الخميس، مايو 21، 2009

حالات

حالة "1"
الجو حار.. الصمت مطبق على الجميع.. كل يغني على ليلاه دون موسيقى أو رقص.. يمارسونه في عقولهم الباطنة فقط، بدأ بالحديث شخص يجلس إلى جانب السائق، قائلا له"الدنيا نار اليوم" فأجاب السائق"اه والله" فاسترسل الأول مختصرا "الله يعين الناس هاليومين" ليرد السائق بنبرة من لا يود الحديث"فعلا".. يكف الأول عن الحديث عائدا إلى اختناق صمته... ذكرني هذا المشهد بكتاب لتعلم اللغة العبرية، حيث كتبت ملاحظة إلى جانب سؤال عن الطقس بين شخصين، بأنها في العادة مقدمة جيدة للبدء بالحديث كي نسترسل في التعارف بعدها، ربما لم يدرك السائق أن الرجل ود الحديث معه أو أدرك و لم يرد.. مسكين ذلك الرجل...

حالة "2"
خرجت باكرا إلى العمل، و بحمد الله لم أنتظر طويلا حتى وجدت التاكسي، صعدته و أحكمت جلستي ثم صعد رجلان إلى جانبي، و حين وصلنا أول البلدة، صعدت امرأة التاكسي و جلست في المقعد الأمامي، ثم ماذا حدث؟؟ نزل أحد الرجلين من السيارة و تبادل مع المرأة المقعد الأمامي.. استغربت، ربما كان الرجل "حمشا" و ليس من العادات و التقاليد أن تجلس المرأة في المقدمة؟؟ أو ربما لا يحق لها أن تجلس اصلا هناك؟؟ أنا فقط استغربت!!

حالة "3"
الثانية و النصف ظهرا، موعد نشرة الأخبار عبر أثير إحدى الإذاعات المحلية، الجو حار و الموسيقى صاخبة و مطولة بين كل عنوان و آخر، كان الخبر الرئيسي تشكيل الحكومة المديدة.. عفوا، الانتقالية.. بدأ المذيع الذي بدا من صوته حب للاعوجاج في حنكه و التقليد في نبرة صوته، بدأ بسرد أسماء الوزراء المتوقعين(قبل حلف اليمين)، و بين كل اسم و آخر شطرة موسيقية، هل بدأتم بالانزعاج؟؟ إذا لم.. فلأكمل.. الجو حار.. المذيع ينبه بعطل فني في الإذاعة و يجري إصلاحه الآن، ربما يبرر هذا سبب "دحش" الموسيقى.. و لكن ما هو أجمل إعادة الخبر الرئيسي بنفس الحذافير و التفاصيل و لكن هذه المرة، دون موسيقى، فليسلم المستمعون، و ليسلم اختناقي وسط أناس لم أستطع إسماعهم تعليقاتي، فأنا لا أعرف أيا منهم..

حالة"4"
فقرة طرائف من العالم في إحدى الصباحات الإذاعية، و لكن ما هي الطرائف؟ رجل قتل زوجته و اولاده الأربعة.. و آخر قتل زوجته و هي في الثمانين من العمر.. و امرأة تنتحر فتسقط من عل على شخص في الشارع فيموت هو و لا تموت.. رجل عجوز يبحث ثلاثة أيام في المطار عن الطائرة التي ستقله إلى ولد في الولايات المتحدة.. ذبحت أولاده ثم انتحرت بالسم... إلى آخر ما يملأ مواقع الانترنت و الصفحة الأخيرة ربما او الوسيطة في صحفنا اليومية.. طرائف، و هل يوجد بحقكم أكثر طرافة مما سبق؟

حالة "5"
بضاعة مرتبة على أرض الشارع تضم أشياء كثيرة و متنوعة، لعبة هنا، ملعقة هناك، فناجين هنا، و أباريق شاي في زاوية أخرى.... بسطات ملأى بألعاب الأطفال و الإكسسوارات ذات اللون الذهبي تشبه تلك التي يحضرها الحجاج معهم للفتيات، أدوات زينة للشعر، و دبابيس، جوارب شفافة و غير شفافة... إلخ، هي تملأ الأسواق، تثير في ذهني استفهاما حول من يشتري تلك الأشياء، لأعيد النظر.. هناك من يشتريها و لو لم يكن ذلك لماذا تستمر للآن؟؟ أخجل من نفسي قليلا لأني تساءلت هكذا، فأنا أشتري مثلها أحيانا و لكن الفرق أنها في محال مغلقة و لا ينتصف عرضها مرور المشاة..

