الأحد، يناير 17، 2010

رأيتُ عمــّـان...

صوت 1.. أكشين )))

مهرجان "للزامور" على مفترق طرق بانتظار رحمة إشارة المرور لتفتح الأفق في دروب العابرين، كأنه دوري "مسّاحات" السيارات في حضرة المطر المشتاق منذ عام ليغمر الأرض فتزهر حياة، و يغسل الشوارع فتصحو عليها الشمس بأجمل حلّة..

يستمر المطر في طريقه إلى وسط البلد، مارّاً بشارع الأمير محمد ليحيي على يمينه بيت الفن الأردني، الذي تقبع في داخله بعض معطيات الحياة الأردنية بقيمها و تراثها الذي غدا لدى بعض الناس زينة في غرف استقبالهم الضيوف بعد أن كان أسلوب حياة، تئن وحدها تلك المعالم بين جدران عدة في الطابق الثاني للمكان، مع مقاعد خالية من موظفيها... يكمل المطر على زاوية الشارع اليمنى منجذباً نحو رائحة فلافل أبو محجوب، القابع في هذا الشارع مذ أكثر من عشرين عاماً، فيسأله عن جيرانه، الذين تعودوا ما يعده لهم صباحاً و لا يجدون أشهى منه، و لكن رائحة الغياب تخبر المطر الكثير من الأسرار عن سكان هذا الشارع الذين ارتحل معظم ساكنيه، إذ توزعوا بين الأرض و السماء.. لكن ذكرياتهم ظلت خالدة بين سطور أحبائهم و مشتاقيهم من الجدران، لا يلبث المطر استنشاق رائحة الفلافل حتى تصطاده رائحة القهوة من الجانب الأيسر للشارع، فيوعز بالمطر الذي لم يلامس الأرض بعد، بأن يذهب لإلقاء التحية على مصدر الرائحة، و هي قهوة أبو عيسى الصامدة مذ أكثر من ثلاثين عاماً في مكانها...

يمتد المطر بين محلات الستائر المنتشرة على كلا الجانبين، ليقترب أكثر من وسط البلد بعد أن يتمرد على حدود الإشارات الحمراء و الخضراء، فليس للمطر حدود.. و ها هو يعبر من أمام سوق الحجيري مسرعاً بمحاذات المقاهي و المطاعم التي تنبض برسم التراث الفلسطيني و الأردني، من أمسيات عمان التي تقدم "شاورمتها" اللذيذة لمرتاديها مع بعض الأغاني الدافئة بصوت يبدو عليه التغريد منذ عشرات الأعوام، غير متنازل للصرعات الحديثة في أساليب الغناء،، أما مقهى ليمانا الذي لا يتعدى رواده طاولتان، يمرُّ المطر على العاملين فيه الذين لا يملّـون كلمة "اتفضل" "اتفضلي" "أهلا و سهلا"... وصولا إلى جفرا، حيث حديث آخر، فلمجرد قراءة التعريف به و سبب التسمية يبدأ الجسد قشعريرته المخبأة منذ رحيل ال 1948، و التأمل في أسطورة جفرا.. العشق الذي ما اكتمل،، و كيف لعشق أن يكتمل؟؟!

يشتد المطر و يتناوب في غزارة الهطول،، و ترى الناس بعضهم يهوى الجنون تحت وطأة "الزخات" و بعضهم ينظر باستغراب أو كمن يتمنى ارتكاب لحظات مجنونة، و كم هو جميل في ذاك الوقت كوب سحلب من صنع "المارديني" الذي يبيع شوربة العدس أيضاً !

أو من المحل الآخر الذي يبعد عنه مقدار زاوية شارع.. و لا ينسى المطر تحية مكتبة الجاحظ المتربعة على "طلعة" شارع بسمان، مقابل محل الخياطة "الدبّاس"الذي يمتد ستةعقود مضت و كذلك "سناك توينتي تو" الذي يحمل ذكريات لبعض المارة، و ربما سيحمل ذكراه عابرون جدد!

بدأت الشمس بالغروب، ليصل المطر إلى جامع الحسين، المطل على أسواق البلد القديمة و محلات العصير و التمر الهندي و "العرقسوس".. و ها هم المصلون يسرعون إلى داخل المسجد بعد أن نودي للصلاة، تتبعهم نظرات السياح، إذ يتفنن بعضهم بالتقاط الصور لذاك المشهد...

الله أكبر الله أكبر

لاااا إله إلا الله

الله أكبر الله أكبر

قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة



صوت 2.. أكشين )))

مواطن في وادي صقرة ينادي : تااااكسي

يتوقف أحدها.........


السائق : لوين؟

- عالحسين لو سمحت..

و يبدأ العداد.. و كأن الراكب يريد الوصول لإربد، يلف به السائق أماكن لم يعتدها الأول طريقاً للحسين، و كأنه يحدث نفسه بغضب "ترى ما به يدور؟؟" لكن دون جدوى لمناداته!! و يستمر بالدوران في جولته الأرضية..

- أخيراً وصلنا الحسين،، كم الحساب من فضلك؟

-دينارين

- "باستغراب!!" تفضل،، محدثاً نفسه "حسبي الله و نعم الوكيل"


صوت3.. أكشين )))

ترررن ترررررن....... ينقطع الصوت فجأة، الظاهر أنها مكالمة فائتة، في فلسطين هذه المكالمة بين الصديقات تعني "مرحبا" أو "مسا الخير" أو "يسعد هالصباح".. و بين الأهل "ارجعلي أو ارجعيلي".. و طبعاً لا يختلف هذا الشيء عنه في الأردن، و أظن في كل العالم، لكن المتميز هو أنها ستؤول إلى مكالمة بالمجّان...

دعوة للتفكير،،، فبعد أن تسألها عن الحال و الأحوال، و الأولاد و طبخة اليوم و طبخة البارحة، و كيف تسوقت و نجحت في عملية " المفاصلة" و .... ماذا سيتبقى للكلام؟؟ سينفلت اللسان إلى ما حول البيت من أخبار الجارات و مشاكلهن و مشاكل الأقرباء و من تزوجت.. من طلقت.. من ستنجب طفلا.. و من لا تنجب.. و كيف خسر ماله و أبناءه.. أو كيف بنى بيته.. و ربما سيتكلمن في الطريقة المثلى لعمل السلطة!! أو طريقة مميزة لكي بنطلون الجينز!!......

و يتساءل الناس من أين تأتي المشاكل!! أو لم يصدق المثل حين قال "من أكثر أهجر" ؟

و لكل سيف حدين، و هذا جرح أحدهما في منطق المكالمات المجانية، و التي لم تطفُ بعد على الساحة الفلسطينية، فنحن ما زلنا حديثي نعمة التنافس التجاري بين شركات الاتصالات، بعد أن قضينا أكثر من عقد من الزمان تحت رحمة الجوّال.


صوت4.. أكشين )))


يقول أخي : " أمضى العلماء وقتاً لتخليص البشر من آلام الرأس فاخترعوا ال "أكامول" و ال "ديكسامول" و ال " بارتيكيمول".. لكن الاقتصادين جاؤوا و بكل بساطة ليعيدوا أوجاع الرأس بإنشائهم ل "مكة مول" و "سيتي مول" و "الاستقلال مول"... إلخ.."

تنتشر المولات في عمّان بشكل مزعج، فأينما وليت وجهك ثمة مول، هذا طبعاً عوضاً عن انتشار المطاعم الأمريكية "بابايز" "ماكدونالد" "هارديز" "برجر كنج"، فكما بضاعة الاحتلال المنتشرة في أسواقنا، تزدحم المطاعم و المقاهي الأمريكية !!

و ليس ثمة مرآة للمولات غير "النشاط الاستهلاكي المتزايد" فيزدهر نمط الحياة الاستهلاكية السائد أصلا في المجتمعات العربية بكثافة أكبر، لتصبح أهم أولوبات المرأة "الشوبينج" و الزوج "تعبئة السلة" قدر الإمكان من مول مثل "كارفور".

إن المشكلة لا تكمن في وجود المولا ت، لكن في كون أسبقيتها لمجتمع صناعي متطور أمنياً و منتعش اقتصادياً"، و لعل ذلك يبدو أكثر وضوحاً في المجتمعات الخليجية، التي أحدث النفط فيها ثورة منذ منتصف القرن العشرين، و لغاية الآن، ثورة لا تتعدى حدود الاستهلاك.

و لربما انتقال مثل هكذا طفرات "المولات" إلى الأردن خاصة و أنها تعتبر من الدول ذات المديونية العالية للولايات المتحدة الأمريكية، يعتبر مظهراً اجتماعياً جديراً بالاهتمام، و التساؤل، من هم مرتادو هذه المولات؟ أو بأحرى من هم القاددرون على شراء البضائع بالأثمان المعروضة هناك؟

و هنا تجدر الإشارة أنه تم القبض على أكثر من حالة في "كارفور" يتسوقون و يملؤون السلال و في النهاية يتركون مشترياتهم في الزوايا!! ألا نحتاج علم النفس هنا ليقرر معنى ذلك؟؟

أما الغريب أو ربما ليس غريباً، ألا يكون الفرق شاسعاً في الوضع الاقتصادي لزبائن المولات و زبائن "سوق الجمعة" حيث تباع هنالك البضاعة المستعملة من ملابس و أحذية و حقائب و ............الخ.


صوت 5.. أكشين )))

يغني : "عندك ما رح بتوطّن.. ما بدي بلادك يا عم،، لا تصفر و تتلوّن.. كلماتك بتنقط سم...."
و يردد الجميع معه هذه النغمات المشتاقة لفلسطين، التي تجمعهم دون استثناء حتى غير المنتمين لترابها، لكنهم عشاق قضية.
جاؤوا من مختلف المدن و الأقطار إلى مخيم غزة لينقشوا فيه رسماً في درب المعرفة، سيلونه أطفال المخيم بمهاراتهم و حبهم للقراءة، ضمن زوايا المكتبة الجامعة لاهتماماتهم الطفولية، و الأقدر على التحليق بعقولهم نحو مستقبل يحلمون به.
في طريق العودة، كل من هؤلاء المتطوعين تحت راية "كتابي كتابك" يمعن النظر فيما تم إنجازه، أو ما الخطوة التالية، أو كيف شهد فرحة للأطفال للمرة الأولى بهذا الزخم من الابتسامات، و أن تعب الأشهر الماضية لم يذهب سدى، و كل اجتهد بطريقته، يغمرهم الأمل بالتغيير..

و ها هي الأغاني الفلسطينية القديمة و المتوارثة، تجتاح الأنفاس، فيعود حلم العودة إلى.. يافا.. حيفا.. عكا.. صفد.. الرملة.. اللد......... مراودتهم من جديد..و كأنهم على موعد في الغد مع واقعه..


أعود إلى ازدحام مروري بين أفكاري عن عمان.. و ذكريات جميلة صنعتها الأيام بيني و بين الأصدقاء و الأهل،، و بنظرة شاملة لعمان، من مخيمات اللجوء فيها إلى "الشميساني" ،، من سوق الجمعة إلى شارع الوكلات، من شارع "الرينبو" إلى "دوار باريس" و جبل القلعة، و سوق البخارية و البلابسة، إلى سوق الخضار... متاهة من المعالم المتنوعة في جنسياتها، فتارة تشعر أنك في معقل للشرق في عهود السلطنة العثمانية، و تارة أخرى في زوايا الغزو الثقافي الأوروبي الأمريكي.. ربما هذه النكهة التي تسيطر على الكثير من الأقطار العربية، و لا أعرف بالضبط إن كانت ميزة أم خلل،، لكن الأكيد أن لكل سيف حدين!!

هناك 4 تعليقات:

ميسم يقول...

هي عمان بكل مابها من تناقضات
أرى عمان محطة لكل مغترب
وملجأ لكل متنقل
بتناقضاتها بألمها وبأزمة هويتنا بها مع كل هذا نحبك ياعمان

جميله رحمه ياريت لو كان في مجال كان طلعنا وتجولنا شوي بس ما بتعرفي الأيام جاي :)

saeedpal2007 يقول...

يسلمو يا رحمة على هالوصف الرائع لعمان والله مقال بيشمل الماضي والحاضر للعاصمة
للامام تحياتي للغالية رحمة
بس نسيتي قاعلا الافراح

رحمة محمود يقول...

العزيزة ميسم.. انبثق نورٌ من هذه النافذة الصغيرة بحضورك الجميل،، و أنا على موعد اخر معك هناك :)

كوني دوماً هنا
محبتي

رحمة محمود يقول...

سعيد.... انا مش مصدقة أخوي هنا :))
خليك دايماً قريب من كلماتي و بيسعدني تكون من قرائي

قاعة الأفراح :) أحلى اشي
على طريق السلط ياما مشينا.. و ان تعبت الرجلين،، نمشي عايدينا
لحالها قصة

خليك دايما قريب
محبتي