الجمعة، مارس 24، 2017

لماذا يجب "إيجاد" أزواج للأرامل والمطلقات؟


نازحة من الموصل هربًا من داعش.. المصدر: الجزيرة


رحمة حجة

السؤال في العنوان هو أول ما خطر لي بعد إعلان النائبة العراقية حلاً "إبداعيًا" لما يعتقده الكثيرون "مشكلة" و "مصيبة" ألمّت بالنساء العراقيات اللاتي فقدن أزواجهن في الحرب والهجمات الإرهابية، أو انفصلن عن أزواجهن.
والكثيرون الذين أقصدهم في حديثي هم المؤيدون للحل القاضي بتشجيع الرجال الذين ما زالوا على قيد الحياة، بالزواج مرة ثانية وربما ثالثة ورابعة، أليس هذا مكتوبًا في "القرآن"؟ وتداول الآراء الموافقة لا يلغي وجود الآراء المعارِضة، التي طالب العديد منها بإيجاد فرص عمل أو تدريب مهني لمن يُعلن أطفالًا، أو بدعم الشبان غير المتزوجين عبر إمدادهم بمنح مالية تساعدهم في الزواج.
أما الآراء التي أدهشتني، فهي التي تناقش أعمار النساء الأرامل والمطلقات بالقول إنهن صغيرات في السن وإن غالبيتهن لم يصلن الثلاثين بعد، إضافة إلى من يرى أن في بقائهن عازبات "شعلة فساد وفتنة في المجتمع" ولا يكتفي بذلك، ليقول إن "الزواج أفضل من أن يصبحن ساقطات"، بالتالي بات من الضرورة "إيجاد أزواج" لهن، وبالطبع هؤلاء الأزواج هم متزوجون في الأساس!
في متابعتي للأخبار اليومية الآتية من العراق، لم تشر كل الإحصائيات التي قرأتها إلى ارتفاع الأجور وازدياد فرص العمل أو إلى انتهاء المعارك مع "داعش" أو حتى عودة النازحين إلى ديارهم وبيوتهم، بالعكس، إن الخيام في ازدياد.
ومع هذه الأوضاع لنا أن نتخيّل شكل الحياة التي سيمنحها رجل متزوج على "شفا جرف" من خط الفقر، أو دونه، لامرأة فقدت للتو شريك حياتها، وظنت أن "ظل الرجل" أفضل من "ظل الحيطة" كما يروج المثل الشعبي الشهير في مجتمعات عربية عديدة، وهنا أنا أتحدث بمعزل عني قليلًا، أنا فقط أستدعيكم من باب اقتصادي فقط.
وللعلم، فإن التعليقات هذه ليست من ذكور فقط إنما رأيتها أيضاً برفقة أسماء مؤنثة!
أما في ما يخصّ الفكرة التي تحوم في عقلي حول "الحاجة" إلى رجال لهؤلاء "الأرامل والمطلقات" الصغيرات، فليس لها سوى تفسير واحد ربطاَ وشبكاً بالجدل الذي قرأته، هو المثل الشعبي المتداول في فلسطين "أعزب دهر ولا مطلق شهر"، وهو مثل جنسي بامتياز، يعني أن من يجرب العلاقة الجنسية لن يحتمل العيش دونها لاحقاً، وهو ما يرجح الإجابة، التي تعتبر المرأة بعد الزواج مجرد وعاء جنسي يجب الإسراع في تلبية احتياجاته، قبل أن ينفجر اجتماعيا بمظاهر "الفتنة والانحلال".
أنا لن أقف وأقول للمرأة التي تقبل بتزويجها لأي شخص فقط من أجل الزواج "تراجعي"، لكني أضع اللوم كل اللوم على هذا المجتمع الذي يشعرها بعد غياب الزوج بأنها "لا شيء يُذكر" وبأنها لن تستطيع إتمام حياتها من دون رجل آخر يدعمها مالياً في معيشتها ويوفر لها "الجنس الحلال"، والنائبة العراقية التي طرحت حلها "العبقري" لا تحمل عقلية أفضل من مجتمع المصفقين لها، الذين هزّوا الرأس "موافقين"، وهي إن اختيرت لتنوب عنهم، ليست لأنها تملك مهارات وعقلية أكثر منهم، بل لأنها تشبههم، لا أكثر.
والمفارقة الصارخة، أن هذا المجتمع يحارب الآن "داعش" فكريا وعسكريا، ولكن ما الفرق بين عقلية التمتع بالنساء عبر "الحلال" في التعداد، وبين "جهاد النكاح" والسّبي؟ إذا كنت ترى فرقاً، أهنئك على الأمل، أما أنا فعالقة في يأس المترادفات!


الخميس، مارس 23، 2017

ميراندا وسارة.. نموذجان للمرأة العاملة في الشاشة الأميركية




ميريل ستريب
ميريل إينوس
رحمة حجة

الفنانة الأميركية ميريل ستريب في هذه الصورة ترتدي شخصية "ميراندا" في فيلم "The Devil Wears Prada"  والثانية هي الفنانة الأميركية أيضًا ميريل إينوس التي ترتدي شخصية "سارة ليندون" في مسلسل "The Killing".
ميراندا هي المرأة القوية التي لا مجال معها للمراوغة أو للتقصير في العمل، ومجاله مجلة خاصة بالأزياء، واختياراتها للموظفات معها صارمة، تمنحهن العمل والمال وآخر صيحات الموضة والسفر مقابل وقت كبير للعمل، خاصّة الموظفة التي تكون مساعدتها الشخصية الأولى، وهذه التي تكون مستعدة لاستقبال أي مكالمة من مديرتها في أي لحظة ويجب أن تستجيب لها ببراعة وإذا ما كانت هناك مشكلة عليها خلق الحلول الإبداعية، وقامت الفنانة آن هاثاواي بهذا الدور.
ميراندا تتعرض لمؤامرة من أجل إقصائها عن العمل في إدارة المجلة التي أخذت جلّ عمرها وجهدها وحافظت عليها من الإفلاس مرات عديدة، لكنها تنجو ببراعة من هذه المؤامرة، مضحيّة بمساعدها الخاص الذي أفنى كذلك سنوات طويلة من عمره في الخدمة وكان بانتظار الترقية، لكنها اختارت نفسها أولًا ولم تسمح للآخرين بهزيمتها.
أما سارة، فهي المحققة الجنائية، القادرة على حل أصعب القضايا والوصول للمجرمين، تملك الخبرة والذكاء والفطنة، وتمنح جلّ وقتها لعملها، وضحت بجميع علاقاتها العاطفية من أجل العمل، كما اختارت لابنها البقاء في ولاية بعيدة عنها، حتى لا تظل تشعر بالتقصير في رعايته، إلا أنها تقع في حب أحد زملائها المحققين وهو مديرها فعليًا، وتقيم علاقة حميمة معه، لتكتشف في النهاية أنه قاتل متسلسل Serial Killer، وهنا تقف في نقطة مصيرية تنتصر فيها عاطفتها وشعورها بالخذلان والخيبة على مهنيّتها والحفاظ على حياة الشخص الوحيد القادر على حل ألغاز جميع جرائمة، قتقوم بقتله ولا تسلمه للعدالة.. ارتكبت غلطة عمرها!
الصّبر والقوة والذكاء الذي تبهرك فيه سارة طيلة حلقات ثلاثة أجزاء من المسلسل، ينهار في نهاية ثالثها، حين تتغلب مشاعرها على عقلها.
النموذجان: ميراندا وسارة، واقعيان جدًا، ويمثلان ذروة الخلاف على قدرة المرأة على تحكيم عقلها دائمًا والتفوق على نفسها وعلى الصورة النمطية التي يلصقها المجتمع بها، وبين القوية التي تقع في شباك عاطفتها في العمل، وترتكب أخطاء قد تودي بحياتها ومستقبلها المهني. والجيد في هذين النموذجين، وفق اختياري لهما، أنهما يمنحانك الصورة المضادة لما تعتقدها بسبب طبيعة العمل، فالتي تفوقت على مشاعرها تعمل في مجال الموضة والأزياء، والتي انهارت أمام عواطفها تعمل في التحقيق الجنائي وتقابل في عملها أعتى المجرمين.

بالنسبة لي، نموذج ميراندا هو ما أفضّله، مع إمكانية تحسين حياتها الشخصية العائلية، لأنها فعليًا عاشت حياة متطرفة كلّها عمل، فيما كانت حياتها العاطفية في مأزق.. بالتالي يلزم الكثير الكثير من الجهد والطاقة للمرأة العاملة على أن تكون مهنية في عملها للحد الأقصى ولا تلقي بالًا للاستغلال العاطفي الذي قد تتعرض له، وفي ذات الوقت أن تكون متصالحة مع حياتها العائلية وتعيشها بتفاهم وحب.. لكن ما أصعب أن يحدث ذلك!

الثلاثاء، مارس 21، 2017

في إندونيسيا.. فن البقاء وحلم الخلود




رحمة حجة

ذكرت في مقالي عن سلسلة أفلام "إثيوبيا على الأقدام" أن الذي تفوق على الإعلامي لؤي العتيبي هو لؤي العتيبي نفسه ولكن في "إندونيسيا".. خمسة أفلام وثائقية من جزر متنوعة، بحثًا عن التنانين والأفاعي النادرة حينًا، وحينًا آخر عن عادات القبائل التي تعيش على حالها منذ آلاف السنين وترفض نفسها خارج مكانها وزمانها، وثالثها عن "احتفالات" ما بعد الموت وهواجس حول الخلود.
والفيلم السادس، خصصه العتيبي، للحديث عن كواليس التصوير التي أدهشتنا خلال الأجزاء الخمسة السابقة. وحين شاهدتها قررت أن تكون الكواليس هي آخر ما أرى، حتى وصلت إليها بمنتهى الشوق والفضول.
في الموسم الثاني من "اكتشاف المجهول" الذي تنتجه "الجزيرة الوثائقية"، كانت انفعالاتي مضاعفة عن الموسم الأول، شعرت بالصدمة حينًا، وبالخوف من تجارب العتيبي حينًا آخر، وتفاعلت مع بعض المشاهد بالضحك، أو ترقب أفعاله، خاصة حين كان يُعرض عليه طعام قوامه حشرات حية نيئة أو لحم أفعى مطهو أو أي شيء غريب جدًا عن الثقافة المألوفة للطعام في مجتمعاتنا العربية.
الدهشة والمتعة والفائدة، فلازمتني طيلة ساعات المشاهدة لصور غاية في الروعة التقطتها عدسة مصور واحد وهو إللي كرم، الشيء الذي فاجأني، فكيف لمصور فقط أن يقوم بكل ما رأيته، وبكل هذا الإتقان والاحترافية، التي رافقها نقاء الصوت، بحيث أدت المشاهد دورها في إمتاع السمع والبصر معًا.
وفي هذه السلسلة نكتشف جمال الاختراع المسمى "الكاميرا الطائرة"، التي التقطت مساحات شاسعة من الجزر والمياه الإندونيسية من ارتفاعات عالية وبشكل جذاب جدًا.
كما أظهرت هذه السلسلة أهمية تمتع الإعلامي المختص ببرامج الرحلات والمغامرة، بمهارات عديدة، تناسب المكان الذي يقصده، كالسباحة والمشي لمسافات طويلة والصبر على سفر أيام طويلة في الماء والغوص والتعامل مع الحيوانات كالأفاعي وتنانين "الكومودو"، إضافة إلى امتلاكه الجسم الرياضي الذي يمكنه من فعل كل ذلك، ووفق الكواليس كان العتيبي على معرفة كبيرة بما سيواجهه من مخاطر ومجازفات، لذا كان مستعدًا نفسيًا وجسديًا، وبدا متحمسًا في الفيديوهات أكثر من كونه متوجسًا، كان مقبلًا ويقول "هل من مزيد؟" ولم يتراجع عن أي خطوة، ومن المهم معرفة أن المخاطرة ليست مجرد استعراض للقدرات، فكما أكد في الكواليس وجود مجموعة من الخبراء والأطباء معه الذين رافقه كل منهم وفق موضوع الرحلة، الذين سيتدخلون في حال حدوث أي خطر مفاجئ.
والمختلف في هذه السلسلة غياب المترجم عن المشهد، إذ كان العتيبي يتحدث العربية ويتم الرد عليه بلغات مختلفة نرى ترجمتها على الشاشة، وهذا يحتاج جهدًا كبيرًا ومحترفًا في تصوير المشاهد التي قد تتم إعادتها لأكثر من مرة كما يتطلب جهدًا إضافيًا في غرف المونتاج. ولك أن تتخيل هذه الفكرة في بيئة من الغابات المطيرة أو ضمن طقوس دفن الموتى أو استخراج جثثهم من القبور أو عند الحديث على قارب في منتصف البحر الخالي إلا من عائلة صغيرة وطاقم العمل.
ولبراعة التصوير يظهر العتيبي دائمًا كأنه يسافر وحده، وكأننا نرى شخصًا يمثل مشاهد حية أمامنا، وليست مسجلة وممنتجة ومعدّلة، وهذا أعتبره ميزة تفرّد بها هذا البرنامج عن سواه.
وإذا كان الموسم الأول استهدف إظهار التنوع وتعايش بين الأفكار والحيوات المختلفة في إثيوبيا، فهذا الموسم كانت ثيمته هي الحياة والموت، أو بالأحرى استكشاف فنون البقاء ورصد الحلم بالخلود على مستوى الروح والجسد.
في سلسلة أندونيسيا أتأكد بساطة الحياة بعيدًا عن كل الأفكار والفلسفات والديانات والعلوم التي ابتكرتها البشرية، رجال ونساء يسيرون ويمارسون جميع أعمالهم اليومية، عرايا، ويتشاركون الأعمال بينهم، المرأة مثل الرجل، كلاهما له دور في تحصيل الرزق، وكلاهما يعمل برضا ويغني، ما يدل على أن الإنسان في أساس رؤيته للحياة أبسط بكثير مما أضافته لنا أفكار "الحرام والعيب والممنوع"، ويثبت أن نظرتنا عن أجسادنا ولأجسادنا هي نتاج كل ما تعلمناه، ونتاج كل ما نخافه، لذا لا يبدو أن المرأة كفكرة هي أداة متعة وأي شيء يكشف من جسدها هو مجال ل"الفتنة"، كما سيبدو المشهد لو أن هذه المرأة سارت عارية الصدر في أحد شوارع المدينة.
ويعيش أبناء قبائل الكورواي والمنتاوي بكرامة، متصالحين مع البيئة حولهم. أمهم الطبيعة، وهم أبناؤها الصالحون.
كما توضح هذه السلسلة أن مفهوم "ضار" و"نافع" هي مجرد أفكار ترتبط بالاعتياد. فالذين يعيشون الحياة البدائية يأكلون أي شيء حولهم من حشرات وفئران ونمل وخنازير ودجاج وأخشاب وأوراق، ويسيرون بكامل صحتهم، ويتكيفون مع المحيط بسبب ذكائهم وقدرتهم على الاستفادة من أي شيء لصنع أدوات وملابس وحلي وألوان، إنهم مخترعون وعلماء لكن في بيئتهم، منفصلين عن كل ما يملأ عالمنا.
وأضافت لي هذه السلسلة قيمة حية من تجارب البشر، بأن الإنسان بالفعل قادر على فعل أي شيء ويستطيع العيش بأقل القليل، إذا اعتاد ذلك.

يوم مع أحفاد الديناصورات
يصحبنا العتيبي في هذا الجزء من سلسلة أفلام إندونيسيا، لاستشكاف حياة تنانين "الكومودو" في إحدى جزر"كومودو" الخمسة. يتابعها تسير، وحين تهاجم فرائسها، ويسبح معها، كما يوثق عملية اصطياد أحدها من خلال مغامر من المنطقة يوثق أطوال التنانين وملامحها، ليضيفها لقاعدة بياناته. وفي هذا الجزء يمسك بأفعى "باثون" وهي من أخطر الأفاعي الموجودة في المنطقة، ويخوض معها صراع عضلات، وأعتقد أنه لولا القوة العضلية والتدريب الذي يملكه في التعامل مع الأفاعي لم يكن سيتمكن من إمساك بها حتى إنهاء التصوير، قبل أن يطلق سراحها.

لماذا يأكلون لحم البشر؟

يسافر العتيبي مسافة أيام في النهر حتى يصل إلى غابات لم تصلها يد الإنسان الحديث، بل تسكنها قبائل "الكورواي" الذين يعيشون في بيوت معلقة على الأشجار، بطريقة خيالية. يوثق معهم لحظات بناء بيوتهم وبحثهم عن الطعام يومًا بيوم، إضافة لفعالية الأدوات البسيطة جدًا وقوامها أغصان الشجر والحجارة، تلك التي يستخدمونها لإنجاز مصالحهم. يسير الرجال يرتدون شيئا أقل مما يرتديه طرزان، والنساء يغطين المنطقة السفلية فقط من أجسادهن. لكن لماذا يأكلون البشر؟ هذا ما سأله العتيبي وتمت الإجابة عنه.


"والله مني عارف إيش المنانا فيها"

في الوقت الذي يبدو الدين أبعد فكرة نتصورها عن قبائل الكورواي، يظهر قبائل المنتاوي طقوسًا قريبة من الدين، هدفها التقرب من الأرواح الطيبة وطرد الأخرى الشريرة، وهم يصنعون الحلي لأنفسهم، كما لديهم معتقدات يتوارثونها من جيل لجيل، أهمها الأوشام، تلك التي تمثل رموز حياتهم اليومية في الجزيرة. يأكلون أي شيء قد تتصوره ولا تتصوره!


البحث عن الخلود

المشاهد في هذا الجزء متعبة جدًا، مكلفة جدًا، غريبة جدًا، وصادمة أكثر! لماذا تبقي العائلة الفرد الذي يموت منها شهورًا داخل البيت قبل دفنه؟ لماذا تدفن في المغارات؟ أو في داخل الأشجار؟ ولماذا يتم إخراج الجثث وتنظيفها؟ هذا وأكثر يحدث في قبائل التوراجا، هم غير مسلمين، ويعيشون في مناطق حضرية، والذين أسلموا منهم لم يتوقفوا عن ممارسة ذات الطقوس.


"غجر المياه"
صحيح أنني استمتعت وتفكرت بحياة كل القبائل التي شاهدتها في الأجزاء السابقة، إلا أن هذا الجزء هو أمتعها، وأقربها إلى القلب. لدرجة تمنيت أن أعيش حياة أولئك الأشخاص. مياه البحر بيتهم، يصطادون ويطهون طعامهم في قوارب بسيطة جدًا، ويبيعون مما يصطادون. منهم من يعيشون في بيوت بعيدة عن الساحل ومنهم من اختار البقاء داخل الماء. يغوصون بسرعة ومهارة عالية دون أي أدوات مساندة سوى النظارة المائية.

في متحف الشعوب.. الجمال من زواياه المختلفة





رحمة حجة


ابتسمت الشابة الأثيوبية حين أخبرتها أنني أحب موطنها، وغطت وجهها نظرة باردة ظنًا منها أنني أجامل فقط، وسرعان ما تحول البرود إلى دهشة، لأنني حدثتها حول انطباعاتي عن إثيوبيا بناء على عشرة أفلام وثائقية شاهدتها، وكل فيلم مدته ساعة تقريبا.
 سألتني عن اسم القناة التلفزيونية التي أولت كل هذا الاهتمام لبلادها، ثم تغير مجرى الحوار بيننا بعيدًا عن المنتجات التي تبيعها في متجرها الصغير في تجمع متاجر ومقاه شرق أوسطية وأفريقية في إحدى مدن ولاية فرجينيا الأميركية.
ولم أكن أعرف من إثيوبيا سوى وجوه سمراء غير ممتلئة، تظهر فيها الكثير من التجاعيد التي لا تعكس أعمارها بالضرورة، وأجساد نحيلة يشترك فيها الرجال والنساء، إضافة لمعلومات بسيطة جدا عن هذا البلد دون أدنى إبهار يُذكر. حتى شاهدت "إثيوبيا على الأقدام" للإعلامي لؤي العتيبي، وإنتاج "الجزيرة الوثائقية"، ضمن سلسلة وثائقيات عنوانها "اكتشاف المجهول"، وإثيوبيا رحلتها الأولى. وكلما تعرفت بإثيوبي أو إثيوبية، أحدثهم عما شاهدته وأحببته في بلادهم، ثم تنسدل منهم الحكايات عن تلك البلاد التي هاجروا منها إلى هنا من أجل كسب العيش وربما لحياة أفضل. وأكثرنا، رغم قراراتنا الحاسمة بهجرة بلداننا، نشعر بفخر وغرور جميل حين يمدحها غريب أمامنا ويقول إنه "يحبها"، كأنه يوقظ مشاعر نسيناها لفترة ما.

ملامح البلاد في 10


الجزء 1: يتنقل العتيبي وينقلنا معه بين أربعة أماكن في إثيوبيا من بوابة "مينيليك الثاني" ثم مرتفات البلاد الشمالية التي تأوي قرود "الجيلادا" ولا يمكن رؤيتها سوى هنا، ومنها إلى كنائس لاليبيلا المحفورة في صخور أرضية، بغاية الإبداع في الهندسة والتصميم، وبعدها إلى كنيسة "المغارة العائمة" التي رأى فيها آلاف الهياكل العظمية.

الجزء 2: وفيه يصطحبنا العتيبي إلى ثلاث نقاط في مقاطعة "عفار" شمال شرق إثيوبيا، بدأها بزيارة بعض السكان البدو المسلمين من العفاريين، وإذا أفادت مصادر تاريخية بأن جذورهم يمنية، ستلحظ ذلك بنفسك من ملامح رجالهم وطريقة لباسهم وحملهم للخناجر. بينما النساء يرتدين أزياء إسلامية وغالبيتهن محجبّات، وبعض الشابات يظهرن جدائلهن الرفيعة مالتي تعتبر ميزة للجمال لدى هذه القبيلة، ثم ينتقل لأشد المناطق حرارة في البلاد ومن أنشط البراكين حول العالم،الواقعة في جبال "آرتي ألي" والمشاهد التي عرضها للبراكين ليلًا وفجرًا، أراهن أنها ستكون من أجمل ما رأت أو سترى عيناك، وأخيرًا يذهب لحصاد الملح مع الحصّادين من العفاريين. 

الجزء 3: وهنا ينجح صديقنا في صعود مرتفعات جبلية شاهقة حتى الوصول إلى كنيسة أثرية تعود للقرن الخامس ميلادي ويقلب بين يديه صفحات إنجيل بنفس عمر الكنيسة، فهل ما زالت الرسومات والخطوط واضحة أم تلاشت مع الزمن؟ وبعد الهبوط بسلام يواصل الرحلة نحو قرية "النجاشي" وهو الملك "الذي لا يظلم عنده أحد" واشتهر في تاريخ الإسلام بسبب حمايته للمسلمين في بداية الدعوة المحمدية من ظلم أهالي قريش حين لجؤوا إليه وطلبوا منه الأمان، ومن ضريح الملك وأضرحة عدد من الصحابة المسلمين، ينتقل إلى دير "دوبريه دابو" الذي يعود في تأسيسه للقرن السابع.

الجزء 4: إلى أكسوم جوندار كانت الوجهة هذه المرة، حيث المكان الذي شهد مولد إمبراطورية أكسوم في أفريقيا، وهناك رأينا القصور الأثرية والمسلات المرتفعة وحمامات "فاسيليديس" التاريخية حيث يحتفل الأثيوبيون سنويًا فيه ضمن مهرجان "تيم كات"، ثم يقوم بزيارة كنيسة "دبريه بورهان" المقامة في القرن السابع عشر.

الجزء 5: عنوانه بحيرة تانا، وهي مركز عديد من الجزر ومصب عديد الأنهار، يتجه فيه العتيبي نحو شلالات نهر النيل الأزرق بمياهها ذات اللون الطيني، مستعرضًا قبل الوصول إليه زمنًا من وحدة الإثيوبيين بمسلميها ومسيحييها إلى جانب ملكهم "فاسيليديس" ضد الحملات التبشيرية البرتغالية وطردها خارج البلاد، واستراحة قصيرة تعتبر من أمتع الأوقات التي يمكن أن يقضيها شخص في حياته حين يتناول قهوته إلى جانب الصوت الهادر للمياه. ومنه يبقينا في أجواء مائية تنتهي بزيارة كنيسة "تيرانا ميريت" المبنية في القرن الرابع عشر.

الجزء 6: نلتقي فيه قبائل السورما الذين يعيشون حياة بدائية جدًا، ومن حيث المعيشة والمأكل والملبس كما نتعرف إلى سر الشفاه والآذان المتدلية لنساء القبيلة، والصفة التي تجعل المرأة "مناسبة للزواج".

الجزء 7: وفي بحيرة "شامو" نتعرف على تماسيح النيل الأزرق وعلى عادات الصيد لدى صيادي المنطقة المحيطة، الذين يقطعون أميالًا بقوارب خشبية بدائية جدًا، بالإضافة إلى عدد من الحيوانات التي تعيش في المياه أو حولها، مثل فرس النهر.

الجزء 8: ونرافق العتيبي إلى وادي "أومو" للتعرف على قبائل "الهمَر"، ويختلف السكان هنا عن "السورما" في جميع الجوانب التي ذكرناها أعلاه، وسيبدو واضحًا بالنسبة لك انعكاس طبيعة حياتهم على أجسادهم الممتلئة مقارنة بسابقيهم. ولدى نسائهم حرف فنية إبداعية في تصميم الأزياء والحلي بأشكال أصيلة وغير تقليدية، وأشك أن مصممًا عالميًا لم يتقتبس منهن إلى الآن.

الجزء 9: تلقب "هرر" بمدينة "العلم والعلماء"، ويلتقي فيها العتيبي رجلًا مثقفًا يجمع من الكتب والمصاحف أهمها وأقدمها داخل متحف أنشأه بنفسه وأخذ على عاتقه هذا الاهتمام بالعلم والحفاظ على موروث بلاده منه، يتصفح العتيبي العديد منها، بينها مصاحف بنسخ نادرة وتعود لمئات الأعوام. ومن العلم إلى إدمان "القات" ضمن جلسات اجتماعية، ومما قاله أحد الشبان في تلك الجلسات "يساعدنا على التأمل والخيال ويمنحنا سعادة ولكنها مؤقتة سرعان ما تنتهي مع استيقاظنا في الصباح التالي. هي عادة غير جيدة، وقد تكون خطيرة، ونعرف ذلك، لكن لا مناص، إنه إدمان". وينتهي هذا الجزء بلقاء صديق الضباع، الذي عقد معها اتفاقية خاصة للسلام تقضي بإطعامها ليلًا.

الجزء 10: يبدأ هذا الجزء بخوض العتيبي تجربة إطعام الضباع بنفسه، هل سينجح فيها؟ وبعدها ينقلنا إلى أجواء حديثة في مدينة أديس أبابا عبر زيارة أسواقه وبعض متاجرها، بالإضافة إلى توثيق إعداد القهوة وفق التقاليد الإثيوبية، كما يأخذنا في زيارة إلى محطات إذاعة وتلفزة في العاصمة.

ماذا رأيت؟ 


أصبت بحب هذه البلاد. عشقت تنوعها وتصالحها مع نفسها رغم الاختلافات الكبيرة بين منطقة وأخرى، وفق ما أظهرته الأفلام جميعها، التي نقلتنا بين جبل ونهر وصحراء وغابة وكنيسة وجامع، بين قرية ومدينة ومساكن بدوية وقبلية، تشعر في السير بينها بهذا الاتساع الهائل والامتداد المعرفي اللانهائي. وفرحت بوجود هذا التناغم، لكن فرحتي لم تكتمل حين بدأت البحث والقراءة عن الأوضاع السياسية فيها، التي اشتعلت أواخر عام 2015 واستمرت على امتداد عام 2016 من خلال احتجاجات عارمة ضد قرارات حكومية، قضى بسببها المئات (الجزيرة - ماذا يحدث في إثيوبيا؟) وربما أكثر، عرفت بعض أسباب هجرة أهلها.
وبالنسبة للأفلام نفسها، كانت ميزتها أنها أعطت الكثير من الأماكن حقها معرفيًا وبصريًا، وهذا يدل على الجهد المبذول في التحضير والإعداد، على سبيل المثال، تصوير عملية الصعود والهبوط إلى الكنيسة المعلقة بالجبل، ومراقبة البراكين بين الضوء والعتمة، والشرح المكثف عنها، بالإضافة إلى تصوير عملية تسريح الشعر وصناعة الملابس لدى نساء "الهمر"، وبالفعل كانت الحرفية في الصناعة لافتة وكدت لا أصدق أن هذا من صنعنهن وتوقعت أنهن قد ابتعنه من المدينة مثلًا أو من تجار رُحّل، حتى شاهدت بعيني الخطوات والأدوات، وأيضًا توثيق لحظات توسيع الشفاه السفلية لنساء "السورما"، خصوصًا أن مثل تلك الهيئة رأيتها في صور عديدة سابقًا لقبائل أخرى وكان الأمر محيّرا بالنسبة لي. 
اللهجة العامية في "السكريبت" لم ترق لي في البداية، لكن ميزة لهجة العتيبي قريبة جدًا من الفصحى، لولا أنه استخدم لهجة مدنية في بعض الأحيان، لكن بالمجمل كانت أكثر مرونة بالنسبة لموضوع الأفلام نفسها المليئة بالحركة ولحظات التوثيق للنظرة الأولى وردود الفعل التلقائية، وتخيلت لو أنه تكلم بالفصحى في بعض المشاهد، سيبدو الأمر متكلفًا وربما مضحكًا. 
لؤي العتيبي ليس مقدم برامج فقط، إنه يعشق ما يقوم به، ويمنحنا أهمية التجربة والمحاولة بشكل عميق، وإن أدهشني في هذا الموسم، وكان بالنسبة لي النموذج رقم (1) للإعلاميين العرب المختصين ببرامج الرحلات والمغامرة، فقد تفوق عليه لؤي العتيبي في أندونيسيا. 
لم يسخر أو يقلل من القيمة الحضارية للقبائل التي تعيش حياة بدائية، ولم يهتم كثيرًا بإبراز رأيه على حساب المعلومة، حتى حين تحدث عن صفات الجمال بالنسبة للشفاه المتدلية، صحح نفسه وقال إن هذا الأمر بالنهاية مجرد ثقافة أخرى ويراه غريبًا لأنه ليس مألوفًا في بيئته. تسلق الجبال وأطعم الضباع ووقع عن القارب ثم كرر المحاولة، ودخل إلى رهبة وخوف الجلوس بقرب الآلاف من الجماجم. والهياكل العظمية، هل يمكن أن يكون هذا الشخص "أكثر"، بالطبع نعم، وهذا ما سأخبركم عنه في مقالي الثاني.
التصوير كان من زوايا متنوعة، فكانت الرؤية موفقة في اللقطات القريبة والقريبة جدا والبعيدة والعلوية، وفي التصوير الذي أخذ على الأغلب بكاميرا محمولة على الرأس أثناد صعود الجبل وتوثيق تلك اللحظات باهتزازها، كان جميعه أخاذًا.
ولفتت الموسيقى انتباهي، في اختيارها وفقًا للديانة وطبيعة المكان.
لدي أفكار عن دور المرأة والنظرة لها وعن الحياة الأولى للإنسان، لكنّي سأوردها في مقالي الثاني الخاص بأندونيسيا، لأنني حين شاهدت الموسم الثاني من "اكتشاف المجهول" شعرت أكثر بنضوج الرؤية ووصلت لنقطة التفاهم بيني وبينها.