الثلاثاء، مارس 03، 2009

المحاربون القدامى

كما قال شاعرنا .. مرفوع الهامة، منتصب القامة، و أضاف إليها ابتسامة المعتز بوطنيته، مشى أبو صالح، تشد يديه سواعد لم تعهد رائحة التراب، سواعد لم تسطتع التخلص بعد من رائحة الدماء التي أراقتها عام 1948، لتقتاده اليوم بعد الهزيمة المدوية للعرب عام 1967، و تصل به إلى غرفة الضابط، الذي تحدث معه خمس دقائق أنهاها بقوله أن لا خطرا يخافه الاحتلال اليوم منه، فزمان جهاده قد ولى، ولى زمان الرجل الذي خاض المعارك ضد الاحتلال البريطاني و الصهيوني... إنها نظرة الخائب الذي تحطم في وجهه لوح زجاج تلك التي بدت في عينيه، لقد أتى مفتخرا بأمجاده ليجد أن زمانه ولى.. حتى أنه لم يرد على كلام الضابط ليعود إلى المخيم مغطيا ملامحه الصمت و الحيرة.
أبو صالح الذي مثل شريحة النضال الفلسطيني و الاعتزاز بمبادئ الجهاد المسلح، كان جزءا من مسلسل الدرب الطويل الذي يعرض على شاشتنا المحلية، أثار في ذلك المشهد التساؤلات التي طالما شغلتني حول أولئك الناس، الذين يستريحون فجأة في طريق النضال، ليصبحوا بشرا عاديين، ربما لا تضيع مثلهم العليا و مبادئهم السامية، لكن نشاطهم النضالي يتوقف، خاصة أولئك الذين يطلق عليهم "الأسرى المحررون".
تحتفظ ذاكرتي الطفولية برسم لوجه شاب خاض غمار المقاومة مع رفيق دربه الذي اشتهر باسم "أبو عرب" فاستشهد الثاني و سجن الأول، و بعد خروجه، رأيته كباقي الناس، يفتح ورشة عمل، يتزوج، ينجب.. الخ، و آخر من تيار إسلامي، تقادم عليه العهد في سجون الاحتلال، و ما يلبث أن يخرج ليغدو زوجا و أبا و صاحب عمل، و هذا حال الكثيرين.
التساؤلات حول هذا الحال لم تفارقني كلما رأيت إحدى المحاربين القدامى، لتأتي تيارات معاكسة لقناعاتي بأن ذلك ما يجب أن يكون، و "صاحب المبادئ بتروح عليه" و "الواحد يطلب الستيرة" و "الرقابة الصهيونية المفروضة عليهم بعد ما يطلعوا من السجن" و "حسن السير و السلوك"... و لكن، تخيلوا لو أصبح كل الناس محاربين قدامى؟؟ هل سينجبون غير مناضلين مؤقتين؟؟ أو مقاومين محدودي الحركة خوفا من ترسانة عسكر العدو و الصديق؟ إنها لأحجية يصعب علي التفكير بها!!
أما الشيء الذي يتبادر إلى ذهني في كل مرة.. ترى بماذا يفكر أولئك الناس في أعماقهم البعيدة عن كل مظهر خارجي؟ و أكاد أجزم أن الكثيرين يتبعون ما يسمى بسياسة التمويه.. لكن، إلى متى التمويه؟ و لماذا يفعل بعض الناس أشياء فقط لتنضج صورتهم أمام المجتمع و يعيشوا بسلام آمنين؟ لمذا ندوس على خيارات قدمنا في شبابنا كل التنازلات عن حياة الرغد لأجلها، لنصطاد الخيارات الأخرى خوفا من خريف العمر؟؟
يتسرب إلى ذاكرتي تلك الشخصية التي لم يحطمها التعذيب في رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، و أخرى لشخصية لم يحطمها الفساد لترتقي رافضة كل الواقع الذي تغير لا إلى شيء بل تقهقر صوب العدمية في رواية القادم من القيامة لوليد الشرفا، تلكما شخصيتان اتفقتا في كونهما جزءا من المحاربين القدامى، أولاهما تغلبت على حطام الجسد لتخلق مجرى آخر للنهر، و ثانيهما وجدت مثلها وحيدة وسط تيارات الفساد و التلويح بعري المعارضة النسبية، لتختار لها نهاية مشرفة..
أما كلمة "سابق" فهي رتبة الشرف التي يدخل بها بعض المستغلين أبواب النفوذ، أو يستغلوا من قبل المتنفذين لتحقيق مصالح لا يعلمها إلا الشيطان، فذاك أسير سابق، و آخر جريح سابق، و هذا مناضل أيام الثورة، و تلك سيدة المواقف التي خاضت مخاضها على جدار السجن الذي قيدت بها أطرافها، و في الطرف الآخر، بنادق صمت بارودها، و أصوات اختارت الاختباء أمام دونية الوقت الذي يبيح كل شيء، و يختصر كل شيء، حتى التحية، فيغدون ضحية الغياب و أسرى الفضاء المفعم برائحة الوطن التي تغيرت إثر خماسين التراجع.



هناك 3 تعليقات:

الآخر يقول...

هذا هو واقعنا المرير
كل ما نقوم به يصبح سابق
اتمنى ان يأتي اليوم الذي يكون ما نقوم به شيء مستمر

إسلام محمد يقول...

/
أتعرفين
حملتني إلى عهد قديم جداً
حينما كان اليهود بين أربعنا
يحملون أسلحتهم و يمضُون بين بُيُوتنا
و يأسِرُوا كل مجاهد أو طفلٍ أو حتى شيء
له علاقى بالحجَر ..
لي قريب اعتقلوه مدة طويلة من الزمن كان له علاقة بحركات ثورية مقاومة
حينما خرج اعطته السلطة وظيفة كبيرة بمرتب عالٍ جداً و طبعا على شرط ألا يعود لما كان عليه ..
وحتى دون أن يشترطوا .. مبدأهم في العمل معهم كان كذلك !
أحيانا كنا من انفسنا [نحن] نصنع المحاربين محاربين قدامي .. أقدم من التاريخ !

أيتها الرائعة
ذَات الفكْر الراقي
يتراءى لِي كل مرة :) ..

لون سماوي يقول...

نحن كفلسطينيين نحتاج أكثر من التغني بالثوابت و هو أن نثبت عليها يا صديقي...
لقد أمسكت برأس العلة يا صديقتي.. فحقا نحن نصنع أحيانا محاربين قدامى، بل و نضعهم في أحيان أخرى بالمكان الذي لا يستحقونه