لاحظ أن الثلاثة أشهر الماضية كانت من أشدها و أصعبها على الناس، فرغم انخفاض الأسعار في هذا السوق إلا أن الناس لا تشتري لأنها لا تملك النقود الكافية، فالزبون يأتي لشراء قطعة معينة يكون بحاجتها لا يتبضع بشكل متنوع، مضيفا بأنه كان يبيع يوميا بقيمة (3000-4000) شيكل، لكنه هذه الأيام يبيع ب 100 شيكل يوميا، و أن وقت الذروة هو يوم السبت فقط لكن الأيام الباقية من الأسبوع تتلحظ فراغا كبيرا في التسوق.

أما زياد السعدي(صاحب محل تحف و زجاجيات مستعملة) يقول بأن الناس تبحث عن الأرخص، فالبنطلون يباع خارج هذا السوق ب70 أو 60 شيكل مثلا، لا يستطيع ذوو الدخل المتدني شراؤه خاصة إذا كان عدد أفراد العائلة كبير، و يختلف حسب دخل الأسرة بمعنى "اللي بوخد راتب 3000 شيكل أو 4000 شيكل مش مجبور يشتري قديم و مستعمل، فيشتري من الجديد، و لكن اللي راتبه 2000 بتوفيش معو، فبيجي هون" !
و في السابق كان الزبائن و الناس بشكل عام ينقسمون لمستوى عالي و وسط و متدني بالنسبة للوضع المعيشي الاقتصادي، لكن اليوم لا يوجد مستوى وسط، "ياااا فوق الريح يا بالأرض".

و يعرب لنا التاجر تيسير كميل عن خطورة شراء البضاعة المستعملة قائلا "شراء هذه البضاعة مغامرة بحد ذاته، حيث نذهب عن طريق التهريب إما عبر القدس أو( تل أبيب)، و نص الربح يذهب أجار للسيارات، و لا تكون البضاعة متوفرة في معظم الأحيان فيصرف إجار السيارات دون فائدة و نعود بلا شيء".
مردفا، إن الظروف التي يعانيها الفلسطينيون صعبة للغاية، فما الذي يجبر النسوة على شراء البضاعة المستعملة من هنا لبيعها خارج السوق لولا الفقر و الجوع؟ و كثير من التجار يريدون الهجرة، فترى التاجر يشتري بضاعة ب200 ألف شيكل و يبيعها بثلاثين ألف ليتمكن من السفر خارج البلاد.

في الحديث عن الفقر و العوز ضمن تقلص فرص العمل، يجدر الحديث عن المساعدات و المنح من الدول الأجنبية، و برامج العمل التي تطرحها المؤسسات الأجنبية، حيث يتم التعامل مع الفلسطيني كأنه متسول يستجدي الطحين و الملح، و لا أدل على ذلك مثل برامج ما يسمى ب"العمل مقابل الغذاء" ما هو أقرب لنموذج السخرة في الحقب الإقطاعية، و هي برامج مؤقتة لا تغني و لا تسمن من جوع، و كل من البزور و كميل طالبوا ببرامج دائمة تنأى بالفلسطينيين عن الإهانة و الذل في سبيل تدبير لوازم عوائلهم و احتياجاتهم، إلى جانب أن لا تكون برامج الإغاثة مشروطة و مستغلة لحاجة المواطنين.

***************

كأي مشكلة أخرى هي البطالة، يلزمها حل و حل نهائي، لا ضير إن كان بطيئا، المهم أن يغدو ناجعا و فعالا يعالج الظاهرة من الجذور، و لا ننسى الوجع في الخاصرة ، و هو الاحتلال ، الذي يظل دوما عائقا في التنمية و الاستثمار للوصول إلى الدولة القادرة الفاعلة في القضاء على فيروسات هدمها.

ليست هناك تعليقات: