لون أسطوري

لم أكن أدري أن تلك الوقفة التي لا تتجاوز دقيقة أمام باب مغلق، ستجعلني عبثا لساعات طويلة من الانتظار المدمر على أعتاب شيء منك ، يزيدني شوقا و احتمالا لأن أعيش في ذاكرتك طيفا، و في غمرة تلاعبي بما خططه القدر لي من رحيلك، كنت موقنة بأنني أحلم حين عثرت عليك ، و لم يكن لقاؤنا الذي خططت طويلا له سوى نهاية موحشة أكثر من سابقتها، استعجلتني في لحظة رفق بمشاعري، و تمرد قلبي على خوف حملته سنوات طوال، لكنني لم أتخلص من تلك العقدة حتى في لحظة مباغتة سطوتك لأنوثتي التي نادرا ما أعلن عنها في الكلام.
إنه الخوف.. الذي ظل رفيقي حتى آخر كلمة و نبرة و حلم، و في كل مرة يتساور لي إحساس- و غالبا ما أصدقه- بأنك لم تحبني يوما، أو ربما لم تحبني بالطريقة التي أريد و هي لا تختلف كثيرا عن روايات الذاكرة المملوءة بالحب و الوطن، كنت أكذب إحساسي، لربما لإعطائك فرصة أخرى او لإعطاء نفسي فرصة في خوض تجربة لم تخطر ببالي أيضا طقوسها العادية و غير المتوقعة ، و ربما أيضا لأثبت لنفسي أنني لا أريد أن أفشل مرة أخرى.
و خلق الخوف أكذوبة، كانت لتتكشف بعد أقل من انفلونزا، كنت تسكنني و أعلم أني لست شاطئك، و تبحر في و أنا لا أمتلك أداة الغوص فيك.. أي خطوط رسمناها معا بعيون كفيفة؟ و أي عشق هذا الذي ما انتهى بعد تفاصيل النهاية؟ ربما لم تنته لأني أنا من خطط لنهايتها، فلست أنا التي يعيقها ما يسمى ب "الظروف" لكنني فتحت نافذة لأغلق كل السبل في مخيلتك، التي اعتقدتها مهيأة للإغلاق أصلا، و مع ذلك ظلت بي رغبة لامتلاك مفتاح عقلك، الذي شغلني التفكير فيه مذ رأيتك، حين كان يصعب الكلام، و يصعب الترحال في عينيك، و لكن صعوبة أكثر ثقلا على تنفسي حين جاء وقت الكلام، فأنا لم أقل كل شي، حتى أنني لم أختصر أي شي.. شيء أقل و أقل من ذلك..
كان حبك عاديا و أنا امرأة غير عادية، كان أقل مما توقعته بسنين ضوئية، لكنه لم يبعدني، لم تكن كلماتك في روعة ما تمنيته، لكنها سكنتني، أما الصوت فهو أنت، إنك رجل الصوت، الذي أنسى حين سماعه كل سذاجة خنقتني منك، ربما لأنه دوما ما كان يوحي بصدقك و شفافيتك و حتى حنوك، الأشياء التي طالما افتقدتها في كلماتك المكتوبة.
افترقنا.. و ابتعد الطريق بنا إلى حواف الأشياء، فقد أحسست أني على مقربة من كل هاوية، و بعيدة عن كل مسافة تقربني من الأمان، و بالرغم من ضآلة الزمن الذي لم يعرفني على الأشياء بوجهة نظرك، إلا أن كل شيء حولي كان يسافر بي نحوك، و لم تذهب لحظة شوق من ذاكرتي ، فاسمك إذا غاب عن جلسة عائلية، لم يغب عن أي قصة متلفزة أو مؤطرة بشاشة سينما، إنك أنت.. أراك حيثما ذهبت و وقت اغتربت، و لكن كعادتك، كنت تمن علي بكلمات اختصرتها في ضيق جملة الواضح أن مدة كتابتها لم تتجاوز الدقيقة، و الأقسى من ذلك هو مطالبتي بمزيد مما تكتبه بكثير!! أتظنني اختصرت كلماتي عبثا؟ إنني كنت أوجه لك مرآة لا أكثر..
أتذكر كلماتنا الأولى؟؟ لا أظنك تذكرها.. ربما كان يجب أن أحذر الغوص فيك من وقتها، فلم تكن تحمل غير سلطة جامحة تتناثر بينها بعض الألفاظ الحنونة، و في ذات الوقت كنت خائفا، فدون أن تدري عبرت عن خوفك مني بإخافتي منك!! هو لغز لا يصعب علي حله، لكن لا أدري إن تقصدته أنت..
ربما تمسكت بك لأنني اعتقدتك الواقع، لأكتشف منذ البداية أنك حلم، و تشبثت بالحلم، و لم تتشبث بحقيقة وجودي، و بالرغم من أول مصارحة خجولة بيننا أن قلوبنا لا تنبض لأحد، أحس الآن أن قلبك ما غادرته أخرى، و لا يحزنني ذلك فالأخرى كانت دوما الشوكة في حلق أي مغامرة سرية بيني و بين نفسي تجاه أحد، و كغيرها من المغامرات الأقل سرية لم تصدح ذاكرتي بكلمات خبأتها لك، و لا بشعر ألهمتني إياه، ربما هذا القدر الذي أتصالح معه دوما، أن أكدس ذاكرة فوق أخرى حتى تتلاشى كلها، دون أن يشعرها أحد غير عقلي الباطن.
إن التأرجح على خشبة تربطها حبال كان هوايتي الطفولية، لكن التأرجح بين الشيء و اللاشيء لم يكن هوايتي أبدا في سني المتقدمة، لذلك اخترت نهاية لنا أظنها باغتتك لكنك أحببتها، لن أقول لك ماذا عنت لي تلك النهاية، لكنها في الغالب حرية لم أنتظرها.

تعليقات

‏قال غير معرف…
أكثر من رائع
كلمات تذكرنا بأغنية فيروز يا ريت
يا ريت منن مديتن ايداي وسرقتك أيه أيه لأنك إلن رجعتن ايداي و تركتك ...
إذا رجعت بجن و إن تركتك بشقى لا قدرانة فل و لا قدرانة أبقى..
‏قال لون سماوي
إزا رجعت بجن و إن تركتك بشقى.. اختصار جميل جدا لمعنى ما كتبت، شكرا لك على رأيك..

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟

لهذه الأسباب لن تُنشر مجموعتي القصصية "سأقص شعري"