حالة"6"
صباح معطر بنسمات باردة.. الهواء يتخلل بخجل عبر النافذة ليلقي تحية على وجهي، أرده تحية أجمل، محلقة النظر في سهول مرج بن عامر التي تلونت بين الأصفر و الأخضر و البني، تراودني فكرة .. من المؤكد أن الناس تميز بين أراضيها و أراضي جيرانها عن طريق الألوان، لكن هل تظل الألوان على حالها؟؟ يظهر الفلاحون من بعيد يعملون في الأرض بين جان للثمار و منظف لما بين الزرع من عوائق نموه بسلام، أفكر.. ليتني بينهم، ليتني أستطيع النزول الان من التاكسي و الذهاب للحديث معهم، و ربما ألتقط لهم صورا لأحفظها في ذاكرة الوطن.

حالة"7"
الذكرى الحادية و الستين للنكبة.. السابعة لبناء الجدار في عانين.. أول تغطية صحفية سأقوم بها اليوم، لذلك أسرعت، و لأول مرة سأعبر مناطقا و قرى حتى أصل تلك البلدة، أمرر النظرة الأولى على مزروعات و أشجار و فلاحين على طول الطريق، أحتار بين النظر و تحضير الأسئلة للمسؤولين... وصلنا، الجو حار مرة أخرى، مسيرة احتجاجية تلفها الأعلام الفلسطينية و اللافتات التي كتبت عليها عبارات مناهضة للجدار و للنكبة، تستوقفني لافتة ليست موقعة باسم اللجان الشعبية إنما باسم المبادرة الوطنية!! ما موقعها من الإعراب هنا؟؟
و اليوم مميز لأن الأهالي و اللجان الشعبية للمقاومة ستلتقي عبر الهواتف النقالة أهالينا في الأراضي المحتلة عام 1948.. تخيلت بأني سأراهم.. سأبتسم لهم.. سأسألهم عن وجودهم هنا بالرغم من تهديد الاحتلال بالسجن لكل من يحيي ذكرى النكبة، لكن.. لم يحدث شيء من ذلك.. ففي حضرة الاحتلال، لنا أن نحلم فقط..
كالعادة، و ليست كالمتوقع، مظاهرة نمطية، لا يتجاوز عدد النساء فيها السبعة أو الثمانية، و الباقون من الرجال و المسنيين و الأطفال.. انقسام لفريقين أحدهما يسرع نحو الجدار كما هو مخطط و القسم المتبقي ينادي على الأول بمكبرات الصوت.. تعم الفوضى.. يعود النظام.. أهلا بالنظام.. نقترب من الجدار، تبدأ الخطابات الرتيبة للمسؤولين، تستوقفني كلمة يوجهها أحدهم للاحتلال قائلا "نطلب من عطوفتكم" أتفاجأ و أسأل بصوت أقرب لسمع من يقف إلى جانبي"مين عطوفتكم؟؟!!"
جنود الاحتلال ينظرون إلى الصخب و الهتافات التي تصطاد أسماعهم، يحمل أحدهم كاميرا يصورنا فيها!! ربما أعجبه المنظر او ربما كلف به ليعجب غيره، يهتف الأطفال، يضجون، و الجنود خلف ذلك الباب الحديدي الشائك ينظرون بصمت...
قابلت في العودة عجوزا حرم من أرضه منذ بني الجدار، قال لزوجته"كل الناس راحوا و انا لأ" قالت له"هو انت بتقدر تمشي لهناك؟" تحدثنا عن وضعهم مقارنة ببلعين و نعلين.. فقال لي العجوز"اللي بنى الجدار بدو يروح يتظاهر ضده؟" مفارقة أخرى من مفارقات الشارع الفلسطيني المأساوية.

هناك 6 تعليقات:

إسلام محمد يقول...

نتقاسم الحالات
أم ربُّما أصح ان نقُول
تتقاسمنا الحالات ..

الشعبُ الذي يُعرف دائماً في العصْيان لا يتغير أبدا ..
هو ذات الشعب الذي يُناضل على الأشياء الصغيرة تماماً كما الأشياء الكبيرة ..

كما الحالة الغبية هذا الصباح
في طريقي للجامعة قابلتني فيروز و سرعان ما استبدلتها المدينة بـ سيجارة !!


رحمة
صباحُكِ مِسْك ..

abdelfattahe يقول...

صباحك سعيد : الحالات تشترك في مكابدة الفلسطينيّين اليوميّة من أجل ضمان لقمة العيش و مقاومة الاحتلال الإسرائيليّ بشتّى وسائل النّضال : المقاومة والعمليّات الاستشهاديّة و الصّحافة المكتوبة و المسموعة و المظاهرات الاحتجاجيّة الّتي تلفّها الأعلام الفلسطينيّة و اللافتات التي كتبت عليها عبارات مناهضة مناهضة للاستعمار.
الحالة السّابعة هي الّتي أثّرت فأطلقت صيحة فزع في بيتي اهتزّت لها أركانه و ذلك تضامنا مع إخواني الفلسطينيّين في الذّكرى 61 للنّكبة .
في ذكرى النّكبة و بواسطة الهاتف الجوّال، أنت التقيت مع ذويك في الأراضي المحتلّة عام 1948 في حوار مطوّل تخنقه العبرات و لوعة الفراق ... تصوّرت أنّك سترينهم ، ستضمّينهم إلى صدرك ضمّا ، ستسألينهم عن حالهم ، عن سبب وجودهم خلف الجدار بالرّغم من قمع الاحتلال لهم و تهديدهم بالسّجن لأنّهم يحيون ذكرى النّكبة . يا للأسف يبقى ذلك مجرّد حلم في حضرة الاحتلال . لا قبلات حارّة منسية لشدّة الاشتياق ... لا بسمات متألّقة على الثّغور ، مضمّدة لجراح القلب النّازف دما ... لا حوار ممتع في كنف الأمن و الاستقرار ... ممّا لا ريب في يا رحمة هو أنّك عدت أدراجك إلى بيتك و أنت تجرّين أذيال النقمة على المستعمر و أتباعه و على جبينك عبوس و انكسار و في عينيك بريق ينبئ بنصر مبين يتحقّق في تلك الدّيار.
و هذا يتجلّى في الأبيات التّالية الواردة في قصيدة إلى طغاة العالم لأبي القاسم الشّابّي
رويدك لا يخدعك الربيع

و صحو الفضاء و ضوء الصباح

ففي الأفق الرحب هول الظلام


و قصف الرعود و عصف الرياح


حذار فتحت الرماد اللهيب

و من يبذر الشوك يجن الجراح


تأمل هنالك أنى حصدت رؤوس الورى و زهور الأمل

و رويت بالدم قلب التراب أشربته الدمع حتى ثمل

سيجرفك سيل الدماء

و يأكلك العاصف المشتعل

m282 يقول...

اليوم سرقت من وقتي ساعةً تابعت فيها تجمعاً لاهلي في لبنان يطلون على جبل الجرمق، يرقبون أراضيهم، ويسمّى اكثرهم طعناً في السن القرى المحيطة، اليفة وطبرية والزرقة التحتيّة، لم استطع منع نفسي من البكاء، أما الاشياء التي تبعث في نفسي " الازدراء " الذي أعلل به قدرتنا جميعاً على الاستمرار فمن أهمها ما ختمت به الحالات، أصلع عفن يُهدي هديّة الصمود لقرية وقفت ضد الجدار، في حين أنه من صدّر الاسمنت لبنائه، وما بين حكوماتنا الانتقالية يبقى حزننا مجازاً في كل برلمانات العالم .

صديقتي، وعزيزتي، وكل شيء الا استاذتي .. :)

شكراً لكلماتك، أقولها من قعر قلبي .

لون سماوي يقول...

أظن أننا نعيش فوضى من الحالات اللامتقاربة و اللامتباعدة و لكنها في الأغلب متناقضة.. تعبرنا بسطوة الوقت و نعبرها بمعصرة القلم


إسلام
مساؤك جاردينيا

لون سماوي يقول...

عدت إلى البيت ناقمة على الاحتلال كما دوما.. هذا طبيعي.. و لكن الشيء الذي أنقم على كونه بات طبيعيا، هو حنقي على الواقع الفلسطيني المتشرذم و فاحشة الخطابات التي لا تجدي غير خبر إضافي للجريدة

أخ عبد الفتاح.. معا بانتظار انبلاج الفجر

لون سماوي يقول...

و المطلون على جبل الجرمق أظنهم أحسوا عبراتك.. و لنستمر لأجلهم و ازدراؤنا وقود الرحلة.. و يظل "الانتقاليون" عثرات بسيطة في طريقنا الطويل

لفتتني "كل شيء" و لم أتملص من إغرائها:)
تسعدني صداقتك عبر تراكم الكلمات في هذا العالم الإلكتروني

دمت لله و للتاريخ يا محمود