الجمعة، يونيو 25، 2010

في عيون النساء

تستثيرني العيون في تحديقها ... في إمعانها، و في هروبها أو شرودها، حيناً معي و حيناً بدوني، هنيهة تبتسم لي، و أخرى تبدي استغرابها من استغرابي!! تقودني عيونهن لأكون جزءاً من حلو الحكايا و مرها، من اتساع الأماني و ضيقها، كأني أريد الكتابة عن كل نساء الكون، أو على الأقل محاولة اختزالهن في بعض النساء، اللاتي أمرّ بهن يومياً و تخترقني الأصوات من عيونهن التي تتحدث لي أو لسواي، و كم تؤرقني الهزائم في العيون التي لا أستطيع لها بيديّ نصراً.. كما البلاد، و كم أستطيع على النحو الآخر أن أشجب و أستنكر.. كما القادة !!

عينان لم أرهما !
تنظر عبر تلك النافذة، إلى الشارع المقابل لبيتهم، و ترى أطفالا يلعبون، و أعراسا تبدأ لتنتهي بسكون، و ربما لا تستطيع النظر، خاصة إذا كان أحد إخوتها الذين لم يولوها أي اهتمام بعد أن اتخذت من عزلتها عالماً لا يدركه سواها، و كيف لا تعتزل العالم الذي جعلها رهينة أحلام مطعونة في الظهر ؟!
كيف تتأنق و ترقص في زفاف من زف على أوجاعها؟ هو الذي يسمى " أخوها"، ما إن أدرك امتلاكها لمبلغ مالي كبير جمعته دقيقة تعب تلو حرمان، كي تكمل تعليمها الجامعي بعد أن منعها والدها إتمامه بالرغم من حصولها على معدل 86 في الثانوية العامة، حتى سرق مالها ليتزوج به !!
للآن.. لا تبرح منزلها، ربما حتى غرفتها،، و لا أحد يتورع بالسؤال عنها، أو الاطمئنان عليها، حيث صارت حديث الكتمان و الشجن بين الجيران، و السر المستباح بين أهل البلدة، من لها بعدي؟؟ بعد أن أموت؟؟ من لها؟! هكذا تتأوه أمها دوماً...


المخلّص !
بدأ المتسابق الفائز بالغناء.. و بث رسائل الأسير الذي يصف عتمة السجن و الوحدة بعيداً عن أهله و وطنه، مخاطباً أم الأسير في الأغنية التي يرى وجهها أنيساً مصبّراً لما يجول في نفسه من قنوط أحياناً و شجن..
في أثناء ذلك، أرى امرأة تقترب من الصف الأول، متوجهة لسلام فياض، ثم بدأت تريه صور أبنائها المعتقلين و تحدثه عنهم، كانت الفرحة في عينيها تقتحم كل تلك الموسيقى المحيطة التي تجذب انتباه الجمهور، و لم تعر لها أي اهتمام، كأنها أيقنت أن الكلام ما عاد ينفع، و لا حتى الأغاني في استرجاع من أوجعتهم القضبان،أو ظنت بأن فياض الذي استمع لها بصمت و ابتسامة و بعض انحناء سينشل شيئاً من أوجاعها، هو الذي لمع نجمعه و ذاع صيته في البلاد.. ربما سيأتي بالخلاص !!


أريد طفلاً..
تتحدث عن نفسها بعفوية مطلقة، عمّا تحب و تكره، دون أن يفصل بينها و بين من يسمعها أي نوع من الحواجز، فهي التي تدخل القلب دون استئذان، إنها امرأة تريد أن تحيا و تسعد بكل لحظة من أيامها، و تستطيع نقل هذه السعادة لغيرها، و تملك من الجمال ما يستفز غيرة بعضهن تجاهها، اللاتي لا يفوتن فرصة في التحدث عنها بالسوء..
بدأت امرأة تتحسس بطنها الذي يحمل جنينها الأول أمامها، و تشتكي من آلام الحمل بغنج و دلال أمام بعض النساء، كأنها تحاول استفزاز الأولى كونها لم تنجب لغاية الآن و هي التي تزوجت قبلها بستة أعوام، و ها هما عينيها اللتان اكتظتا سعادة من قبل أمامي، أراهما و قد احتشدت فيهما الهموم على اتساعهما الجميل و المرير في آن، حتى توقفت الدمعة على رصيفيهما كأنها تقول.. ليتني أحس بهذه الأوجاع، ليته يوجعني جنيني!!


عروس
تطل على الحاضرين بحلتها الجميلة، في يومها الأجمل، بهدوء متكامل و نظرة واحدة، و تسرح بعيداً بعيداً.. و أرى خليلها يحدثها و يحدثها دون أن تنبس إلا بابتسامة خفيفة، كأنها لا تود الحديث أبداً، حيث لا تود سماع فكرة ربما تقطع صوت ذاكرة متعبة..
بماذا تفكر يا ترى تلك العينين؟ هل بأيام الدراسة و متاعبها و المعاناة التي رافقتها خطوة بخطوة مصحوبة بالشحوب و الصبر على المواجع؟ أم تفكر بقدرة تلك اللحظة على محو آثار التعب التي مرت بها طيلة السنوات الفائتة؟!
أما أنا يا صديقتي.. فأفكر فقط كم أنت تستحقين ذاك الفرح، و كم أنت جميلة هذا المساء..


إنجاز
اتسعت عيناها فرحاً و حدقت بي بفخر حين قلت لها " لو أنهم لا يحبونك لما فعلوا ذلك.. المحبة قادرة على كل شيء عزيزتي "
هي التي امتنعت حتى عن تذوق أي طعم تم تحضيره في مصانع الاحتلال من 7 سنوات تقريباً، سواء بشرائه أو تقبله ضيافة من الآخرين، و حتى لو تواجد في منزلها، فهي ليست مستعدة لاستخدام أو تناول أي منتج صهيوني.. الشيء الذي صار معلوماً لدى جميع من عرفتهم و تعرفت عليهم، حتى قالت لي ذاك المساء بأن جاراتها أصبحن يشترين المنتجات الفلسطينية أو العربية فقط لأنها لا تقبل تناول أي من منتجات الاحتلال.


تفتت !
تتمتم بكلمات لا يدركها أحد منا، يتجول بؤبؤا عينيها يمنة و يسرة، و تحديقها المتواصل بالجالسين حولها يستمر.. و تستمر التمتمة!! صمت و مراقبة فقط، حيناً مكسوّ بالبسمة و حيناً آخر متستر بنية ربما تخيف أحدهم..
لم تكن هكذا من قبل، و لكن بعد أن تزوج زوجها بامرأة أخرى، مدعياً أنها "عالبركة" و لم تعد تتقن عمل أي شيء أو تدبير أي من متطلبات المنزل، و لم يكتشف ذلك إلا بعد مرور 6أطفال، أكبرهم 18 عاماً !

كم قالوا و تقولوا عنها، و كم أصبحت موضة "عالبركة" دارجة في سوق تعداد الزوجات، إذ غدا هذا السبب الأنجع لإقناع الآخرين بضرورة المثنى و الثلاث... و ليس أسهل هذه الأيام من الزواج بأخرى، أو الطلاق من غيرها، و تعددت الأسباب لرجل شرقي بجدارة !


غربة
و كلما دق جرس الهاتف يزداد نبض قلبها سرعة و تسارعاً.. فتقول "إنها ابنتي" و تكاد تشقق زرقة عينيها غيماً من الفرح، حتى تمسك بسماعة الهاتف و يصدق حدسها، ثم تبدأ الكلام، و الدموع مطر ليس له أوان!
هي ذات أسئلة "كيف" التي تنضج دوماً بينهما، و ذات وصايا الأم العشر، و ذات العينين المفعمتين بالشوق، و الصوت المضرج بالغياب، و هما ذات الوجنتين اللتين تستقبلان دمعها الدافئ... و لكن مع كل مرة، هناك ابتسامة مختلفة و شكوى حنونة، فالغائب دوماً أحسن الأحوال مقارنة بالحاضرين الذين لا يعون معنى الرحيل، فيظلون في معزل عن تجنب الأخطاء صغيرها و كبيرها بحق آبائهم، أما البعيد، فلا يعنيه شيء في العالم بقدر كلمة "الله يرضى عليك" !


أتصدقين؟!
هي.. كانت دوماً الخيط الأضعف في نسيجها العائلي، الذي تتخلله الكثير من العناكب،و تتصارع فيه العقول لتنقسم الأدوار بين الظالم و المظلوم جهاراً.
لم أزرها يوماً، إلا رأيتها تقوم بكل شيء ذو شأن بأمور نظافة المنزل و تحضير الخبز و حتى طهي الطعام، هي المتوقدة غضباً من كل المحدق بها، و صاحبة الشق الفارغ من كأس الماء، التي لم أسمعها تقول مرة "أبي" إنما "جوز امي" !!
كانت تظن و ظننا جميعاً أن الزواج سيسحبها إلى عالم أجمل و لو قليلاً، و أكثر أماناً.. لكن ما إن رأيتها ذاك النهار، و بدأت تحدثني عما تعانيه في العالم الجديد، الذي اتفقت فيه النساء على استفزازها و التقوّل عليها بالخدع و الأكاذيب، أما زوجها، فهو الذي لا حول له و لا قوة !!
نظرت إلي بعينين ملؤهما الدهشة و الألم قائلة "يدعون أنني عفنة و لا أفقه شيئاً في ضرورات النظافة.. قولي لي عزيزتي، أتصدقين؟؟!! "

هناك تعليقان (2):

متشرّد يقول...

لم أقرأ لغةً مثل لغتك يا رحمة،
لم يسبق وأن فعلت!

رحمة محمود يقول...

:)

أنا لما بقرأك بحرص إنو تكون الكلمات الأخيرة بيومي، عشان ما يوقف اشي بعدها مجرى الجمال اللي بتخلقه جواتي..

محبتي