الخميس، أبريل 16، 2009

أبو جمال.. القصة في الرفو


عطا الله عبد الله ( أبو جمال).. رجل في عقده الثامن, لم يزل يردد " الإنسان الذي لا يحب صنعته لن يتقنها أبدا" لذلك يتقن مهنته التي لا يشترك معه فيها أحد -على الأقل في رام الله- فقد أحبها و مارسها منذ أربعين عاما, إنها مهنة الرفو.. فإبرته السحرية ما انفكت عن رتق الثقوب و الخدش و الأثر الذي تتركه سجائر ضلت طريقها في ثياب ارتأى أصحابها أن تصلحها مهارته..
و ليست مهنة الرفو أو ما يسميها الكثير(الرتي) أول شيء تمرس فيه أبو جمال, فقد عمل في شبابه شرطيا في سكة الحديد التي كانت مقامة قي عهد الانتداب البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية, و عمل في محل غسيل و كوي للملابس, و حسب ما يذكر بدأ العمل بالرفو بعد أن أصيب بالتهاب شديد تحت إبطيه, فمر عليه رجل من عائلة البرغوثي و هو جالس أمام الدكان و نصحه بأن يعمل معه بالرفو.. ليبدأ بنقل طلبيات الرفو من مكان إلى آخر و من "الرتا" إلى أصحابه. و تعلم المهنة من خلال المشاهدة، فهو لا يزال يذكر ذلك الرجل من عائلة أبو شوشة الذي كان يرفو الملابس أمامه في محله بالقدس، فوقت انتظاره أبو شوشة و رؤيته لتفاصيل عمله تعلم المهنة لينتقل بدوره إلى الرفو حتى وقتنا الحاضر..
و أبو شوشة –على حد قول أبي جمال- كان الرتا الوحيد في القدس آنذاك، و في القدس كانت الفتيات تتعلم الرفو في المدارس، فإذا ما كبرن أصبحت المهنة وسيلة العيش، و مكانها بيوتهن، فهو يذكر وجود لافتات على جدران بعض البيوت كتب عليها "هنا يوجد رتا" أو عبارات مشابهة تدل على وجود من يرفو الملابس، و لم يسمع أبو جمال عن أحد يقوم بذات المهنة خارج أسوار القدس.
و لعملية الرفو مكان عند بخلاء الجاحظ، فها هو يحدثنا في كتابه عن ليلى الناعطية فيقول:
" و أما ليلى الناعطية, صاحبة الغالية من الشيعة, فإنها ما زالت ترقع قميصا لها و تلبسه, حتى
صار القميص الرقاع, و ذهب القميص الأول, و رفت كساءها و لبسته, حتى صارت لا تلبس إلا الرفو, و ذهب جميع الكساء. و سمعت قول الشاعر:
البس قميصك ما اهتديت لجيبه فإذا أضلك جيبه فاستبدل
فقالت: إني إذا لخرقاء. أنا و الله أخوض الفتق و فتق الفتق, و أرقع الخرق و خرق الخرق."
و لكن هل هو البخيل الذي يرفو ملابسه فقط ؟ و بثياب من بدأ العمل.. الفقراء أم الأغنياء؟؟
يقول أبو جمال بأن المهنة بدأت بالناس الأغنياء، فلم يكن في فترة ما قبل الأربعينيات بإمكان أي شخص ارتداء طقم رسمي "بدلة" ، لأن سعرها مرتفع، فكان الشخص منهم يلجأ إلى رفو أي فتق فيها، لأن شراء غيرها مكلف جدا.. و لكن مع تطور المهنة و انتشارها غدا الرفو للجميع، و لم يعد حكرا على برجوازيي المجتمع، فعلى رأي أبو جمال "شعبنا العربي مسكين" لأنه حتى "الجينز" يرفوه، و "الجينز" كما هو معلوم ليس بالقيمة نفسها للثياب التي بدأت بها مهنة الرفو..
و زبائن أبو جمال في تنوع من الرئيس إلى العامل و ما بينهما من محامين و قضاة و مهندسين.. و على حد قوله كان الرئيس الراحل أبو عمار يبعث حارسه بملابسه إليه كي يرفوها.
و يأتي الناس إليه من مناطق مختلفة، و هو عادة لا يسألهم من أي مكان هم, و لكن عندما يستعجلونه يشيرون إليه بأن" مشوارهم طويل".
و يعتمد رفو الملابس أكان بالإبرة أو باستخدام مكنة الخياطة على حجم الفتق و طبيعته في الثياب، فكلما كان أكبر احتاج لتدخل المكنة، و في الحالتين يكون مكان الرفو شبه ظاهر، فأبو جمال له خبرة و مهارة لا تمكن الناظر مباشرة لقطعة الملابس من رؤية خيط الرفو.
" أنا حبيت الشغلة عشان هيك نجحت.. و مع إنها مملة بحبها" هذا ما ختم به أبو جمال حديثه معي مشجعا غيره على تعلمها و مشيرا إلى أنها تحتاج إلى الصبر الكثير.
و لا أنسى ما قاله أحد المحامين الذي أتى ليسلم على أبو جمال و يطمئن عليه أثناء حديثي معه بأن المهنة مرتبطة بأبي جمال فهي تنتهي بوفاته..

ليست هناك تعليقات: