أطفال ليسوا بنكهة اليو أس إيد

الحكواتي: إنتو وين اليوووووم؟
الأطفال: في السيبااااط
-مين اللي عاملنا هاد النشاط؟
يجيب أحد الأطفال: اليو أس إيد
....................................................................

هكذا بدأت فعالية في أحد القصور المرممة في منطقة السيباط في بلدة عرابة، تحت عنوان "أيام فرح و مرح" و طبعا لا ننسى أن اللافتة انتهت بتوقيع "برعاية وكالة التنمية الأمريكية"، حيث ازدوجت اليوم الحداثة بالتاريخ كما دوما، و استفحلت أطر الأمركة إلى جانب حاجة الشعب، و فسحة الفرح الموبوء بالشك.

كان هذا اليوم مليئا بالتناقضات التي راقت لي، و راقبتها عن كثب لإدراك فاحشة الواقع الذي نحياه فعلا، و أدركها في كل مرة أحضر فيه ندوة أو محاضرة أو حتى ورشة عمل مؤطرة بقناع الرعاية الأمريكية و الأوروبية، و خاصة مثل تلك المؤسسات التي تحمل بين طياتها أفكار السلم و التعايش مع العدو الصهيوني في الوقت التي تقف فيه شاهدة على جرائمه و ممارساته التي تقتل الحياة اليومية للفلسطينيين، و لا أعلم إن ظل فلسطيني لم يسلم من احتيالات تلك المساعدات و المنح المقنعة.

بدأ الحكواتي بعرض إبداعه المميز و سرده الذي جذب أسماعنا و أنظارنا للتجول بين ثنايا قصة "السمكة الذهبية" التي تروي عثور صياد فقير على سمكة تحقق الأماني، لتستغلها زوجته و تروي ظمأ فقرها طلبا بعد طلب حتى أدى بها إلى رفض زوجها في نهاية الأمر، و تهديده بقطع رأسه إن لم تتحول لإمبراطورة –طمعت المخلوقة- ما أدى إلى زوال كل النعم التي عاشوها بفضل تلك السمكة، و عاد الزوجان ليعيشا كما في السابق دون أن يكدر المال صفو حياتهما البسيطة، فليس بالمال وحده يحيا الإنسان، لذلك يجب ألا نطمح كثيرا بمنح اليو أس إيد، فلتظل متواضعة كما هو حال تعبيد الشوارع، و بناء صالة أفراح، و دعم ورشة عمل لا يستطيع اجتماع ثلاثة على الأقل ممن يعدون أغنياء في مجتمعنا لدعمها، ماذا يلزم ذلك النشاط يا ترى؟ لماذا في أبسط الأشياء نظل بحاجة لهذا الدعم؟ أنا لا أبالغ في التشبيه لا سمح الله، لكني متهورة في عرض المفارقات..

فرحة الأطفال في هذا اليوم لا توصف، صوت صراخهم و بريق أعينهم و صمتهم انسجاما مع كلام الحكواتي، ازدحامهم حوله بمجرد مناداته على عدد منهم لمشاركته لعبة معينة أو نشاط معين، و ظهرت أيضا إبداعاتهم، فمثلت مجموعة منهم مسرحية تتعلق بالواسطة في التوظيف، و كانت الوظيفة عامل نظافة في إحدى المؤسسات، مثل الأطفال بطريقة فوجئت بها لإبداعهم، لا يتجاوز عمر أكبرهم 12 عاما، يا ترى كم هو الوعي المخزن في عقولهم حول الواسطة أو ما يسميه البعض "فيتامين واو" حتى أدركوا قيمة تمثيلها و عرضها للملأ، ليس هذا فقط، بل إن المتقدمين للوظيفة متمو دراستهم الجامعية، الشيء الذي يطرح تساؤلا، إلى أي حد تشبهنا تلك المسرحية؟

لا يكل إبداع أطفال عرابة، ليكتمل بدبكة شعبية ارتدى فيها الأطفال قمصانا رسمت عليها صورة أبو علي مصطفى، ليتميزوا عن جميع الأطفال الباقين الذين ارتدوا قمصانا و قبعات كتب عليها اسم اليو أس إيد بألوان العلم الأميركي، اعتبر أحدهم ذلك تناقضا وسط فوضى التناقضات في الفعالية، فتذكرت حينها قول أستاذ في قسم الإعلام أيام انتخابات مجلس الطلبة، و كانت أولى آرائه التي طرحها على مسامعنا، بأن اليساريين اليوم هم الذين يقودون المؤسسات الأهلية (إن جي أوز) فلم يعد ما يسمى بالعمال الكادحين و ثورة المضطهدين التي نادى بها ماركس حين أصبح المنادون أنفسهم رأس الطبقة البرجوازية.

تتالت المشاهد و الانفعالات، الفرح و المرح، لكني كالعادة أخلق مسببات عدم اكتماله في عقلي الذي لا يكف عن التكفير، عفوا التفكير، إلى أن وصلنا إلى آخر نشاط للأطفال، حيث طلب الحكواتي من الأطفال الغناء بما يحفظونه، فتدافعوا رغبة منهم في اعتلاء المنصة و الغناء على الملأ، ابتدأ العرض بطفلة أشارت أنها تجيد الغناء، لكنها احتارت فيما تغني، فاقترحت عليها فتاة من بعيد أن تغني "أخاصمك آه" لأختنا في الله نانسي عجرم، لكنها قالت "مش حافظتها" ثم تذكرت ماذا تريد و بدأت تغني "عصومي و وليد راحو مرة على بيت الجيران..." و هي إحدى أغاني قناة طيور الجنة(الأطفال مشاريع شهادة- سمتها أختي) ذات التوجه الإخواني، بمجرد أن بدأت بالغناء حتى اعتلى وجوه طاقم العرض صمت غريب و دهشة، لا أدري إن كان ظني في محله، إلا أن هذا ما أحسست به، و هذه الهشة لم تفارقهم مع تتابع الأغاني التي تمحورت حول الصراع العربي- الصهيوني و الأخلاق لإسلامية، فكانت الأغاني "لما نستشهد بنروح الجنة....... بدون فلسطين شو يعني طفولة" و كأن الطفلة تقول بشكل غير مباشر، لا معنى لكل هذا الفرح و المرح ما دمنا نفتقد أرضنا المسلوبة و طموحاتنا في وطن آمن، سرت قشعريرة في جسدي، كانت كافية لاختناق و دمعتان في الحلق، و أغنية "في غزة أرثيك أمي.. هل نحن اليوم في حلم..." ما هو الحلم بالضبط يا صغيرتي؟ الموت أم الفرح؟ ، و ختام هذه الأغنيات " أنا البندورة الحرا.. مزروعة بين الخضرا.." تلعثم بها لسان طفلة أظنها تبلغ سنتين أو مثلهما و نصف من العمر، كان صوتها شهيا مفعما بالطفولة يتناسب و لون البندورة التي غنت لها، و ما قبل الأخيرة غنت فتاة عن الصراع الطبقي و الغابوي في العالم "لولا العدل .... الفقر.. الغنى.."، هذا نصيب اليسار الأحمر و الأخضر من الغناء، أليس لحركة التحرر الوطني مكان؟ ها هو الطفل المغوار، و هو الذكر الوحيد بين أصوات تلك الطفلات، يغني "علي الكوفية علي و لولح فيها..." ... و بذلك اكتمل نصاب الفصائل الفلسطينية في هذه الاستراحة الغنائية دون أدنى تخطيط او تفكير منهم، على أمل أن يخططوا لاكتماله في زوايا و تكايا المجلس التشريعي.

أظن بعد عرض الأطفال اللامخطط و المباشر في خاصرة اليو أس إيد، أثبتوا بأن همهم لم يبتعد بعد عن شجون الوطن و ذاكرته، ما يدل على أن السياسة فعلا في دم الفلسطينيين، حتى منذ طفولتهم، ليس اختيارا منهم، بل مشيئة قدرية، جعلتهم أطفالا بنكهة عروبية وطنية، و ليس بنكهة يو أس إيدية.

تعليقات

‏قال Mahmoud
أذكر مرّة أنني تناقشت مع أحد الأشقاء العرب، نقاشاً مشتعلاً، كان يدور حول أن الشعب الفلسطيني شعب يحب النكد، " انتم شعب نكد " هكذا قال لي يومها، قلّبت الجملة في رأسي محاولاً دراستها من كل الجوانب، لربما كنّا قد تعودنا على الحزن، لربما عاثت بنا الايام فسادا فصار الفرح بالنسبة لنا أمراً شاذًا، كلُّ هذه الأفكار آلت إلى مكب النفايات في عقلي بعد أن تذكرت ان هذا الانتقاد وجّه لي من أحد الاشقاء العرب .

الأطفال هم درة الثاج، ومهما حاولت اليو أس إيد، ولا البطيخ الأصفر، سلخهم عن واقعهم، فالاحتلال هو من يعيدهم إلى حضن الفكر المقاوم، أقول الاحتلال وليست جهودنا البناءة، فقيادتنا الحكيمة من أأكثر أحلامها الورديّة ورديةً نشوء جيل رافض للبندقية ومهتم بالمكياج والآه ونص، لتصبح الخيانة " فطرة " يا أخي

فعلاً إن أحب الله شعباً إبتلاه .

كل الود .
‏قال لون سماوي
قلة يا صديقي من يستمعون إلى مثل هكذا أفكار، متهمينك ليس بالنكد فقط، بل بأنك منفصل عن الواقع، حيث أننا يجب أن نظل نجاري و نداري و نوارب و نلتف... إلخ

أهلا بذاكرتك دوما على صفحتي .. والله انت اللي بتفش الغل
:))

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"