هناء الشلبي.. تحاصر الاعتقال الإداري بجوعها، ويحاصرنا الانتظار!


جنين- رحمة حجة- إذا سمعت بوجود عائلة استشهد أحد أبنائها، وأسرَ اثنان من إخوته واثنتان من أخواته، هل ستعرف هذه العائلة؟ ربما ستشك أنها فلسطينية، لكن إذا أخبرتك بأن إحدى الأختين نالت حريتها من اعتقال دام أكثر من سنتين على يد صفقة تبادل للأسرى سميت ب "صفقة شاليط" قبل أربعة أشهر، هل تأكد شكك؟
ذات الأسيرة اعتُـقلت في السادس عشر من شباط الماضي إداريًا. وانتفاضًا لكرامتها تخوض الآن إضرابًا مفتوحًا عن الطعام لليوم الحادي والعشرين على التوالي في إحدى زنازين سجن "هاشارون" الاحتلالي. أظنك قد عرفت من هي، وإن لم تستدرك الجواب، فهي الأسيرة هناء الشلبي وتلك عائلتها، التي تقطن قرية برقين(غرب جنين) في شمال فلسطين المحتلة.
هناء الشلبي، الأسيرة الثانية بعد الأسير خضر عدنان، الذي كنّا نعدُ أيام إضرابه المفتوح عن الطعام، يومًا بعد يوم، حتى جاء اليوم 66 وأعلن فيه عن اتفاق يوقف من تجديد اعتقاله الإداري ويبقيه في مستشفى الاحتلال حتى استكمال التأهيل الصحي بعد الإضراب، وينتظر الشعب الفلسطيني الذي سانده بتضامناته اليومية معه في يوم الأسير الفلسطيني، السابع عشر من نيسان المقبل، رؤيته حرًا خارج القضبان.
لحظات الاعتقال
تقول والدة هناء ، بديعة الشلبي "أخذها الجيش قبل أن تكمل زراعة الكوسا وأنا أتممت عنها العمل". فعائلة هناء من المزارعين الذين يقضون ثلثي وقتهم في الأرض، وكانت تساعدهم دائمًا. وهي ابنة التسعة والعشرين عامًا. نجحت في الثانوية العامة، ولم تسمح لها الظروف بإتمام تعليمها الجامعي. لكنها قدمت طلبا في كلية جامعة النجاح لاستكمال تعليمها، حيث قالت أختها هدى التي اعتقلت في الانتفاضة الأولى لمدة أربعة أشهر إداريا "كانت تردد بعد خروجها من السجن: الآن أفكر فقط في التعليم" لكن هذا الطلب ما زال قيد التنفيذ.
ووصف أخوها عمر، وهو أسير سابق قضى فترات متقطعة في سجون الاحتلال بين الأعوام(1987-1993) لحظات اعتقال هناء قائلًا "أتوا في الساعة 1:30 صباحًا وكان الجو ماطرًا جدا، منعوا أهلي من الخروج فقط كنت أنا وهناء، برروا وجودهم بزيارة عادية لاستجوابها ثم بدأوا المساومة للنقاش داخل الجيب العسكري وحين رفضنا واستنكرت اعتقالها ثم شتمتهم بدأو بضربها بوحشية فحاولت الدفاع عنها وتلقيت الضربات. ثم فتشوا منزلنا بمساعدة الكلب البوليسي" . وأضافت والدتها بأنهم كانوا داخل البيت ممنوعين من الخروج مهددين بتصويب البنادق نحو صدورهم، وحين فتشوا البيت ربطوا الكلب في غرفة الطفلين (أحدهما 4 سنوات والآخر 11 سنة) دون السماح لهما بمغادرة الغرفة؛ لترهيبهما، كما عللت الأم.
الطفل سامر الذي سماه والده على اسم عمه الشهيد، مشى يحمل جنزيرًا أثناء مقابلتنا لجدته وعمته، فسألته الجدة "ليش حامله؟" أجابها "بدنا نربط اليهود عشانهم أخدوا عمتي هناء". ويُذكر أن أخوها سامر استشهد مع مُطارد آخر (نضال خلوف) من قبل الاحتلال عام 2005 بعد مواجهات ضارية استمرت أكثر من ساعتين في حقلهما، حين داهمهما رصاص الاحتلال أثناء سقاية المزروعات، لتكون آخر كلماته حسبما سمع الجيران "الله أكبر.. الله أكبر".
هناء، من هي؟
أخذتنا زوجة أخ هناء في جولة داخل منزلها، وكلما مرت على طاولة أو جدار فيه، أشارت إلى عمل يدوي صنعته يدا هناء، التي تتقن فن التطريز والخرز والأعمال اليدوية الأخرى، منها ما صنعته داخل السجن ومنها صنعته خارجه. والتطريز لا يقتصر على المعلقات والأدوات المتناثرة في غرفة استقبال الضيوف، بل أيضًا يمتد إلى الحقائب والعلاقات والإضاءة في غرفة الأطفال في بيت أخيها. وأثناء الجولة قالت "دار عمي بشوفوش الفرح.. من يوم ما جيت عليهم كل شهر والتاني يدق الجيش بابهم".
أما أختها زاهرة، التي أخذتنا في جولة هي الأخرى في بيتهم وداخل غرفة هناء وبين مقتنياتها، أطلعتنا على هواياتها وشخصيتها من خلال موجودات غرفتها. ويستدرك الناظر حبها للتطريز ولأخيها سامر الذي تضع صورته بالإضافة إلى أحد أعماله اليدوية، وحبها للكتابة أيضًا من خلال مدوناتها داخل السجن بين طيات دفاترها المشغولة أغلفتها بشكل فني اعتاد البعض رؤيته في بيوت ومع أهالي الأسرى.
وقالت زاهرة التي كشفت عن آثار الجروح على قدميها الناتجة من تعرضها للبرد الشديد ساعة اعتقال هناء "تعرضنا بما يكفي من الظلم والإهانة من اليهود، فأين هي المقاومة الآن؟ لا مقاومة كل ما يوجد هو فساد فقط وصدقيني حتى لو هدموا الأقصى لن يحصل شيء!". وزاهرة التي أبدت تشاؤمها بكل ما يحيط بهم وجهت غضبها ليس على الاحتلال فقط، بل أيضا على المتعاونين معه من الفلسطينيين! وقال بنبرة عالية وإشارات توكيد "الله يمهل ولا يهمل".

وعن اعتقالها الأول قالت هدى "يوم تحرير الأسرى لم تخرج هناء من الباص ولم تشاركهم الاحتفالات في المقاطعة لأنها قبل الاعتقال تعرضت للاستجواب المباشر من قبل الأمن الوقائي في السلطة لمدة عشرة أيام على التوالي دون مبيت وحين اعتقلها جنود الاحتلال قدم لها الضابط الإسرائيلي في التحقيق كامل المعلومات مشيرًا إلى أنهم أخذوها من السلطة!" منوهة إلى موقف هناء الحاد من التعامل مع الأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية.
ووصفت هدى مشاعرها لحظة الاعتقال الثاني "حرقت لي قلبي". وحدثتنا عن آخر ليلة قضتاها قبل الاعتقال إذ زارتها في بيتها المجاور لمنزل أهلها في برقين، وتبادلتا أحاديث طويلة وأنواع مختلفة من المأكولات والضحك حتى قالت هناء مازحة "مالكم شكلكم بتودعوني؟!". وأطلعتنا على بعض مراسلاتهما على الهاتف النقال التي ما زالت تحتفظ بها، فكانت إحدى رسائل هناء لهدى قبل أيام من اعتقالها "إذا خنقك دخان الألم فافتح نافذة الدعاء كي يتجدد الهواء بكلمة يا الله" واصفة علاقتهما القوية حتى لكأنها تشعر بأن هناء ليست أختًا فقط إنما ابنتها أيضًا. وأردفت بغصة "هناء كل اشي بالنسبة إلنا" لكن حين تحدثنا عن كيفية قضائها لأوقاتها في الأسر وبعده، رفعت عينيها كشأن الذي يغيب في ذاكرته وابتسمت "كانت تضل تكتب وتقرأ وحفظت 3 أجزاء من القرآن وقالتلي رح تكمل حفظ الأجزاء التانية". وعن ابنها بدر(9 سنوات) قالت هدى بأنه حين اتصلت الإذاعة بهم وجه رسالة إلى خالته "أنا عرفت إنك مضربة عن الطعام، كلي.. احنا بنحبك!".
الآن.. ماذا؟
كتب الصحفي الفلسطيني خليل شاهين في صفحته على Facebook  "كيف لأي منا أن يواجه الاعتقال الإداري غدا وقد حدد لنا الشيخ خضر الحد الأدنى: الحرية أو الشهادة.. من يجرؤ بعد اليوم على تجاوز هذا الحد؟ كل فلسطيني معرض للاعتقال الإداري، ولم يعد ممكنا الهبوط عن معايير الشيخ خضر لكسر إرادة الاحتلال وانتصار إرادة الأسرى.. إرادة الشعب"
وبعد 18 يومًا من الإضراب عن الطعام، تحاكم هناء، ويُخفف الحكم الإداري من ستة أشهر إلى أربعة، دون الاستجابة لدعوات الإفراج عنها، والأسباب التي قدمت بشأن ذلك خاصة وضعها الصحي، فمحكمة الاحتلال لم تقتنع بما قُدم من أدلة حول تدهور صحتها، ورأت أسباب اعتقالها أكثر إقناعًا حسب ما وجه إليها من تهمة "معاودة استئناف النشاط العسكري بعد الإفراج عنها أكتوبر العام المنصرم"، كما جاء في وسائل الإعلام.
وردًا على هذا، تصمم هناء على الاستمرار في إضرابها المفتوح عن الطعام. ويواصل ذويها الإضراب معها، وينتقل الإضراب التضامني معها إلى بعض الأسرى في سجون الاحتلال، والأسيرات المحررات، وبعض من طلبة المدارس.. لكن، ما رقم اليوم في مشوار إضرابها الذي سيحسم المسألة؟ وهل سيظل المواطن والإعلام في ترقب اتفاق مشابه لما تم مع خضر عدنان؟ وما حال الأسرى الذين ينتظرون الصفقات المشابهة لصفقة "شاليط " إذا علموا باعتقال تسعة لغاية الآن من المحررين؟

فرقة وتر الموسيقية تقدم عرضًا في جنين بعنوان "أساطير"







جنين- رحمة حجة- في قاعة جمعية ومعهد الكمنجاتي للموسيقى في جنين، اجتمع عشرات المواطنين، بعضهم وجد متسعًا في كرسي ليجلس، والبعض الآخر ظل واقفًا؛ من أجل الاستماع وأملًا في الاستمتاع ب "الأساطير" عنوان العرض الموسيقي الذي جاءت تعزفه فرقة وتر الفلسطينية.

وقبل أن تبدأ الألحان التدرج إلى نفوس الحاضرين وأفئدتهم، قام أستاذ الموسيقى ومدير الجمعية إياد استيتي بالتقديم للفرقة التي جاءت من مدينة الناصرة في الأرض المحتلة 1948. معبرًا عن فخره كون أحد عازفيها (عازف الكونترا باص) الذي يدرس الآن في معهد بوردو في باريس الشاب نورس من مدينة جنين وأحد خريجي الكمنجاتي. بالإضافة إلى عازف القانون فيها أحد أساتذة معهد الكمنجاتي وهو مهران مرعب. ونوه إلى أن القطع الموسيقية التي ستقدمها الفرقة ذات طبيعة هادئة تستلزم هدوءًا مقابلًا من الحاضرين في جو مُنع فيه التدخين أيضًا وأغلقت فيه الهواتف النقالة، أو صمتت!

وقدم استيتي الشكر لمؤسسة عبد المحسن القطان التي رعت هذه الأمسية. ليشكرها مدير الثقافة في جنين عزت أبو الرب بدوره، ويرحب بالجمهور والفرقة نفسها قائلًا "مجرد تواجد جغرافية فلسطين هنا يؤكد بأن الجسد الفلسطيني يستعصي على التفكيك والبعثرة من قبل الغزاة وقدومنا هنا للاستماع إلى هذا العطاء الموسيقي يؤكد على أننا شعب ينشد الحياة الحرة" ومضيفًا "بالكلمة والريشة والعزف نجسد تاريخ وجود الشعب الفلسطيني وحضارته غير الدخيلة كما ادعاءات الاحتلال، إنما هي عميقة أكثر من عمق أشجار الزيتون".

وبدأت الفرقة العزف، لتكون افتتاحية العرض مقطوعة "كريستين" التي عرّف عنها عازف العود وسيم عودة بقوله مبتسمًا "اسمها على اسم زوجتي".. وبعدها قدمت وتر مقطوعات عدة منها "آثار إلهية" التي تحاكي مدينة الناصرة بين القدم والحداثة، ومقطوعة "هاجس" ومع توالي المقطوعات توالى التصفقيق الحار من الجمهور الذي عبر واحد منه عن سعادته بالعرض بعد أن أنهت الفرقة إحدى المقطوعات بقوله "الله يعطيكم العافية.. قبل ما آجي كنت تعبان وبعد ما سمعتكم زال التعب" لتظهر علامات السعادة على الفرقة بالمقابل.. وتواصل العزف في "أساطير".

وعلى كل من آلة البزق كان العازف فادي حنا، وعلى الكونترا باص الأمريكي دامون هانكوف، أما الإيقاعات فعزفها نايف سرحان، ولحنّ في الكمان سرور صليبا.

شباب من جنين يمزقون اللافتات الداعية إلى حل الدولة الواحدة تحت عنوان "رفضًا للافتات العار"








جنين- رحمة حجة- نظمت مجموعة من طلاب الجامعة العربية الأمريكية في جنين مظاهرة رافضة للافتات المنصوبة في أرجاء مدينة جنين وكتب عليها "دولة ديمقراطية... واحدة ل 5 مليون عربي و6 مليون يهودي" مطلقين عليها اسم "لافتات العار" ومستنكرين السماح برفعها على مرأى المواطنين.
من جهته قال أحد الطلاب المشاركين أحمد حواشين "نحن نرفض هذه الفكرة تمامًا ونريد إيصال رفضنا للمسؤولين الذين يسمحون لمثل هذه اللافتات بأن تُرفع" في إشارة منه إلى الشعار الذي رسم على ذات اللافتات ويحمل ألوان العلم الفلسطيني إلى جانب علم دولة الاحتلال. وأضاف "توجهنا إلى المحافظ فنفى علمه بوجود هذه اللافتات" وبأنهم سيتوجهون إليه مجددًا للتوصل إلى تعهد بمنع وجود مثل هذه اللافتات.
وأفاد الطالب رائد حنون بأن أول لافتة تم تمزيقها كان الساعة 3 صباح البارحة، وعلى إثر ذلك تم اعتقال الطالب أحمد عمارنة وتوقيعه على تعهد بعدم التدخل في مثل هكذا نشاطات. وعبرّ حنون عن رفضه فكرة حل الدولة الواحدة باعتبارها تخل واضح وصريح عن حق اللاجئين في العودة خصوصًا بذكر عدد الفلسطينيين العرب الموجودين في فلسطين ب 5 ملايين فقط!
وجابت المسيرة أنحاء مدينة جنين، بين المارة والسيارات. وأعلن الطلاب رفضهم متوجهين نحو ما تبقى من لافتات، ثم مزقوها وسط حشد من المواطنين الذين اجتمعوا جرّاء ما دعا إليه الطلاب من استنكار لوجود هذه اللافتات في جنين، وداسوا عليها بعد تمزيقها وفرشو إحداها في الشارع لتمر عليها عجلات السيارات، وسط هتافاتهم وتكبيراتهم بشعارات "فلسطين للفلسطينيين فقط" و"فلسطين لا تقبل القسمة على اثنين".

ساعة في بيت الأسير خضر!

 

جنين- شاشة نيوز- تقرير رحمة حجة- على كرسيها المقابل لشاشة التلفاز، إلى يسار رزنامة تعد عليها أيام الغياب. تتلقى المكالمات أحيانًا، والدعوات المقرونة بأسماء الله أحيانًا أخرى من النساء اللاتي يزرنها يوميًا للاطمئنان عن صحتها ومؤازرتها في انتظار "الفرج" لخضر. وتستذكر بعينين شاردتين "كان قبل ما يروح عداره يطلع يبوس راسي ويسلم علي.. حنون كتير خضر" ثم تنظر إلى ابنته معالي وتبتسم كأنها تذكرت شيئًا "لحالها اجت قالتلي: بابا بحكيلك لا تضلي اتعيطي لانه بروّح..بروّح" وصمتت.. وصمت القلم حينها عن تسجيل مشاعرها.  

طفلتان!

لا يهدأ الهاتف.. لا يهدأ القلب.. هذه هي السمة الغالبة على جو بيت الأسير خضر عدنان، الذي دخل شهره الثالث في الإضراب المفتوح عن الطعام. وابنتاه مع ابني أخته، بحركتهم وضحكاتهم الخفيفة، يخففون من المظاهر غير الاعتيادية في بيتهم، عبر طلباتهم ومشاغباتهم. وها هي ابنته بيسان (سنة وثلاثة أشهر) تحمل علبة الحليب وتمشي.. تقترب من جدتها هنيهة، وأخرى تبحث عن أمها. وأما معالي(أربع سنوات) التي سماها والدها على اسم عمتها ؛ بسبب محبته لأخته-كما أخبرتنا والدته- تحمل قصة صغيرة تردد منها بعض الكلمات بصوت مرتفع، وإذا سألتها شيئًا لا تجيبك بسهولة.
تقول زوجة عدنان رندة موسى "كانت ابنتي منضبطة أكثر لكن خلال هذه الفترة تغيرت طباعها مع التغيرات التي طرأت على حياتنا، لذا سجلتها في الروضة كي تبتعد قليلًا عن هذه الأجواء" وبأنها، أي معالي، طيلة زيارة والدها الأخيرة، لم تنبس بحرف. ورغم حديث والدها معها "بكرا بطلع الاعبك متل اول ونشتري الالعاب" إلا أنها لم تستجب! بينما اقتربت منه بيسان وحضنته قائلة بلهجة طفلة حديثة الكلام "بابا..بابا" الشيء الذي تقوله كلما شاهدت صورة له في البيت أو على التلفاز. وتخبرنا عنها جدتها بأنها تصعد دائمًا مستعينة بالفراش نحو صورة صغيرة جدًا في زاوية مرآة معلقة في الغرفة لتقبلها قائلة "بابا.. بابا".

ليست زيارة عادية!
الممر المؤدي إلى غرفة خضر في مستشفى "زيف" الإسرائيلي في مدينة صفد المحتلة، محتلٌ أيضًا من قبل الجنود. فتشوا والده عدنان تفتيشًا دقيقًا، أخذوا منه ورندة الهواتف النقالة. ثم سمحوا لهما بالدخول مع عدد من الجنود. فكرت رندة بسعادة "الحمد لله إني قدرت أزوره وهو ما زال حيًا غير فاقد للوعي كما تردد في الإعلام" وهرع الأب نحو ابنه يقبل رأسه، ثم سجد سجدة شكر لله لأن ابنه ما زال حيًا ويستطيع الكلام.. بينما خضر مكبل بالسرير، قدماه، ويده اليمنى، ليأتي الضابط ويفكها، فتتحرر منه يداه..فقط! وموصول به جهاز تخطيط القلب الذي لا يدل على أنه بخير تمامًا.
في هذه الزيارة، الأولى بالنسبة لوالده، والثانية لزوجته، حاول الاثنان فيها إقناع خضر بوقف إضرابه حفاظًا على صحته، وكي يعود سالمًا لعائلته التي تنتظره. لكنه صمم على مواصلة الإضراب، ولن ينهيه إلا منتصرًا خارج قيود السجن، قائلًا "فك الإضراب بعد 60 يوم دون تحقيق شيء معناه انتكاسة للحركة الأسيرة كلها بالتالي فقدان الأمل في الإضرابات القصيرة التي تقوم بها لانتزاع حقوقها".
وحول سماعه ما تردد على ألسنة بعض الشيوخ من تحريم إضرابه قال "ما في آية أو حديث شريف بحرم الإضراب وإذا شيخ بقدر يفتي ويعلنها أنا مستعد أوقف إضرابي" ووجه رسائله للفصائل ولأبي مازن بألا ينتظروا استشهاده كي يقوموا بخطوات فاعلة، وأن يسعوا خلال حياته، مستغربًا من صمت حزب الله متمثلًا في أمينه العام حسن نصر الله (للتنويه: ذكر حسن نصر الله خضر في خطابه الذي تلا الزيارة وقابل أبو مازن والده بعدها بيوم)
ووصفت زوجته صحته ب "أسوأ من قبل" من خلال الهزل الذي أصاب جسده واصفرار بشرته وعينيه الغائرتين. الشيء الذي لم يفارق تفكيرها على طول طريق العودة وعند الحديث مع الناس والإعلام، قلقة مما يمكن أن يحصل له وأنها في صراع بين البقاء متماسكة وثابتة وبين الخوف على زوجها الذي يواجه الموت، وقلة حيلتها بإقناعه قائلة "بكون بدي أقنعه يتوقف فبلاقي جبل من الصمود.. ثقته هائلة قدامنا بإنو رح يحقق اللي بدو ياه" مضيفة بملاحظتها أن والده عاد أكثر تفاؤلًا وعزيمته أشد من ذي قبل بعد أن رأى خضر في تلك الحالة. لكنها لا تتوقف عن التفكير فيما يمكن أن يحصل له خاصة أن الأمور تبدو غير واضحة والمستقبل مجهول في إطار التوقعات الكثيرة.

نسيت عبد الرحمن!
ومما تراه يوميًا وعدم الراحة في النهار أو الليل تقول رندة بسخرية مرة "نسيت إني حامل.. الله اللي بحميه لعبد الرحمن" ولا تتذكر أنها حامل إلا حين يداهمها التعب وقت النوم، وطيلة هذه الفترة لم يتسنّ لها مراجعة الطبيب للاطمئنان على جنينها في شهره الخامس.
فما مضى من هذين الشهرين عليها وعلى العائلة كان مرهقًا كما أردفت لنا، بالإضافة إلى ضغط الصحافة والإعلاميين الذين، حسب تعبيرها، لا ينظرون إلى القضية كقصة إنسانية بل سبقًا صحافيًا بين كل منهم "احنا مش صحافيين بننقل صور احنا عيلة بنعيش مأساة وخوف عإبنا يموت لما بنحكي معهم بنحكي بحرقة ولما بننقل اخباره بنكون نتألم!".
.

المشكلة عنا..

المشكلة عنا (لا أعمم لكنها ظاهرة) انو الواحد، اذا بقراله كتابين او صفحة عالفيسبوك كلها حكم وشعر، بفكر حاله صار مثقف، واذا حضرلو برنامجين عالجزيرة او العربية بفكر حالو صار بفهم بالسياسة، وإذا حكى بالحرية والديمقراطية والتقدمية للمرأة بفكر حالو صار منفتح و "open mind" والأقشل من هيك.. انو مع كل هاي الأشيا بفكر حالو الصح وكل الناس غلط، ويبلش يهـِت عالناس اللي ما بشبهوه وبفكر انو الحياة احلى لو الكل يصير متله!.. 

والمشكلة عنا (لا أعمم لكنها ظاهرة) انو الواحد اذا لبس حطة وشاركلي بمظاهرة هون او اعتصام هناك بفكر حاله صار مناضل، وفجأة بصير يساري وحزب معارض ويسب عالمنظمة والفصائل، يا اخي انا معك انهم غلطوا كتير.. بس اذا بتقدر تعمل احسن من اللي عملوه في فترة معينة قوم واعمل بدل ما توخد بحالك مقلب! لا والأقشل من هيك بصيروا الناس اللي بمشوش معو خونة وجواسيس ومخابرات.. دخلك احمل سلاح اشوف وروح طخلي جندي عالحاجز وفرجيني عضلاتك؟!

والمشكلة عنا (لا أعمم لكنها ظاهرة) انو اذا الواحد بكتبله كلمتين وبعملولو اصحابه "لايك" عالفيسبوك بفكر حاله صار كاتب، وبروح وبعمل صفحة خاصة فيه ببداها قبل اسمه بكلمة "الكاتب" او "الشاعر" خف علينا حبيبي!! 

والمشكلة عنا (لا أعمم لكنها ظاهرة) انو الواحد قال بكونش عاجبه كل اللي بصير بالبلد وبعديها بروح بسافر قال يتعلم.. والتعليم بجر شغل.. وزواج وحياة.. وسنين.. وبصير يفتي بأوضاع البلد من برا، ويهت عاللي طالع واللي نازل، وبشكل حالة تعارض مع كل شي موجود في البلد.. وبعد 20 سنة بيجي وبرشح حاله للانتخابات.. هيك فجأة!! طيب وين كنت لما البلد خربانة؟ ولا الاصلاح كمان اله وقته وهسة رح نشوفه على ايد جنابك؟؟ 


... والمشاكل ما بتخلص!

اغضب، غضبك يُحييك!


الطفلة اسمها معالي، ابنة الأسير خضر تقف أثناء اعتصام تضامني أمام سجن عوفر الاحتلالي بالتزامن مع محكمة والدها


قد يقول البعض إن والد الأسير خضر اكتسب شهرة إعلامية وبدأ يتقن فن الخطاب، ويقول آخر، لماذا يضرب الآن؟ هي مصلحة حزبية بالتأكيد، وفي فلسطين انتهت المكاسب الوطنية، هي مكسب حزبي لا أكثر لحركة الجهاد الإسلامي، ويقول ثالث، لم لا تهتمون للخمسة آلاف أسير الآخرين، هل هو أول أو آخر واحد تعرض للذل أو الإهانة أو الاعتقال؟ هذا الشيء الذي اعتدنا سماعه إثر ظواهر مماثلة، لكني أستغرب، هل الصمت هو الحل؟ وهل هذا تضخيم فعلًا للأمر أم أنه الشيء الطبيعي الذي نسيناه تحت وطأة الاعتياد؟ كنا كل يوم نقرأ عن تدهور حالة صحية لأسير في الظروف الصحية السيئة في الزنازين من ثم نقرأ خبر موته، نكتم الغصة، وربما نعبر عن غضبنا بشتيمة من ثم نهدأ ونقلب الأخبار كي نقرأ ما هو غير مماثل، بالرغم من أن الذي مات هو إنسان، له عائلة وله تاريخ في الطفولة والشباب والشيب ربما، ربما كانت له حبيبة أو زوجة تبكيه آخر كل ليلة، وتبكي الصمت النضالي حولها الذي أدى إلى تحوله جثة باردة ستختزل في صورة تحملها والدته في المناسبات الوطنية، الباردة أيضًا.
أتخيل لو أن كل حالة، وكل غضب، وكل عائلة، تعبر عن انتفاضتها وتعلن للعالم هذا الشيء، وتخرج للميادين، كل يوم، دون كلل أو ملل، تقودهم بصيرة الأمل بكسر الحصار، ولا تدري، قد تلتقي العائلات في الميدان، وكل صوت يحفز الآخر على الصراخ أكثر، وكل خطوة إلى الأمام تحفز الجمع على المسير، ربما خجلًا، لكن سيسيرون، وسينظرون هدفًا واحدًا، وربما سيستفز تصرفهم قوات الاحتلال، التي ستهجم تحسبًا لثورة شعبية، وتقوم الثورة الشعبية، قد يستشهد البعض، وقد يُقتل بعض الجنود، وقد يهرب البعض، وقد يهرب الجنود، لكن الثورة لا تهدأ.
قد يتسمر البعض أمام التلفاز يراقب الحدث، لكن حين يقترب من بيته، هل سيظل مشاهدًا؟ وماذا سيختار، الموت أمام شاشة أم أمام دبابة؟! وماذا لو اختارت الأغلبية الثاني، ياااااه كم سيبدو المشهد أخّاذًا من طائرة! وربما سيراها العالم عبر "google Earth" حينها سيعلم أننا تحررنا من عبادة الانتظار والتحركات الدولية وما يسمى بالشرعية والأمم المتحدة ومحكمة العدل و.... إلخ من هذه المفردات التي أصبحت كالمخدّر الذي يمنحنا الهدوء فنتكئ على جراحنا دون إحساس بالوجع، بل بالأمل.. الأمل الذي يكشرّ عن أنيابه كالموت فجأة وينتهي كما تنتهي الفواجع.. بصمت، واعتياد!



ملاحظة1: العنوان مشتق من عبارة إبراهيم جابر إبراهيم "اغضب، غضبك ما سيجعلكَ حيًا، في نصه "رسالة من لاجئ فلسطيني إلى لاجئ سوري"
ملاحظة 2: الأسير خضر عدنان، فلسطيني، معتقل منذ 17/12/2011 إداريًا،تعرض لإهانات معنوية وجسدية أثناء عملية التحقيق معه ليقرر بعدها الإضراب عن الطعام والكلام مع إدارة السجن حتى إطلاق سراحه، وهو على هذه الحال منذ 50 يومًا، آخر خبر كتب عنه اليوم هو تحويله إلى المستشفى الاحتلالي "بيكور حوليم" نظرًا لدخوله مرحلة الخطر.
5/2/2012

سيارة نقل الموتى.. ليست مجرد سيارة!




"وجدت نفسي أكلمه متوسلًا بحق اللي كتب عليك الشهادة تخلينا نقدر نشوف عينيك! ليرتخي جفناه بعدها وأستطيع فتح عينيه للتأكد من لونهما"، هذا ما قاله مغسل الموتى وسائق سيارة نقلهم عبد الحميد المبيض (55 عامًا) المعروف بـ"الشيخ حميد" مستذكرًا كيف لم يتمكن ذوو احد الشهداء من التعرف عليه الا من خلال لون عينيه الاخضر واللتين كانتا مطبقتين بعد مكوث الجثة في ثلاجة الموتى بـ"مستشىفى تل هشومير". الشيخ حميد روى بعض ما لا ينساه مما شاهد اثناء عمله، جلس في ظل شجرات متنزه بلدية جنين القريب من مكان عمله حيث حاورته . 
الشهيد الذي استجاب (حسب رواية حميد) لطلبه بتسهيل فتح عينيه، كان في أحد جرارات ثلاجات الموتى في مستشفى "تل هشومير" داخل الأرض المحتلة عام 1948، نقله حميد إليها من قرية تياسير (من معسكر لجيش الاحتلال آنذاك، في الانتفاضة الأولى) بعد أن اجبره جنود الاحتلال على ذلك، وحين هاتفوا أهل الشهيد ذهب معهم حميد لاسترجاع الجثة، التي اختلفت هيأتها عن المرة الأولى التي رآها- ولم يسرد حميد تفاصيلها قائلًا "عشان حرام أوصف شكل الميت"- فسأل أهله:
- ألا يوجد علامات مميزة لابنكم؟ الواضح أن هذه جثته بحسب الاسم على إصبع قدمه (تعلم العبرية لحاجته حين تكرر أمر توكيله في البحث عن الشهداء في الثلاجات المصنفة حسب الحروف الأبجدية) لكن كيف نتأكد؟
ردّ أحدهم : نعم عيناه خضراوان!
ويستذكر حميد قوة إطباق عيني الشهيد، ما جعل أمر التأكد من شخصه صعب المنال.

بين انتفاضتين

 
يعمل حميد في تغسيل الموتى وتكفينهم ومتابعة إجراءات الدفن والتلقين إلى ما يختص بأمور العزاء والمقرئين في "بيوت الأجر" منذ عام 1980، بينما بدأ العمل في بلدية جنين على سيارة نقل الموتى منذ عام 1987، الشيء الذي أدخله قلب الأحداث في الانتفاضتين (1987 و2000) مذ كان شابًا حين كان "يعمل في كل ما يستطيعه" على حد تعبيره، من نقل الجرحى والشهداء والأسرى المحررين والأدوية وحتى المطاردين قبل جيش الاحتلال، فسيارة الموتى كانت الوحيدة القادرة على التجول في أوقات "منع التجول" المفروض من الاحتلال، والجنود كما أخبرنا "يخافون حتى الاقتراب من السيارة، وحين يضعون الحواجز لتفتيش سيارات المواطنين، يقولون حين يرونني: امشي امشي..".
وعن بداياته في العمل "طلب مغسل الموتى الذي كان قبلي في جنين مساعدة من المتواجدين في بيت رجل متوفّى فسارعت إلى مساعدته، من ثم صرت أبادر لمساعدته أينما تواجد لأنني أعرف مقدار الأجر من الله عز وجل على هذا العمل، بالإضافة إلا أن أحدًا لا يجرؤ على القيام بذلك" ليصبح معروفًا لاحقا، حاليا هو الوحيد في مجاله على نطاق المحافظة، والأكثر خبرة، ولم يمنعه ذلك من تدريب آخرين أحدهما من مخيم جنين والآخر من سكان المدينة على تغسيل الموتى والإلمام بالإجراءات اللازمة لإتمام عملية الدفن، كي ينوبا عنه في غيابه.
وفي إشارة منه لثقة الناس بعمله " كنت في عمان حين جاءني اتصال من ابني كي يؤكد لأحد المواطنين أنني خارج البلدة، حتى اقتنع. لكنه طلب مساعدتي عبر الهاتف فأخبرته بكل التفاصيل اللازمة لعملية الدفن وزودته بأرقام العاملين في هذا المجال".
يستذكر الشيخ حميد نقل الشهداء في الانتفاضة الأولى إلى ما معهد "أبو كبير" داخل في اراضي 1948، المكان الذي يتم فيه تسليم الجثث لقوات الاحتلال؛ لتشريحها من ثم إعادتها دون إجراءات رسمية مثل التأكد من علاقة القرابة بينها وبين المطالبين بها من الفلسطينيين، أو التوقيع على أوراق رسمية ذات علاقة، الشيء الذي يؤكد على قيام المشرحين بسرقة أعضاء جثث الشهداء، خاصة المنظر المختلف لمعظمهم بعد عملية التشريح الذي يدل على نقص بعض أعضائهم. وغالبًا ما كانت تتم عملية توصيل الجثث وتسليمها في الليل، إذ يقول "لا أذكر مرة واحدة بعثت جثة أو استلمتها بالنهار".
وبالرغم من تأكيده على أن "الأمور صارت أسهل مع قدوم السلطة" إلا أن الاحتلال في مزاجيته لا يتوانى عن تعطيل عمله، حيث قام جنود الاحتلال بتأخيره في إحدى المرات الى اما بعد منتصف الليل على حاجز "سالم" فقط لأنهم كانوا يشاهدون مباراة كرة قدم بين فريقي إيران وأمريكا آنذاك!!
في مسيرته الطويلة، تعرف على غالبية الموتى والشهداء في المحافظة إن لم يكن كلهم، وعند سؤاله عن شخصيات تولى تغسيلها لم يستذكر كأن لا أهمية للسؤال، الذي استدركت سذاجته "فالموت واحد..  تميزه الأسباب.. لا الأسماء!"
لكنه يستذكر ما عايشه مع الشهداء و"كراماتهم" ومحاسنهم، حيث يتذكر وزميله في الإطفائية كيف أضاء قبر الشهيد عصام براهمة من قرية عنزة، في حلكة المقبرة التي دفن فيها!.

سيارة الموتى.. بدها دفشة! 

 
منذ بدأ العمل في نقل الموتى، تغيرت سيارة نقل الموتى ثلاث مرات، والتي يقودها الاان أمّنها له محافظ جنين قدورة موسى عام 2004 بسبب إلحاحه المستمر لتبديل السيارة الثانية.
ذات مرة يقول الشيخ حميد انفجر أحد إطارات السيارة الأولى عام 1990 فانقلبت به لكنه خرج سالمًا مع رضوض يحسها إلى الآن، ولم تكن الثانية أفضل حالًا، إذ كانت مستعملة سريعة العطب على حدّ تعبيره، وكثيرة هي المواقف التي تعطلت فيها السيارة أثناء نقلها المتوفين، دون أن يقتصر ذلك على محيط محافظة جنين، حيث ذكر تعَطُلهَا في إحدى في أريحا على الحدود الأردنية- الفلسطينية أثناء ذهابه لإحضار متوفى من الأردن، إلا أنها لم تمش بعد وصولها لينتظر "الونش" من جنين ليأتي ويحمله، هذه المرة وحده مع السيارة، لأن أقارب المتوفى استطاعوا تأمين أخرى لنقله، ولكن في حادثة تعطلها أثناء عودته من أبو ديس في مفترق لبعض مستوطنات الاحتلال، أتى "الونش" من جنين لينقله والمتوفى سويًا.. وبقي الأمر هكذا حتى عام 2004 كما أسلفنا، إذ يقول حميد "صرت أحل المشكلة بوقتها، لإنه البلدية بتساعدني حسب قدرتها وهي إنها تظل تصلح السيارة".
أن تكون سيارة لنقل الموتى، لا يعني أن تظل صندوقًا أسود يشتعل الحرّ داخله صيفًا، وتقضي الوقت أمام الميكانيكي ثلثي عمرها، وهذا حال السيارة الأخيرة الأمريكية الصنع كما أخبرنا، وقطع غيارها نادرة. ويضيف حميد "أنا مش بدي سيارة بس عشان تكون جديدة.. هو انا بدي اقضي كل نهاري فيها؟! بس إكراما للميت اللي بتعطل توقيت دفنه لما تتعطل بالطريق".
وأثناء حديث حميد ومراجعة التاريخ معه وبعض الذكريات، مر مدير منتدى شارك الشبابي كفاح أبو سرور ليسلم علينا بابتسامته قائلًا "البلد من دون الشيخ حميد بتزبطش" ليتبادلا عبارات تشير إلى نظام ساعات الدوام المحددة الذي لا علاقة له بفاعلية العمل، فحميد بقوله "والله العظيم أنا متضايق" منزعج من رتابة الدوام الذي يجبره الجلوس من الساعة الثامنة صباحًا حتى الثانية ظهرًا في مقر عمله، بينما يمكن لهذا الشكل أن يتغير مع ساعات حرة حسبما يتم الطلب.
وفي تفاصيل عمله يشير إلينا أن ما يقوم به من تغسيل الموتى والإرشاد في قضايا الدفن يبتغي فيه وجه الله وكسب أجره، ولا يطلب من الناس منحه أجرًا إنما لا يرد أجرًا يدفعونه، حيث صار عرفًا بينهم مكافأة المغسّل.

لا يخيفني الموت

 
"حين يرن الهاتف إذا كان اسمًا؛ أعرف أن لا علاقة للأمر بالموت، أما حين يكون رقمًا غريبًا، أقدر 80% أن تكون حالة وفاة" هذا ما يفكر به حميد حين يسمع رنين هاتفه النقال، ليستجيب.
عادة، يخاف الناس حكايات الموت والموتى واستذكار لحظات الوفاة حتى سماع صوت سيارة الإسعاف أو رؤية سيارة نقل الموتى التي كتب بأبيض عريض على سوادها "كل نفس ذائقة الموت" فما بال حميد الذي يشاهد ويعيش كل ذلك منذ أكثر من ثلاثين عامًا، الموقع الذي دفعه لكل المواقع ورؤية كل اللحظات التي لا يحب تذكرها كثيرون منّا؟ ولا ينسى أنه كان يساعد أطباء التشريح في الأوقات الضيقة بخياطة أجساد الشهداء كي يتقّوا شر تأخيرهم عن الدفن ومقارعة جنود الاحتلال على الطرقات.
يقول الشيح حميد "في ناس بسألوني كيف بتوكل وبتشرب وبتعرف تنام بعد ما تشوف هاي الشوفات؟! بجاوبهم بكلمة وحدة : الإيمان" إذ يرى الميت إنسانًا فقط يحتاج المساعدة، لا يخيف ولا يتحرك ولا يملك أي قوة، بل يحتاج الكثير من القوة لتهيئته للدفن، فعمل المغسل كما يخبرنا ليس بالشيء السهل!
ولحميد أبناء ثمانية، أكبرهم عمره ثلاثون عامًا، جاءوا للحياة ليجدوا والدهم يعمله في هذه المهنة، لكنهم اعتادوا على ذلك، مقدرين الأجر والثواب الذي يناله والدهم من الأحاديث التي تدور بينه وبينهم. يختم حميد حديثه معنا بالقول "يجب ألا يخاف الإنسان عملية التغسيل، فكل شخص أولى بأن يغسله قريبه أو قريبته حسب سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا أفضل من إحضار مغسل خاص".

لا تفتحي قلبك للغرباء



قالت صديقتي
وهي،
تعدّ الشاي
كلهم كاذبون
حبالى بآثام غدر النساء
كلما ابتسموا لأنثى طيبة
ظنوا أن ذنبهم
انمحى..
وأضافت،
في البداية يأخذك الحديث
عن طقوسهم
أفكارهم الغريبة
واعتقاداتهم
مختلفة التكوين
غزلهم الذي يأتي فجأة
وخفقان أنفاسك
حين يُطلّون
وحذرت،
لا تثقي بأحد
فقط دعيهم
في غرورهم يعمهون
ولا تفتحي قلبك
إلا لأمك
أو لأبيك
لأختك
أو لأخيك
أو لي..
ذهبت صديقتي..
وظلّ قلبي مفتوحًا
 فلا قفل له
يُحكم الإغلاق!!






تكريم!


 ربما تتساءلون من هؤلاء؟ ولم يمدون أيديهم هكذا؟ مالمهم في المغلفات التي يتنازع عليها الذين رأتهم الكاميرا؟!

هذا باختصار مشهد لتوزيع شهادات تكريم لذوي الشهداء والأسرى نهاية احتفال حركة التحرير الوطنية الفلسطينية (فتح) في جنين بانطلاقتها التي صادفت أول الشهر الجاري! وكان عنوان الاحتفال "تجديد البيعة للرئيس محمود عباس".. 

هذه المغلفات تشبه بعضها، دون أسماء، والشهادات داخلها بالضرورة، دون أسماء، لا فرق بين الشهيد والأسير، لا فرق بين اسم وآخر.. ربما لأن الموت لا يعرف الأسماء؟! لا.. بل هذه استهانة بإنسانية الناس وإهانة وابتذال لكرامتهم، ألا يكفي 63 عامًا من مدّ الأيادي؟ ألن يسلم الشهداء والأسرى منكم؟! ماذا لو عاد الشهداء في الأسبوع المقبل، كما عقدوا النية في قصة الطاهر وطار؟! هل هذه آخر إنجازات التحرير الوطني.. لا، إنها نتائج البيعة! 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More