ألتقطني من الغياب

أتذكرني الآن قبل عام من الآن، في ليلة هذا اليوم، أقلب صفحات أجندة باحثة عن أحداث تاريخ التاسع من آب، حيث أتضور نحو تاريخ يشد ذاكرتي و لا أذكره، فأجد أن ألم هذا اليوم يجتاح ناغازاكي في ذكرى تجربة رجل الكاوبوي السحرية التي تودي بحياة الإنسان و تقتل روح ما تبقى منه، محدثة نغزة قلبية في كل سنة لمن لا ينسى و لن ينسى، حتى تلتحم التذاكر بالذاكرة.



كأنني ارتحت على أنقاض تلك المعرفة، فربما هذا التاريخ ضالتي، و هل أقسى من جراح الحرب لكي نتذكره؟؟ و لكن شيئا آخر شدني في تلك الأجندة التي احتوت أسماء و ذكريات لشهداء و شهادات من تاريخ النكبة، حيث تعرض لمرحلة فلسطينية لم تنته في كل صفحة منها، معنونة جلدتها ب "60"، و تعز علي تلك الأجندة ليس فقط لأنها تحتوي جزءا من حكاية شعب تعثرت أحلامه في طريق آلامه، بل لأنها أيضا ذكرى من صديقتي شاميلا التي علمتني الكثير و أشتاقها جدا... و كأنني أخوض مغامرة حنونة في تلك الأجندة، لأجد قبل التاريخ بصفحتين أو ثلاث مقطعا بالإنجليزية للشاعر محمود درويش، فصرت أقرأه بشفتاي بالإنجليزية و بعقلي بالعربية لأتوقف عند الكلمة الأخيرة فأنا لم أحفظها



آه يا جرحي المكابر

وطني ليس حقيبة

و أنا لست مسافر

إنني العاشق و الأرض حبيبة



و قضيت وقتا أقلب الذكريات و كلمات درويش ترافقني حتى آخر رمق، لأستعد لنوم عميق، فأنا اليوم وحدي في شقة من ثلاثة غرف و صالون يتسع لأثاث طالبات ينوين الرحيل، و نافذة صغيرة جدا قرب سريري، هي الشيء الوحيد الذي أستطيع فتحه في ليلة موحشة موغلة في الوحدة، أنام على صوت القرآن عله يطرد كل ما يخيفني أو ما أنا مستعدة للخوف منه... و مضت الليلة بسلام، فأصحو بنشاط عارم بعد التاسعة صباحا، ثم تستحضرني فكرة كي ملابسي، لأبدأ بكيها جميعا، فاليوم عطلة و لا شيء أقوم به، و ما زلت وحدي...



تثير انزعاجي الترددات الهيرتزية في الراديو و التي لا تثبت على إذاعة بصوت جيد، و إذ به العجل يثبت على صوت مذيعة الصباح التي طالما أزعجني صوتها في أجيال تقول "الرئيس يعلن الحداد ثلاثة أيام و تنكيس الأعلام حدادا على الشاعر الفلسطيني ......." مسافة من الانتظار القلق و توتر يعتريني.... ".... محمود درويش" لأترك الكي مستمعة للباقي متجمدة في مكاني و هي اللحظة الأولى في حياتي التي أحس فيها المثل الذي يضربه الناس "كإنك رشيت بوجهو مي باردة" .. ياااااااه ما أقسى هذا الشعور...



و إذ بالمذيعة تكمل... " و درويش كان دايما يحكي على هذه الأرض ما يستحق الحياة و عشان هيك الحياة لازم تستمر، و نكمل فقرات برنامجنا..." و كأنها صفعتني.. و كأنني أستعد لرد الصفعة، ألا يستحق درويش- حتى لو اختلفنا على شخصه- جزءا من وقت الإذاعة للحديث عنه أو لقراءة بعض من كلماته التي خلدت الذاكرة في الذاكرة الفلسطينية...



تكالبت الدموع على وجنتي، و الغضب حلق في سماء الغرفة و الشقة و كل شيء حولي، و ما زلت أقلب تلك الترددات باحثة عن قطرة تروي ظمئي بعد ما زادتني الأجيال عطشا، و هذه مذيعة صباحية أخرى في إذاعة شباب إف إم في بيرزيت، تقول كلاما عاديا و اعتياديا، و كأن لا شيء حصل، ربما ذكرت وفاته قبل أن يثبت مذياعي على صوتها، لكني استمريت بالاستماع إليها حتى ضاقت أنفاسي و لم تقل شيئا، لا أعرف كأنني لم أصدق بعد الخبر.. حتى أن لا وقت لدي في حضرة الدموع و الغضب للتساؤل لماذا أتصرف أنا هكذا؟؟



لم أزل أقلب الإذاعات، و تغيظني ديكة الصباح التي لا تهلل، لكنا فقط تزعج السبات، لأستقر على الراية، لن أقول شيئا، إلا أنني في تلك اللحظة قلت "إنها إذاعة تحترم الجمهور و الفلسطينيين"... و ها أنا وحدي متنقلة بين تلك الإذاعة و إذاعة صوت فلسطين التي تحترم الشعب أيضا في هذا اليوم و تنقل لي كل أحداث و مجريات اللحظة و وقعها على الأهل و الأصدقاء و الوطن..



لم أشعر من قبل قساوة أن أحزن وحدي و أبكي وحدي، يا إلهي كم أنا بجاجة لأحد حتى لو كان صاحب الدكان لأفرغ جام غضبي، و حزني، و هاتفي النقال لا يرن و لا يبعث الرسائل، لأتجه صوب المشرف على العمارة و أطلب منه أن أكلم أختي من هاتفه " صفا اتصلي علي بدي أنجلط... صفا .. مات محمود درويش.........." ها أنا أشكو لأختي و صديقتي التي لا تمل كلامي و أفكاري اليومية و كل كبيرة و صغيرة تحدث معي في الجامعة، تحملتني كثيرا....... تهدئ من روعي و تكون على قدر ما توقعته منها..



أعود لخلوتي وحدي... منتظرة أن تنتهي تلك العطلة الأسبوعية اللئيمة، التي أحقد عليها و ما أحببتها يوما، لأنها كانت تفصلني عن جو الجامعة، و التفكير، و الثرثرة السياسية و ......... إلخ



ها هم يعدون لظل جنازة درويش، بين تأجيل و توقعات متضاربة حول مكان الدفن، تريده البروة و نريده جميعا، و تشتاقه الأرض.. فيحتضنه تراب فلسطيني في النهاية، لم أنته....

كأنه أول الفصل الدراسي، و أراني أتنقل من مقعد بجانب صديقتي عبير و مجلس الطلبة، ليس لتخفيض القسط الجامعي، بل للتأكد بأن المجلس سيسحبنا معه لجنازة درويش، فيكفي أني مارست البكاء دون شريك، أريد الآن أن يشيعه الجميع معي، يعدونني.. فأنتظر.. و أنتظر خائفة من تعثر الحظ و أن لا أشارك في دفن الشاعر و احتضان القصيدة، و وسط الطلبة الذين يحدثون ضجيجا في الباص أثناء الاستماع إلى كلمة الشاعر سميح القاسم ترسخ عبارة "إلى أخي الذي لم تلده أمي".

جماهير غفيرة احتشدت قرب المنارة في رام الله (ماذا أورثتنا تلك المدينة غير الفراق؟؟)... و أنا وحدي مرة أخرى لكن بين جموع الحزن و الرثاء، أرى أناسا تنظر إلينا على قارعة الطريق، أناس يصورون و آخرون يصفون ما أمامهم، و بائع الخروب يدور بكؤوسه و إبريقه و ثيابه الملفتة، منضما لأصدقائه من بائعي البوظة و العصائر الباردة وسط حرارة الحزن، التي اختلطت بحرارة الجو الذي أتقي منه بقبعتي "طاقيتي السودا" ، و أسرع في المسير حتى أصل النعش، و كأنه نعش أبي، ألتصق به، أسير معه و لا تستطيع الشرطة المحيطة به أن تمنعني من الاقتراب منه، أرى عليه ورودا صفراء تشبه " وردة الشمس" فتسقط بعض منها على الأرض لأحتفظ بإحداهن في ذات الأجندة... يسرع النعش و يركض الناس فأركض معهم.. و كأنه هاجس جماعي اتفق الحضور عليه في ظل الغياب!!

ها نحن نصعد الجبل الموارب لقصر الثقافة، على كلمات يقرأها شخص يصلنا صوته عبر سماعات ممتدة على طول سطح القصر...
و لا تضعوا على قبري البنفسج
فهو زهر المحبطين
يذكر الموتى بموت الحب قبل أوانه
وضعوا على التابوت سبع سنابل خضراء
إن وجدت
و بعض شقائق النعمان إن وجدت
وإلا فاتركوا ورد الكنائس للكنائس و العرائس

يقشعر جسدي وسط وحدتي في غمرة الحزن و الرثاء, تتضارب الأشياء و الوجوه أمامي، و جداريات الغياب و برتقال الحب في يافا و حيفا، و حمائم السلم الجريحة و الغرق الفلسطيني و التعثر بآلهة المدن العتيقة، إنه شيء أشبه بأحلام رمادية اللون متصالبة الملمس، جديرة بأن تسقى بماء العين.

بعد مزاحمة أهله و أهلنا الذين جاؤوا يودعونه قادمين من أراضينا المحتلة عام 1948 و الجموع التي لا تفصلها إلى خطوط العرض و الطول في الجغرافيا الحديثة، يمتد جسدي بينهم أنانيا في الاقتراب أكثر نحو النعش بعد أن تاه عني متجها نحو القبر، أتذكر شعوري الآن و أحسه كأنه يهرب مني و ألاحقه كي أمنعه من الغياب، و في خضم انتظاري حتى أقترب أكثر، أبصرها منقذتي.. يافا.. كم أحتاجك صديقتي الآن.. منذ إعلان وفاته حتى هذه اللحظة و أنا لم أرك.. لم أسمعك كلماتي لأشبع من مقارباتك لذاكرتي و امتلائي بصمتك.. يافا صمتك يزيد جراحاتي و أنت تقفين على مقربة مني تحدقين دون أية أبجدية.. تضمني إلى صدرها، يتفرغ كل صمتي طيلة الجنازة حتى الثانية تلك دموعا تبلل عتمة القميص الذي ترتديه، لا أريدها أن تفلتني و لا أن أفلت من ضمتها الصامتة التي حكت كل شيء دون اختصارات، تنهمر الدموع أكثر.. كأنني طفلة عثرت على والدتها بعد عناء بحث في وجوه آلاف لا تعرف منهم أحدا..

ودعت من ودعنا.. وحيدة أعود إلى "سكني" في بيرزيت كما جئت وحدي، و ذاكرتي المترتبة مع العصبونات الرابطة بين دماغي و قلبي لا تكف عن مراجعة ما حدث، مغبرة ملابسي، و حذائي الذي مضى عليه أكثر من عام انتصف من قاعه، و وجهي بلون شالي "حجاب خمري" من أشعة شمس آب، أسير في ذاك الممر الخالي إلا من صمت وقفة عهدتها من قبل، إنه هو، بانتظار المصعد قبلي، و إنها المرة الأولى التي أرى فيها لون عينيه، لا أدري من أين أتتني الجرأة لأتفحص لونهما في وقت كنت أبتعد كلما اقتربن خطوات مني، لم يدم تفحصي أكثر من خمس ثوان، فلا أجد بعدها كلمة تناسب ذلك اللون المشتق من البني بأكثر من " لون أسطوري".... و هل بعد هذا الموت يا أنا تفكرين بالألوان؟؟!! أنسى الموضوع رغما عني، على غير علم و هدى بأنني انتهيت من جنازة، لأشيعني منذ تلك اللحظة لسنة مقبلة، حين عشقت اللون و ضيعني الأرق لأصل للا شيء...

تعليقات

‏قال إسلام محمد
حينها .. كنت أعتقد أن المناسبة / الذكرى / الغياب جاء في غير أوانه ولا أدري لمَ ، فقط كنت أشعر أن ثمة أشياءٍ كثيرة كان لا بد لذلك الرجل أن يراها و لم تحدُث بعد ..
كنت بحاجة أن أفقه ان الأشياء بطبعها لا تكتمل لا بقدرها ..

في ذهابك إل الجنازة رحمة اتطعتي تشييع أسطُورة ونحن هنا محصورون بين جسر و جسر ، حتى الحُزن لم نستطع التعبير عنه !

لاذاعات الغبية التي تمتد على طول الوطن و الصباح الممزوج بعطلة غير مناسبة و سكن الطالبات و بير زيت و المصعد و صاحب العُيون

أحب أن أكون هنا ..
‏قال لون سماوي
صديقتي إسلام
لا أعرف ما أقول لك... لكنه شعورك ذاته و أصعب أحسسته وقت انهمرت على صمود المحاصرين إخواننا في شق الوطن الآخر حمامات الرصاص و الدم.. فخلقتم الأسطورة

هذه الإذاعات الغبية.. متى تتبدد تردداتها؟؟

أتمنى أنك لم تملي من طول ذاكرتي
و أنا أحبك دوما هنا.. مقيمة غير عابرة

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"