و أشك!!

في مرفأ عينيك الأزرق
أمطار من ضوء مسموع
وشموس دائخة وقلوع
ترسم رحلتها للمطلق
.........
..................
لا أتذكر كم من المرات قرأت هذه القصيدة.. بصوت مرتفع.. بعينيّ.. بذهني.. الموسيقى فيها كانت إغرائي المتواصل، و انتظاري نهاية الفصل الدراسي كي تطلب المعلمة من إحدانا قراءتها. كم اجتهدت يومها في أن أقرأها، حتى أن صديقاتي طلبن منها أن تسمح لي بالقراءة، لكن عبثاً.. إذ انتصفت بين زميلتين لي في الصف، و انتصف تفكيري بين البغض و الحزن حينها..
كانت هذه القصيدة معروضة في كتاب تابع لمادة اللغة العربية كمثال بين طيات الأسئلة حول المدرسة الرمزية، التي فضلتها يوماً على كل المدارس التي درسناها و كانت بينها الواقعية و الرومانسية... إلخ، و أحسست بأنها كمال المدارس الأدبية و زينتها، حتى أنني لأدرك بأن معظم الأدب سواء كان نثرياً أم شعرياً من الذي قرأته ما استهواني فيه غير الرمزي، الذي يمثل الثورة ضد جميع أشكال القمع من الذاتي إلى قمع الحكام، الذين يعتبرون أنفسهم صورة الله في الأرض.
لم أدرس التاريخ، و لا ثقافات الشعوب إلا قشورا، فما زلت أبحث عن اللباب الذي تحدث عنه جبران، و لكني أشك أن من يقرأ الأدب الرمزي الآن كمن قرأه في سطوة بدايته و انتشاره، و هل حقق الغاية من من كتابته لدى الشعوب المستبدَة؟؟ و هل تغير الحكام سوى بأسوأ استبداد و أنانية في محور حق الشعوب؟؟
تثور فكرة في رأسي الآن "أظن الرموز سبب الهزائم الصغرى و الكبرى"، فحين تقرئ الناس كلمات في ملجأ الخوف من أن يغتال قلمك قبل قلبك، يخاف الناس أكثر، و يستبد الفاعل في الإعراب، و تستمر السطوة، تحت مغريات جمال اللغة و الذائقة الشعرية و الفنية، فلماذا بعد أن قيلت "لا تصالح" استمرت معاهدة السلم بل و زادت إطنابا في قرع طبول العلاقات المصرية- الصهيونية؟ و لماذا لم توقف "اللافتات المطرية" وقوع الحرب العراقية- الكويتية؟ و لم يتوقف حبل الغسيل الفلسطيني عن التنقيط بعد كل ما قاله درويش و كنفاني؟؟ و تستمر الأزمات السياسة و الاجتماعية في عالمنا و الرموز تزداد تألقا و حياة في أنفسنا، و بالطبع لكل أزمة رموزها الخاصة، هل هذا ما يسمونه بجلد الذات؟؟ لا أظن تلك الذات جلدت كثيرا، فالجلد يزيد الجسد صلابة و لا يتركه مائعا في بحر لا قرار له.
"م.ت" ،"ع.ي"، "س.ق" ...... و تستمر مسيرة الحروف في أخبارنا اليومية التي تتحدث عن الجرائم و المجرمين، و اللصوصية و قتل النساء بدعوى الحفاظ على الشرف، هذا إن ذكر مصدر او اثنين أن جريمة وقعت، او في أي بلدة، هل جربنا مرة أن نكشف الأسماء و نرى ماذا سيفعل الناس؟؟ هل جربنا أن نفك الشريط اللاصق حول عيوننا المنقوش عليه كلمة "رقابة" أو "مخابرات"؟؟ يا سيدي فليقتل الصحفي أو الشاعر أو الأديب، "هيك هيك رح يتعذبوا ممكن في زنازين التحقيق" أم أننا نحب قطاف اللغة و نحب حلاوتها برغم ما تخفيه من مرارة؟؟
لغاية اليوم و أنا أقطف من تلك الثمار و اعتبرها حصني المنيع نحو التقدم في الفكر، لكن إلى متى الترميز في زمن شاخ فيه حكامنا ليورثوا أبناءهم عرش الذكورة الشرقية، و شاخت فيه أحلامنا حتى أيقن البعض أن لا عودة و لا تحرر إلا بحلول يوم القيامة الذي لا يقعد فيه أحد، و تماهت الدموع أمام عجلة السحق الاجتماعي في التعبير عن رأي مختلف؟؟ فإن كانت الرمزية نوعا من الترف في جنات اللغة، فلتكن، لكن إذا قلت لي بأنها ستحرر شعبا من أصنامه التي تتجاوز بيكون و إرهاصاته، أقوا لك إني أشك، و ليس بعض الشك إثم.

تعليقات

‏قال Mahmoud
إذا ورد لفظ الأمة العربية في أية جملة، عابرةً كانت أم مقيمة، فانما هي تورية اوتوماتيكيّة، اللفظ القريب غير المراد التاريخ، واللفظ المراد هو الذل، وما دمنا ندمن المكياج، ونستورد الاعذار، ونحاجج الحق بالواقع، فلا ضوء يستطيع انارة الدرب،

كإمرأة في أكثر الساحات اكتظاظًا بالرجال، تسير عاريةً، وترتدي نقابًا، وتطلب من الله الستر والعافية، هكذا أرى هذه الأمة التي غنت للعروبة يوما، وللاشتراكية يوما آخر، وللقومية والقطرية والملوخية حتى، والعالم يجري علينا تجاربه كفئران التجارب، ونحن نبتسم للكاميرا ظنا منا أننا محط اهتمام، في حين أننا .. ظواهر غريبة .


صديقتي، لا رمزية في الحق، عندما تشرق الشمس، فانها تشرق جهارا، وعندما نحاول محاكاة الشمس، ربما، أقول ربما، نستطيع رسم غد أفضل .

كل الود .
‏قال لون سماوي
إن أمة كهذه يا صديقي تكتفي بالتعايش و التماشي مع تيارات الود الأخرق المحاك من عوالم أخرى،، يلزمها دهر كي تتعافى من تبعية الدمار.. علّ بعض كلماتي تصب في وعيها المشرذم و الذي يعترف جهاراً بنقطة التقاطع لكنه يأبى إلا ان يظل متوازياً

عزيزي
تقديري دوماً لحضورك

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"