الأحد، نوفمبر 23، 2008

أحب من الأسماء

قبل أن تنزلي الدرج.. تواجهك رائحة الشواء التي تفتح شهيتك للنظر باتجاهه قبل أن تفاجئي بدخان حريقه الذي يخترق ملابس المارين لاقترابها من رصيفهم، و يختلط بدخان السيارات الغادية و الآتية، و تظل الرائحة رفيقتك حتى آخر الدرج.


امش قليلا صوب مصلى النساء، لتصادفي امرأة على بابه تفرش ملابسا داخلية و أشياء أخرى لا تتجاوز مساحتها كرسيا بلاستيكيا، تعرفين من ملمس القماش أنها صينية من الصنف الرخيص، تظل جاهزة لبيع مرتادات المصلى الكثيرات، ربما تلقين التحية على تلك المرأة و ربما لا تلقينها، و لا تكل الواعظة عن تحذيرها من حرمة البيع داخل المسجد حين تجتاز عتبة المصلى إلى الداخل.


ادخلي المصلى الآن، و لا تنسي خلع حذائك احتراما لحرمة المكان - الذي تثير حدود حرمته لدي بعض التساؤلات- ها أنت في مكان تختارينه بنفسك، لتبدئي صلاة الوقت الذي حان، و قبل أن تبدئي، ألق نظرة حولك للتعرف، و على اعتبار أنك تصلين أمام الدرج الخشبي الذي يصل الطابق الأول بالثاني، تتدلى على حافته كومة من المسابح المتباينة بألوانها و أشكالها و أحجامها، و لهذا الدرج قصة.. فقد شاهدت في إحدى أيام الشتاء فأرا لا يتجاوز حجمه كفة اليد يعبر إلى داخله بسرعة قبل أن يلحظه أحد، لكن الفأر لم يلحظ أنني رأيته، و أكتب عنه الأن.. ربما وجد في ذلك الدرج مأوى له من برد يوم ماطر.


إلى شمال الدرج تتكئ بعض النساء على أحد جدران المكان، تغطي أرجلهن سجادات صلاة، يتبادلن أطراف الحديث حول الأسعار و الطعام، فتسمع أحاديثهن المسابح التي تتخللها أصابعهن، إلى شمالهن مجموعة أخرى من النساء يجتمعن بشكل دائري يقمن بتحضير أوراق العنب "الدوالي" قبل طهوها أو "كبسها" بتقطيع الزوائد الخارجة عن حافتها، تتخلل فتحات الورق بشكل أو بآخر أحاديث عن ذات المواضيع المذكورة، تجلس على يمينهن امرأة تطرز، يرتاح إلى يمينها كيس خبز مفتوح..


أديري رأسك إلى الخلف لتلحظي امرأتان تجلسان على كرسيين بلاستيكيين إحداهما تمد رجليها على كرسي آخر قبالتها، تتحدثان في الطبخ و النفخ، إلى شمالهن امرأة تجلس هي الأخرى مقلبة صفحات الجريدة، لكنها أصغر سنا من اللتان على يمينها.


أديري رأسك يمينا و شمالا لتلحظي عددا من النساء يصلين أو يتحدثن في شيء ما غير الطبيخ.. و الحظي في زاوية الباب فتاة تستعد للدخول ناظرة، تنظر بغرابة لمشهد "تقطيم الدوالي" ، و الآن ابدئي صلاتك..


في هذا اليوم لم تكن الواعظة التي تعودت رؤيتها تشرح للنساء تارة و تنبه غير المستمعات من اللاتي علت أصواتهن ، تارة أخرى. أذكر أني جلست يوما عند مدخل المصلى لأتناول "سندويشة لبنة" كنت أحضرتها معي تحسبا للجوع ال الوقت الذي سأقضيه في مكتبة المسجد، شاهدت يومها الواعظة تفسر للنساء أحكام المواريث بادئة بقراءة الآيات المتعلقة بها من سورة "النساء"، اعتقدت حينها أنها ستقوم بتفسير الآيات إلا أنها شرحتها مكررة الأحكام بنفس صيغة الآيات.. و أشك أن النساء فهمن شيئا!!


"تقبل الله صلاتك" عودي للبس الحذاء، لكن لا تحكمي الرباط إذا نويت التوجه لمكتبة المسجد المحاذية للمصلى، فأنت ستخلعينه مرة أخرى، سيري مترين أو أكثر بنصف، لتفتحي باب المكتبة، ثم ادخلي، و لنخلع أحذيتنا لوضعها على الرف الموجود إلى يمين المدخل، يوجد على امتداد المدخل في آخر الزاوية جهاز كمبيوتر تظهر عليه علامات الكسل المنبئة بنومه منذ فترة طويلة.. ادخلي حافية القدمين، و لتتركي حقيبتك على رف الأمانات إذا كانت كبيرة.. أكملي سيرك على السجاد الأخضر الذي يفرش الأرضية، و تعرفي على زوايا المكتبة التي تمتد بشكل أفقي و عمودي بين كتب التفسير و الفقه و الأحاديث من ضعيفها إلى صحيحها و اجتهادات علماء المسلمين إلى يمينك، و تتمركز في الوسط مجموعة من الطاولات و المقاعد المخصصة لمن يود الجلوس للبحث أو التحدث من رواد المكتبة، إنه جو يذكرني بجلسات العلم في المساجد في عصور الإسلام المضيئة، الزاخرة بالعلم و المنجزات التي وصل صداها العالم، و أذكر أول مرة دخلت فيها هذه المكتبة ، يومها شعرت براحة نفسية أشعرها حين أتنفس بعمق على قمة جبل في إحدى أيامه الربيعية، تنعش نسائمها مخيلتي... بحق إنها نشوة تعتريني كلما دخلت إليها و استمتعت بالبحث عن الكتب و تقليب ثناياها المتباينة بين الفكر و السياسة و العلوم الطبيعية و الإسلامية و الإنسانية و ما يختص بالقضية الفلسطينية.
و على اعتبار المكان موصولا بالمسجد، لا يلبث المؤذن إنهاء الأذان حتى يتنبه الجميع لمناداة الإخلاء.. فقد حان موعد الصلاة، كانت أول تجربة لي فيه حين أذن الظهر وقتها، كنت منشغلة حينها بالقراءة، و ما إن رفعت رأسي حتى تفاجأت بخلو المكتبة و لم يبق فيها سواي، بالإضافة لأمين المكتبة و شخص آخر يناديان من تبقى للذهاب إلى الصلاة، فتوجهت سريعا و إذ هو ممتلئ بالنساء اللاتي يقفن استعدادا للصلاة بعد إقامتها؟
ها هي رائحة الشواء.. تودعنا كما استقبلتنا لتفتح الشهية لكن دون التوجه بالنظر إلى مصدرها!! و هكذا انتهى يومنا في مسجد جمال عبد الناصر أو الشهداء أو الببيرة أو سيد قطب، و لأن الفضول جذبني لمعرفة الاسم الحقيقي، دعينا نتوجه إلى مدخل المسجد الرئيسي، يا الله...
لا يوجد اسم محدد، لكن الواضح أن أحدا قام بمحي اسم جمال و يظل"عبد الناصر" بلون أسود، مكتوب تحته بشكل رسمي أكثر مسجد البيرة، و بشكل رسمي و واضح أيضا كتب اسم مسجد الشهداء، هي حيرة أخرى تخلقها الأسماء دوما.
و إن حيرتنا الأسماء أو اخترنا ما نفضله منها، يظل مسجدا يجمع تحت سقفه و في ظلال ممراته أشتات القرى المارين عليه بعد عناء نهار في رام الله، بمختلف الأعمار من الرضيع إلى المشتاقين إلى الجنة، و يجمع مغتربي الوطن الذين أتى بهم قدرهم لهذه المدينة سواء للدراسة أو العمل .. إنه الوطن، الوطن المتعب النشيط، العاجز القادر، الرابح الخاسر، الجريح الملتئم.. و كل ما يروق لك حول شعب الكادحين.

ليست هناك تعليقات: