الأحد، نوفمبر 16، 2008

مشاهد في سكن الطالبات

مشهد(1)
تتناثر أمامها أوراق الرسم المعماري خارج غرفتها التي تشترك معها في سكناها فتاة أخرى، يدخل الهواء البارد من النوافذ ليتخلل عظامها فيرتجف جسدها.. لكنها تصر على متابعة الدراسة، و أراها من بعيد تنحني رقبتها بين كتفيها تضغطهما مع ساعديها محاولة امتصاص الدفء من ليل كانون الثاني.
لا تستطيع إغلاق النوافذ أو حتى طلب ذلك من الفتيات اللواتي يسكن معها في نفس الشقة، فهن ينشرن غسيلهن على الحبال المجاورة لمكان جلوسها، و ذاك الغسيل مثلها يحاول امتصاص الدفء من ذالك الجو البارد.
و على الجانب الآخر..
- أنظري، و كـأنني شيطان كلما دخلت الغرفة خرجت هي منها!!
- انسيكي منها.. هاي وحدة معقدة؟
و تجلسان بالساعات تتحدثان عنها و تقلدانها في كل همسة أو حركة، و يستهزئن بما تفعله، أوَ لا تعرف شريكتها في الغرفة أنها تخرج لأنها لا تريد إزعاج نومها المتواصل بإضاءة الغرفة طيلة وقت دراستها؟!

مشهد(2)
حاولت أختها و صديقاتها التخفيف عنها بعد أن هدم القصر الذي بنته جرّاء نسمة عاتية، فالقصر كان وهما..
لكنها انتظرت حتى غابت الفتيات عن السكن، فذهبت لأقصى زاوية في السكن و جلست تحت أبعد نافذة، لتبكي بأعلى صوتها و يتخلل البكاء أهات ممتدة، فاليوم عرفت ما خبأه لها القدر لينكسر قلبها، و يرتفع يرتفع البكاء، ليصل السماء السابعة، و لا يصل لأحد حولها، من ثم حين أحست بضيق الوقت أخذت تلملم دمعاتها و تحبسها مرة أخرى في جوفها و تسرع إلى غرفتها كي لا يلحظ أحد ما حل بها، و خاصة أختها..
و كان هذا اليوم مقدمة لما سيتبع من أحزان تعصر قلبها وحده و تملأ دموعها الأرض التي ما روت إلا شظاياها لتتلاشى الذكريات رويدا رويدا و لا يتلاشى الحلم..

مشهد(3)
في هذا الخميس الحار من أيام حزيران صامت هي.. لماذا؟ لكي تدعو و يستجيب الله لها بأن لا ينخفض معدلها في التخصص و إلا ستعود إلى بيتها، فأوضاعهم لا تتحمل فشلا آخر، لأن أباها لا يستطيع تحمل نفقة التدريس الجامعي لثلاثة أفراد.. و خاصة أنها حولت التخصص بعد أن فشلت في الأول، ليت ذلك الهم الوحيد.. فهناك هموم أخرى تدعو الله التخلص منها..

مشهد(4)
كانت دوما تقول لصديقتها " هكذا كل الخاطبين.. و غدا ستنقلب الرومانسية إلى جد و الكلام المعسول إلى كلام مسؤول.. إسمعي مني كلهم بكذبوا" ..
أما اليوم فها هو وجهها يكاد ينشق من الفرح و لا تلبث أن تنعش الآخرين بضحكاتها الدالة على سعادتها الغامرة لأنها خطبت، و ذات الكلام المعسول يتكرر بينها و بين خطيبها الذي ربما أنقذها من شيء ما..
و رومانسيته بجلب الورود تنسيها كل ما اعتقدته، و لكن من هن أولئك الفتيات اللواتي تظن أنهن صديقاتها فأرتهن فرحتها و خاتمها؟! لم يفرحن لها بل بدأن بالكلام وراء ظهرها و تقليد حركاتها و ضحكاتها حتى أن إحداهن قالت "خاتمها مش حلو؟؟ في كتير موديلات أحلى منو و مش حلو عليها!!"
يا ترى ممكن غيرانات منها؟؟!

مشهد(5)
اليوم هي مكتئبة.. من أستاذ أو من علامات.. من حب أو من صداقة.. أو من أي شيء، ما الحل؟؟ يتهرب إلى النوم كعادتها.. نوم و نوم متواصل و متقطع، و حين تستيقظ لتدرس تنعس مجددا و تعود إلى النوم!! ليأتي يوم جديد لا يشبه سابقه إلا في الأحاديث و التفاصيل.
كل يوم تقول "غدا يوم آخر" و لكن لا آخر.. تهرب من الأشياء إلى النوم و حين تصحو لا يزور ذهنها غير تلك الأشياء التي تعيدها مرة أخرى إلى النوم..
و هكذا الحال نوم و تكاسل و إهمال في الدراسة، حتى يأتي وقت الامتحان الذي تملؤه بالنوم إلى جانب الدراسة قليلا.. و تحسدها الفتيات حين تؤدي الامتحان بشكل جيد بالرغم من نومها المتواصل و كأنها اختارت أيامها المحزنة التي لم تجد منها مخرجا إلا النوم!!

مشهد(6)
- هذه الأغنية جميلة..
- بل تلك أجمل للرقص..
- أحكيلكن.. خلينا نرقص على إشي أجنبي
و يبدأ صوت الموسيقى بالارتفاع و ضحكات الفتيات بالعلو هنا و هناك، و مراقبة الجالسات اللواتي يصفقن لحركات الأخريات في ساحة الرقص، لا ندري بماذا تفكر كل واحدة منهن، و كأن الرقص غدا هروبا من واقع الدراسة و العلامات حينا أو واقع العلاقات الاجتماعية المهترئة حينا آخر..
إنه الرقص.. ينأى بنا إلى عوالم أخرى و متاهات أكثر تعقيدا أحيانا..
و بعد انتهاء جولة الرقص تلك تعود كل واحدة إلى شقتها و تبدأ أحاديث بين الفتيات تتخللها ضحكات، فجو الفرح لم ينته حتى يبدأ يوم آخر لا يعرفن ماذا سيحصل فيه!!
- يا لطيف.. اليوم صلينا الجمعة و كإنا كفرنا مسبقا عن الذنوب اللي بدنا نعملها!!
- عن جد والله.. ها ها ها ها ها ها
- بالك الرقص حرام؟؟؟
- ممكن..
- حسب النية.

مشهد(7)
- أبشرن يا صبايا.. المي قطعت
- يا حلاوة!!
- أكلنا هوا..
و يبدأ يوم من الأيام التي تفتقد مصدر الحياة، و تبدأ معه شكاوى الفتيات في السكن و أحلامهن التي يرسمنها بعد أن تعود المياه إلى مجاريها..
- أول ما تيجي المي بدي أتحمم و أغسل و أشطف الدار
- بدي أعبي كل القناني احتياطي لما تقطع مرة تانية
- عن جد إنه الحياة ولا إشي بدون مية
- يا الله أدن المغرب، فشي مية أتوضى.. أحكيلكن بدي أتيمم
- بتحكي عن جد؟!!
- طبعا ويلا تروح علييّ الصلاة؟؟
- الله بيغفرلك لأنه في عذر
- فيشي مية بس في تراب.. إذن ما عندي عذر، يالله سلام
- يا حسيرتي بدها تتيمم، هههههههههههه.. هم ببكي و هم بيضحك..
و ترى الفتيات اجتمعن و كل منهن بدأت تسرد قصتها مع انقطاع الماء أشياء منها مضحكة و أخرى مقرفة.. و في النهاية تضحك جميع الفتيات...

مشهد(8)
- سمعتها تؤثر على كل العمارة..
- لا دخل لنا بها، فكلنا ولايا و من الممكن حدوث شيء مماثل مع إحدانا..
- "لا حبيبتي" نحن شريفات و مستحيل أن يحصل معنا ذلك
- "ما بتعرفي الزمن" و أيضا أنتن لم تشاهدن ما حدث معها.. قلن لي هل رأيتن؟؟ هل سمعتن؟؟ لا شيء.. و "هذا إسمه قذف!!"
- "يا ستي.. الله يجيرنا"

مشهد(9)

- تعالن تعالن اتفرجن عبنات شقة.. قاعدات بنظفن بسيارتهن.. حسرة علينا
- كلهن بيدخنن
- و عادي ما بيخجلن يشترن دخان من السوبرماكت!!!!!!!!!!
- و مش بس هيك.. هديك اليوم شفتهن عالسطح بيشربن أرجيلة بعز دين الظهر..
- رايحات جايات بالبيجامات و الرواب كإنه العمارة دار أبوهن!!؟؟
- ياستي.. اتركينا من الحكي عالعالم
!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

مشهد(10)
- شو طابخين اليوم؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- طبعا أندومي..
- و الله في نكهة جديدة و زاكية جربتها قبل يومين، أندومي بطعم الدجاج و البصل..
- بتعرفو إنو الأندومي زاكية و بشتاقلها لما أروح عند أهلي.
- أندومي.. تلاتة بواحد: زاكية و بتشبع و أهم من هيك رخيصة..
الفتيات.. ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه
يلا يلا خلينا نتغدى.........

و تتوالى المشاهد التي لا تختزل في سكنات الطالبات، بين مشاكل و أحزان.. أفراح و نكات.. دردشات و أخبار.. هدوء و ضجيج.. كهرباء و ماء.. "بلفونات" و سرقات.. جلي و طبخ.. نظافة تعفين.. و بين من تعتبر السكن "أوتيلا" و بين من تعتبره بيتا آخر تقضي فيه وقتا أكثر بكثير مما تقضيه في بيت ذويها..

ليست هناك تعليقات: