الثلاثاء، ديسمبر 16، 2008

صمت

ماذا يفيد الهروب من شيء محتمل حين نجده عابثا بلحظة لم نتوقعها بمنطق عيشنا؟ إنه أكثر مرارة من لو أنه لم يحدث، فكم تجنبت هي الالتفات إلى اقترابه و أفق عينيه الغائر حزنهما كأنهما امتداد له، و كم من اللحظات أقنعت نفسها باستحالة أن يطرق حبه بابها أو أن تطرقه، لكن... هو الحظ، الذي يتركها دوما على مسافة من التأخر، كي لا يخترقها ذبول عينيه، و شروق ابتسامة زائفة يصنعها غالبا لا لشيء تدركه، بل لإدراك تعجله هو في لحظة غياب...
" غالبا.. وأنا ألهو باندهاشي به تبدأ الكارثة.
الحب ليس سوى الوقوع تحت صاعقة المباغتة!"

و هكذا دون شيء إلا الشوق لملاقاة كلمة واحدة يقولها و يمشي دون أن تحسن الرد على بديهيتها، يعبث القدر بتأخرها أو بحضوره، تاركا عبرتين تحاول بألم تجنب ملامستهما وجنتيها أمام نظرات الفضوليين في مساحة واسعة تضيق بالمشاة..
و أخرى لا تدرك ملمحا لوجها، لأنها تتجنب رؤيته دوما مقابلا لوجه الذي يتوجه إلى عينيها دوما في لحظات مشابهة لتتركه في لحظة صمت و تصطنع عدم رؤيته، فهي لا تنفك يضيق صدرها كلما رأتهما، متسائلة بكل سذاجة في ذهنها "لماذا هي ليست أنا.. هل أدركته أكثر مني؟ و هل شاهدت الحزن الساطع من ابتسامته مثلي؟..." و هكذا تتكرر المشاهد نفسها، ليظل هو إلى جانب تلك، و هي تصطنع غيابه في حضوره..
لماذا يرقب هو انفعالها دوما حين يلمحهما صمتها؟ و لماذا تشيح دوما بالنظر؟ هل تحبه؟؟ أم هل يحبها؟؟ هل يتجنبها.. أم تتجنبه؟ دوما تغرق في دوامة الأسئلة التي لا تجد فيها غير لعنة القدر و تعثر ابتسامها في متاهة حظ لم يسانده مرة في حلقة حب.. و لا تعرف من ذلك غير إشغال نفسها بإجابات تقطع عليها المسافة بين تعب عينيه و إرهاقها الدائم من مباغتات الحب، بأن تقول "كلها أوهام.. و هو ليس أكثر من سراب.."
"النوم في النهاية، هو أكثر خيباتك ثباتا " و هذا ما تراه دائما المهرب، لتصحو إلى الهروب متألقة بشيء من الصمت حتى لا تزعج أحدا بغيابها، تجنبا لعبثية الأسئلة التي ما تكاد تصمت حتى تجتاحها من كل صوب..
هو الوقت.. يظل عابثا بشغفها لتلك اللحظة التي ترى فيها شفتاه تتحرك بتحية لها، حتى تتأخر في الرد عليه مستعجلة الهروب من عينيه كي لا يلحظ شوقها، فهو.. مرة أخرى.. و كمثل أي عشق عابر غابر ميت مريض ذاهب نحو الأزل، لا يرى فيها إلا المستحيل و لا تراه إلا سرابا..

هناك 4 تعليقات:

الآخر يقول...

دائما هناك ما يحزننا المسافات و الاوقات

لون سماوي يقول...

هذا شيء يقيدنا
لكن ما يحزننا أكثر إيلاما من ذلك

يافا يقول...

"كمثل أي عشق عابر غابر ميت مريض ذاهب نحو الأزل، لا يرى فيها إلا المستحيل و لا تراه إلا سرابا".


كما أنت دوما....
لا تكفيك أنصاف الحلول
تنسجين الواقع بكلمات افتراضية كمثاليتك
في الحياة
كلمة " مريض" بعد الموت
تذكرني بحديث دار بيننا يوما
كتلك الصفات التي تختصر المستحيل

كما أنت دوما ..... رائعة

لون سماوي يقول...

لعل تلك الصفة فعلا تختصر المستحيل
و لكنها في حين آخر تجعلنا على مقربة من امتداد لم نكن مدركيه لتبدأ لعبتنا و مجاراة الواقع