الجمعة، ديسمبر 05، 2008

البرد.. و نسيج عينيك صديقتي

تحت الياسمينة في الليل.. نسمة و الورد محاديني
الغصان عليا تميل.. تمسحلي في دمعة عيني

تحب هذه الكلمات التي يشدو بها إحساس محمد منير، حدثتني عنها و اليوم أول مرة أسمعها، لأكتب الآن عن الياسمينة التي اختلطت رائحتها بدموع صديقتي، لأشاركها طقس البكاء، في جو خصب بالفرح البادي على مدينة رام الله قبل ليلة العيد بليلتين، فالبالونات تعلو المشاة، ملونة الشوارع و الوجوه ببعض الابتسامات، و طفل يحمل بالونا على هيئة أسد.. و يطير الأسد.. كم راقني منظر الأسد يطير، لكن طيرانه في ذات الوقت مرتبط بخيط في يد الطفل.. إنه فعلا بالون فلسطيني، أو أسد فلسطيني..
رأيت البارحة رام الله كما لم أرها من قبل، الطقوس اختلفت و الأضواء لم تعد ثابتة، و تراني و صديقتي نبتعد تارة و نقترب أخرى من تلك الانفعالات، و لكن إحساسنا الليلة واحد لم يتأثر بالصخب الذي يجتاح الأمكنة تهللا بالعيد.. إلا أن ذلك لم يمنعنا من إدراك الربيع القادم لحيظات في كانون الأول.
آه يا صديقتي.. كم كنت أحن لجلستك التي لم تخطر بذهني و كم كنا نشتاق البكاء، على طول ذلك الدرج الذي ينتصف المسافة في الشارع المؤدي إلى مكتبة رام الله، نسج البرد دفئا في عينيها لم يلحظه غيري مع تلك العتمة المواربة للنور الخافت في بقايا جراحات فتحناها معا، كل كلمة ينطقها صوتها المليء بانفعالات استثنائية، ثقة صلبة تغلفها بعض من أوراق أيلول، تربكني أحيانا ثقتها لدرجة أشعر فيها أن كل ما تقوله استثنائي، و أنها تدركني أكثر مما أدركني، إنها ذاتي الباطنة التي لا أكترث في البحث عنها حتى تتكلم لأتيقن أن تلك الذات هي ما أحتاج لإكمال طريقي أكثر مما أحتاج الظاهر منها..
صديقتي قصيدة.. أول مرة أحس الاقتراب الواسع بين كلمتي صديق و قصيد، إن ما يفرقهما هو ترتيب الأحرف، و هذا الاقتراب ليس من العبث، فما يقربنا من القصيدة غير الإحساس و الحاجة و الحب؟ ثلاثة تختصر المسافة بين ذاتنا و الصديق، و ذاتنا و القصيدة، و صديقتي تختلف عن باقي القصائد، لها رائحة من رمزية درويش، و صوت من تحدي مطر، و حزن من خريف جويدة، هي بحر من أسرار لا تجد مخبأ غير مثوى اللؤلؤ.
قلبنا معا صفحات مما خلا من أيامنا، لنسترسل في حديث البلاد، لأدرك جوابات قاطعة لديها كانت كافية لأخرج من طريق الشتات و الشك فيما أعتقده، و في الخط الذي يجب أن أرسمه ليرسمني عل جبين البلاد.. أعترف في هذه اللحظات أنها الوحيدة التي أحس بنقاط ضعفي في حضرتها، و أحب ذلك، فمنها أستمد قوتي، و من عينيها وقود الياسمين في رتابة أيامي الحزينة.
ربما هناك الكثير مما نختلف حوله، لكن ذلك ليس عائقا بين امتدادات الروح بين جسر عينيها و قلبي، و ربما أنتقدها في لحظات معينة في عقلي، لكن لحظات أكثر وسعا و عمقا أحس بالغبطة تجاه تجاربها، فهي فتاة حاكتها التجربة، التي لا تستأثر إلا بالنادر من فتيات جيلها، تجربة أعمق من ترهات السياسة و تصارع قمم الجبال نحو السماء، إنها أكثر إنسانية مما نتوقع.
عدت للمنزل محملة بوابل من الأفكار المشرقة المعتمة.. الحزينة المفرحة.. الجريحة الملتئمة.. كلها في آن تراودني كما دائما، لكن المرة هذه أختار منها ما أريد، لأسير في الشارع الطويل المؤدي إلى منزلنا قبل مدرسة الكفيفات مع ثلاثة أخيلة على الطريق، تذهب الأخيلة و بقيت وحدي حين أنار باب المبنى السكني أمامي، و مرة أخرى.... تموت الأخيلة.

ليست هناك تعليقات: