الأربعاء، ديسمبر 03، 2008

"مسافر" و لكم ابتسامتي

" أنا مسافر" قالها عبد القادر زيد مبتسما لأصدقائه قبيل رحيله الأبدي، لم يدرك أي منهم أنها ستكون الوداع الأخير. قبل 19 عاما أطلق صرخة ميلاده وفي منتصف تشرين أول الماضي خطفت الرصاصة التي اجتازت هواء المسافة بين مستوطنة بيت إيل ومخيم الجلزون صرخة طفولته البريئة وحولته إلى طائر أسطوري في السماء.

في جولتي الميدانية الصحفية برفقة زميلاتي وزملائي ومدربنا في القصة الصحافية، "اقتحمنا" مخيم الجلزون للبحث عن مصادر لقصصنا حول صحافة البسطاء..صادف يومنا الميداني الأربعين على استشهاد عبد القادر ذهبنا إلى بيته وكانت أسرته منهمكة في التحضير للمناسبة الأليمة، صعدنا درجات المدخل عبر رائحة طعام المناسبة، كانت الدموع بانتظارنا عندما صمتت ملامح الوجوه في البيت وقد جمعها اليوم غياب وجه عبد القادر، الذي لون بابتسامته الدائمة وجوه الجميع، هم يستذكرون روحه في تلك اللحظات القاتلة: أربعون يوماً على غيابه ولا زال الجرح مفتوحاً.

جلسنا في غرفة استقبال الضيوف، بدت والدته يلف عينيها احمرار كشف عن طول بكاء، كانت ترتدي السواد، لا يكسر عتمته غير بياض وجهها الذي يكتنفه حجاب أخضر تلاقى و خضرة شجرة سرو تصور أمامها عبد القادر، لتحمل الصورة الآن طابعا آخر غير ما كان يبرق وميضاً في دلالات استشهاده وموقع جناته وقد استقر المشهد كبيرا في زاوية الغرفة.

أخبرتنا الأم عن لحظة تلقيها الخبر: " رن جرس الهاتف في الثالثة صباحا، و إذ به صوت خالد ولدي من سجن عوفر، يخبرني باستشهاد أخيه، مصبرا إياي بكلماته، و أنا ما زلت أقول له، يا ابني يا حبيبي قول و غيّر... لكنه أخبرني دون شك أن عبد القادر ارتقى شهيداً إلى السماء وكرر ذلك حتى صدقت غيابه". عندما نطقت الكلمة الأخيرة لامست حرارة دموعها وجنتيها، و بدأت كلماتها تهتز أمام صمتنا.

قبل اللحظة التي تأكد فيها الأهل من استشهاد عبد القادر، ظل الشك في موته دافعا للأمل باستمرار نبضه، و استمر الشك من الساعة الثامنة مساء، لحظة سماعهم بما حدث له أمام مرأى الكثيرين، لكن أحدا لم يعرف مصيره: "سحبه المستوطنون إلى داخل بيت إيل وأخذوا بصماته، ليبرروا بها قتله، بأنه حاول دخول المستوطنة" كما أفادت عائلة الشهيد.

هكذا... سافر عبد القادر مع ابتسامته و رضا والديه، مودعا مكان نومه الذي ما فتئ يذكر والدته به، وعلى وسادته خلف أحلاما تراوده كما تراود زملائه في مرحلة الثانوية العامة.. أحلام بإكمال الدراسة الجامعية والسعي لانتزاع شهادتها عسى أن توفر فرصة عمل مقبولة ترد للأسرة شيئاً من وفائها.

ليست هناك تعليقات: