السبت، أغسطس 01، 2009

حين نعتاد الرحيل

تسير في طريق موغل في الوحشة، على غير هدى إلا من ظلها العاري، الذي يحمل فتات ذكريات و أحلام تكسرت على حافة الوقت، جسد صارع كثيرا أحوال الطقس و تقلباته التي تعبث بحتمية وجودها و فرضية أن لا تكون، هي بؤرة التصادم بين ما كان و ما يكون و ما يجب أن يكون، لا تقطع مسافة حتى لو كانت عشرة أمتار فقط إلا و يجتاح دماغها ذلك التصادم، و لكن الذي ربما يخفف من ثقل تلك الأفكار هو حدود العمر الذي تتخلله، و الذي لا يتجاوز نصف عقد.

ما زالت تقلب ذاتها بين العبث و الرجوع، بين القرار و الانسحاب، و بين مشاعر ضاقت بها نفسها حتى لم تعد قادرة على الإحساس ذرة واحدة بجمالية تلك المشاعر التي لم تقدها إلا نحو هاوية الافتراضات و الانتكاسات الجاحدة، و حتى لو حاول نسيم صيف التوغل و لو مليمترا واحدا إلى قلبها، تفكر ألف مرة قبل أن تفرح، و قبل أن تحزن، و حتى قبل أن تفكر، فكل الاختيارات و الخيارات الفاشلة لم تزدها إلا امتناعا عن نبض القلب و انحباس النفس، ما أورق داخلها شجرا لا ظل له.

يغتالها الحنين و الأشواق لشيء لم يكن، و يجرها الموت نحو تراتيل عشقتها و ما زالت ترددها أنفاسا شذية باسقة في انتصار الخوف، فكل ما لم يكن و كان، يتشبث بخوف جامح يتسع له الخيال.. له فقط، ثم تسائل نفسها،، هل لهذا الحصار من الذاكرة الخبيثة أن ينتهي؟؟ و لماذا لم تفلح كل محاولاتها في محو الذاكرة و إعادة ترتيبها بالقضاء على مرارة الفقدان؟ ألهذه الدرجة أبحر في دمائها ذاك الوجه المترف بالحزن؟ فربما تزداد غصتها عنفا لأنها ما زالت تبحث بين الوجوه عن ألق يشبه تاريخه، و لا تجد سواه حاضرا في خاصرتها كالسيف ينغرس في كل خطوة من طريقها رويدا، حتى ليكاد يغيب أنفاسها، لماذا نبحث دوما عن الأحلام التي تزيدنا شقاء؟؟ هكذا تنتهي تساؤلاتها كل ذكرى.
هو الوقت يقتلني...
يحطم العمر ذكرى
ليغدو الفراغ مملوءا فراغا
و يظل الحاجز الفضي
ما بين وجهي و ابتسامه
و على حين غرة من الزمن، يجتاح نور قادم من أقصى الطريق وحشتها المستفيضة وجعا، و كأنه مسك إلهي ضل طريقه إليها، و الآن تبتسم من قاع القلب، سعادة تدفعها على التحليق عاليا عن كل ترائب و حشائش الأرض التي لم تحنو عليها كثيرا، في ذلك الوقت عرفت بالضبط ما يسمونه بالسحر، فلم تكن تقنع بذاك الكلام الغابر، و لكنه السحر بذاته، إنه ترتيب للقدر لم تتوقعه و لو ظلت تتخيل التوقعات، هو حلم الطفولة البريئة، و ذكرى عهد النقاء، حيث لم يكن نبضها يتنفس غير الهواء العابق بمروره، شيء يشبه الحب و لكنه... ليس حبا.

عاد اليوم إليها و لم يتركها من قبل، فهو ما كان يعي حقيقة وجودها، و حين أدرك هذه الحقيقة كان الخجل أشد من أن تقول له كم هي بحاجة إليه قريبا منها في هذا الوقت بالذات، في غصة اجتياح لون الخريف لأحاسيسها، و جراح القلق التي تعتري صوتها، لم تعد تريد أن تكلم أحدا غيره، أو ترى ابتسامات من سواه، و كما في السابق ، شيء يشبه الحب،،، لكنه ليس حبا، فهي لا تريد منه إلا اقترابا بريئا نائيا عن كل كرهته من سواه، و في غمرة الأناقة القدرية، يستيقظ الزمن فجأة متنبها أنه أخطأ توجيه السحر لها، و يعود حاجز فضي من جديد بين وجهها و ابتسامه، لكن هذا الحاجز ليس كسابقه، فهو لا يفصل قلبها عن قلبه، بل روحها عن قربه، كم هي مؤتلقة بسعادته لكنها في ذات اللحظة تخشى تجنب تحيته لها في ذروة انشغاله بالفضة، فتعيد النظر بمخاطبة شعورها بأنه نوع من الأنانية أن تبكي و هو يضحك، أن تفكر هكذا و هو يعيش الحلم الذي انتظره، لكنها.. بحاجة إليه.

أستنشق عطر التراب
بألق السماء البعيدة
لم أنتظر
لم أجر خلف جيم لسين طويلا
لكنني أشعلت أوراقي القديمة
و نثرتها خلف الضباب
نثرتها
عادت تغني من جديد
بلا صدى عادت
بلا لون كئيب

إنها المرة الأولى التي تكتب شعرا مكسوا بالأمل و الفرح، بعد أن كانت قصائدها تنتهي بوابل من الدموع التي لا يراها القارئ، لكنها تعصر جفونها و تحرق بهاء وجهها، لينتهي الأمر كما تنتهي كل قصيدة.

ربما لم تسنح الفرصة كي تشكره لأنه كان سببا في عودة الحياة و الأمل لعينيها، و حتى لخفقان روحها المتوثبة نحو المستحيل، فقد منعها الخوف من شكه في نواياها البريئة، و الآن تسطيع أن تشكره بكل ما تتسع به دماؤها من ذرات الأوكسجين و الهيموجلوبين، و هل أعظم من شكر حقيقي لإنسان يمنح الحياة؟!!

هناك 4 تعليقات:

Mahmoud يقول...

جميل أن يكون للاستفهام في نصّ كهذا وقع الجواب، لا أخفيكِ ولا أخفي على نفسي، قرأته دفعةً واحدة، وأجزم أنني لم أرمش ولو مرّة واحدة ..

بعض الكلمات أيضًا، قادرة أن تمنح أشياء كثيرة .

لون سماوي يقول...

لكلماتك دوما رائحة شذية

فلتسلم عيناك صديقي لأنها تزيد نصوصي ألقا في كل مرة

تحيات بقدر حرية طائرات الورق في غزة

إسلام محمد يقول...

رحمة
ربما القدر لا يخطئ بل الأشياء هي التي تصلنا متأخرة فنظنه اخطانا ثم عاد إلينا
تماماً كما لُعبة المراوغة ..

اشتقتلك والله :)

لون سماوي يقول...

لعبة القدر تلك أشبعتني قلقا

عسى هذا القلق ينقلب استقرارا يوما ما

اشتقتك أكثر إسلام
كوني دوما حاضرة