الثلاثاء، أبريل 14، 2009

ثقافة مقاومة أم ثقافة تضامن.. بماذا نحمي خربة الطويّل؟


بعد ساعات من انتظار يحلق بين الصمت و الكلام، بين احتفالية يوم الأرض و روتين الخطاب في قرية عقربا، توجهت السيارة مكتظة بنا إلى خربة الطويل الممتدة كيلو مترا و نصف شرقي عقربا ، متلفتين على ما حولنا من لون اللوز و شقائق النعمان، و الأقحوان، لنصل امتدادا بين جبال عدة، مثلت طريقا للدخول، و على كل جبل تنتصب عدة خيام و بركسات، تعيش فيها عائلات يحرمها الاحتلال من الاستظلال بسقوف إسمنتية، بحجة وقوعها ضمن ما يسمى المناطق "ج" حسب اتفاقية أوسلو، ينحدرون من نفس سلسلة الحمائل الستة التي تمثل تعداد النسب في عقربا، يعتاشون من رعي المواشي و زراعة الأرض التي بات وجودهم فيها مهددا بعملية ترحيل قسري بعد أن وجهت لعشرات العائلات منهم إخطارات بهدم البيوت، فإن لم يرحلوا...

حمزة ديرية: إذا صودرت الطويل فاقرأ الفاتحة على روح المزارع العقرباوي
باسم سليم: بأكثر من ثباتنا لا نستطيع المقاومة
حين يمعن الزائر لأرض الطويّل النظر فيما حوله، لا تلفته جبال الأردن فقط التي تظهر من على بعد أميال، فهناك شيء آخر يستدعي الانتباه، و هو تلك الأسقف الحمراء الشاخصة على جبال مجاورة شمالا، التي تمثل مستوطنة "إيتمار" أو "تل حاييم"، و ليست تلك المستوطنة الوحيدة التي تعكر هواء المنطقة، فمستوطنة "معالي فرايم" تحدها جنوبا، و "جيتيت" تحدها شرقا، و بالنسبة للأخيرة، أخبرنا الباحث حمزة ديرية، أنها أقيمت شرقي المناطق المصادرة(1983) من أراضي رأس الطويل و منطقة المراوح، حيث تمت مصادرة 1000 دونم من المذكورة التي يخطط لها ان تكون مزارعا ل "جيتيت"، حاول وقتها الحاكم العسكري أخذ توقيع المختار على الإشعار بالمصادرة، ليرفع في المقابل أهالي القرية دعوة في المحكمة العسكرية، و عادت القضية في عام 1986 ليلزم الحاكم العسكري المخاتير في المنطقة على توقيع وثائق تثبت تنازلهم أو بيعهم لأراضيهم إلا أن ذلك لم يحدث (اضطلعت الحال على بعض الوثائق التي تثبت ذلك) و لا زالت القضية ضحية الإهمال في المحاكم العسكرية الإسرائيلية.
و تعتبر تلك المستوطنات الثلاث بالنسبة للاحتلال "الخط الدفاعي الأمني الثاني" بعد "الخط الأول" في منطقة غور الأردن، و تشير الخارطة المقررة لجدار الفصل العنصري، بأنه سيمتد من عين الدوّا (3كم شمالي عقربا) حتى دومة، ما يعني ان نصف كيلو مترا من تلك الأراضي سيتبقى لأهالي عقربا و الباقي سيصادره الجدار، و يضيف ديرية أن القصد من مصادرة أراضي الطويّل هو جزء من "خطة الون" للاستيطان في وادي الاردن لإقامة مستوطنات جديدة في منطقة غور عقربا، فهم بين الفينة و الأخرى يصادرون منطقة معينة، و هذا ليس عبثا، بل تلك استراتيجية ضمن الخطة المذكورة لتفريغ الأرض من سكانها و تقوية شبكة المستوطنات.
و ليست معاناة أهالي الطويّل وليدة اللحظة، فهذا باسم سليم أحد قاطني الطويّل يخبرنا بتاريخ القضية معه، حيث لم تسلم ماشيته من الاعتداء و القتل عام 1982 من قبل المستوطنين، و في 2002 هدموا منشآته الزراعية "البركسات" ما تكرر عام 2008، و لم يكن المستوطنون يكتفون بذلك، بل تجاوزوه إلى خطف المواشي و عدم إرجاعها إلا بمقابل مالي كبير، و هذا العام وصله إخطار بالهدم و تهديد بإخلاء بيته، و يصرح سليم للحال بأن الحل لا يتأتى لديهم بالمقاومة نظرا لعددهم الضئيل(500 نسمة تقريبا) و لكن ثباتهم في أرضهم مقاومة، و لا يسطيعون أكثر من ذلك، و أقل ما يطلبونه من المسؤولين هو مدهم بمقومات الصمود.
و قد أكد على ماسبق أستاذ اللغة الإنجليزية في مدرسة عقربا سالم ديرية، حيث وصف ما حدث معه قبل أربع سنوات حين أعلنت الطويّل منطقة عسكرية مغلقة، حتى أن الجنود هددوه و حاولوا طرده بينما كان يرش أرضه بالسماد، و أضاف أن استراتيجية الاحتلال في مصادرة الأراضي تقوم على جس نبض المواطن الفلسطيني، فمرة تهديد، و ثانية تخويف، و أخرى اعتداء، يهدفون من خلالها معرفة مدى الطاقة التي يمكن للمواطن تحملها.
و بالاستناد إلى مركز أبحاث الأراضي في القدس، فإن أراضي الطويّل تقع في 30000 دونما، يستخدم نصفها للزراعة الحقلية و المراعي، و النصف الآخر 8000 منه أراض جبلية لا تصلح للزراعة و 7000 خاضعة للأنشطة الاحتلالية، فهي تعتبر منطقة عسكرية لا يستطيع أحد تجاوزها.
و يوضح منسق عمل المتضامنين الأجانب جنوب شرق نابلس غسان بني فضل، بأن لأهالي قرية عقربا تجربة أخرى مع هذا الصراع، حيث تم ترحيل قسري كامل قبل أعوام لمواطني قرية يانون (100 نسمة تقريبا) بعد عدة ممارسات عدائية قام بها المستوطنون ضد الأهالي انفسهم و على مياه النبع بتلويثها، و حرق مولد الكهرباء، ما تسبب باستشهاد مواطن و إصابة ثلاثة آخرين أثناء المواجهات، لكن لم يطل الوقت كثيرا حتى اجتهدت اللجان الشعبية مع المتضامنين الأجانب لإعادتهم و لغاية الآن ما زال المتضامنون الأجانب يسكنون قرية يانون ما يمثل عائقا أمام اعتداءات المستوطنين، لدرجة أنهم عرضوا على أهالي القرية أراض للرعي مقابل طرد الجانب لكنهم رفضوا.
و السؤال الذي يطرح نفسه، هل ننتظر حتى يحدث شيء مماثل مع أهالي الطويّل؟ و كم هو عدد المتضامنين الأجانب الذي يتطلب الأمر مساعدتهم؟!

ما وراء الإخطار
ما إن تسلم أهالي الطويّل الإخطارات، حتى قامت بلدية عقربا برفع قضية إلى "المحكمة العليا الإسرائيلية" عن طريق مركز القدس للمساعدة القانونية و حقوق الإنسان، حيث قامت الوحدة القانونية في المركز في أوائل الشهر الماضي بتقديم عشرة التماسات لوقف قرار "الإدارة المدنية" بهدم و تشريد السكان، و لكن لغاية اللحظة لم يأت الرد على تلك الالتماسات... فمن سيكسب القضية؟ و لو نجح أهل الطويّل فهل سترضى إسرائيل؟ و لو نجحت الأخيرة، فماذا سيكون حال أهالي الطويّل؟
وبينما تقع حجة إسرائيل في أن هذه الأراضي تابعة لسلطتها لها فهي حسب اتفاقية أوسلو تقع في الخانة"ج" أي الأراضي الخاضعة تحت سيطرتها، أوضح منسق اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار في مدينة نابلس خالد منصور أن القانون الدولي لا يسمح للدول المحتلة بطرد السكان الأصليين من منازلهم أو تغيير المعالم الديمغرافية وأن المسألة لا تتعلق باتفاقية أوسلو بل بعدم التزام إسرائيل بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. و الهدف من عملها هو تعزيز سيطرتها على المناطق الغورية والحد من الامتداد الديمغرافي لهذه القرى لناحية الشرق والاستيلاء على الحقول وينابيع المياه هناك. وبين أن الحكومة الإسرائيلية نجحت في عزل منطقة الغور عن باقي مناطق الضفة الغربية من خلال حواجز " الحمرة , تياسير , معاليه أفرايم " لتسيطر بهذه الطريقة على معظم أراضي قرى عقربا, بيت فوريك , بيت دجن، ليتسنى لها السيطرة على ما تبقى لأهالي تلك القرى من أراض، و يضيف حمزة بأن مواطني الطويّل قطنوا فيها منذ مئات السنين و كذلك فإن بعض الأبنية أقيمت قبل الاحتلال بعشسرات السنين، ما يفند تمسك سلطات الاحتلال بحجة أوسلو.
و يضيف منصور مشيرا إلى وجود تقصير رسمي فلسطيني تمثل بعدم السعي لإقرار حكم محكمة لاهاي بشأن جدار الضم والتوسع في الضفة الغربية إلى الجمعية العامة ومجلس الأمن لإقراره على اعتبار ان هذا الملف مطروح ضمن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية , مبينا ان اللجنة ترحب بكل الجهود التي تصب في ذات الهدف إلا أنه يفضل توحد الجهود وايجاد اليات للمشاركة في الفعاليات التي تقام في الأراضي المعرضة للخطر والقريبة من المستوطنات الإسرائيلية وعدم الاكتفاء بالمظاهر الإعلامية مستعرضا للحال الفعاليات التي قامت بها اللجنة مع مؤسسات المجتمع المدني في خدمة المزارع الفلسطيني وتعزيز صموده في أرضه من خلال توفير الإمكانات المادية والتثقيفية مؤكدا أن كثيرا من اللجان قد ظهرت واختفت وبقي من يعمل في أرض المعركة .

مقاومة في الميزان
الدفاع عن مصالح الشعب.. مهمة من؟ و إذا تخاذل البعض فهل على الباقي الرضا بما دون في سجلات الاحتلال، و انتظار المزيد؟ و أين تقف المقاومة الشعبية من هذا؟
و في معرض حديثنا مع القيادي في المبادرة الوطنية الفلسطينية علام جرار، أكد على أهمية المقاومة الشعبية في المناطق التي تتعرض لمحاولات التهويد و التهجير، و من جهة اخرى فهي تلائم الوضع السياسي و تحوز على قبول دولي، لذلك يجب الحفاظ عليها و تعزيزها، و لكن الأمر لا يخلو من عوائق، فمن جانبه،أشار
منسق اللجنة المحلية للمقاومة الشعبية في مدينة نابلس وائل الفقيه إلى وجود عدد من الصعوبات التي تعيق عملهم، تتمثل بالبلديات والمجالس القروية التي ما زالت تلهث(على حد تعبيره) وراء تصاريح مكتب الارتباط الإسرائيلي، إضافة شعور الشعب الفلسطيني المتزايد بالإحباط وفقدان الأمل والأمان، مؤكدا على ما سماه بسياسة الإقصاء و الإلغاء التي تتخذها بعض مؤسسات المجتمع المدني، محاولة عن طريق تضخيم إنجازاتها فرض نفسها كبديل للمقاومة الشعبية، داعيا الأولى إلى اتخاذها هدفا واحدا و موحدا بينها و هو حماية الأرض الفلسطينية و تعزيز صمود المزارع الفلسطيني، بالإضافة إلى فضح المؤسسسات الزراعية التي لا تدعم الفلاح الفلسطيني، الشيء الذي يستدعي تشديد الرقابة على تلك المؤسسات من قبل السلطة الوطنية والبحث في مصادر تمويلها و كيفية صرف الأموال، و فيما دعا الفقيه إلى تعاون المؤسسات، دعا جرار من جهته إلى تعزيز التعاون بين اللجان المنظمة للحملات الشعبية و ضخ المعلومات حول المخططات التوسعية لإسرائيل، مشددا على أهمية مراجعة و تقييم أداء تلك اللجان، مضيفا إلى ذلك بأن لا ضير لو بحث كل فصيل أو مؤسسة مجتمع مدني عن مكاسب لها في الشارع الفلسطيني، لكن بشرط أن تنظم العملية بما لا يعيق الوصول للهدف الأساسي.
و في نفس السياق، تعتقد المتضامنة النرويجية لينا، بأن المقاومة العنيفة (على حد تعبيرها) تساوي بين الجلاد و الضحية، و تعزز الوجه الإعلامي لإسرائيل أمام العالم حيث تدعي أن ما يحصل في الأراضي الفلسطينية هو صراع متبادل، بالتالي فالدفاع عن ذاتها أمام الآخر مشروع، و تضيف لينا بأن إيمانها المطلق بضرورة مساعدة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاستيطان و جدار الفصل العنصري و الطرق الالتفافية و تهويد الأراضي و القرى الفلسطينية كان الدافع لوجودها الآن هنا، و لأجل تعرف المتضامنين الأجانب حول ما سبق، تقوم حركة التضامن الدولية بجلب المتضامنين الدوليين من مختلف العالم لمعرفة الحقيقة.

ليس ختاما
حين عادت الماشية دون راعيها بحث الأهالي عنه ليجدوا أبو أيوب مدميا على الأرض من شدة الضرب جثة هامدة.. نعم، قتله المستوطنون، و حين طرد أهالي يانون رفض يوسف صبيح بني جابر الخروج من أرضه ليموت بجلطة دماغية من صدمة الواقع، فأرض الأجداد لا تودع إلا بالرحيل الأبدي... فكم أبو أيوبا و يوسفا بانتظارك يا خربة الطويّل؟

أنجز التحقيق بالتعاون مع الزميل كايد معاري


ليست هناك تعليقات: