الثلاثاء، مارس 21، 2017

في إندونيسيا.. فن البقاء وحلم الخلود




رحمة حجة

ذكرت في مقالي عن سلسلة أفلام "إثيوبيا على الأقدام" أن الذي تفوق على الإعلامي لؤي العتيبي هو لؤي العتيبي نفسه ولكن في "إندونيسيا".. خمسة أفلام وثائقية من جزر متنوعة، بحثًا عن التنانين والأفاعي النادرة حينًا، وحينًا آخر عن عادات القبائل التي تعيش على حالها منذ آلاف السنين وترفض نفسها خارج مكانها وزمانها، وثالثها عن "احتفالات" ما بعد الموت وهواجس حول الخلود.
والفيلم السادس، خصصه العتيبي، للحديث عن كواليس التصوير التي أدهشتنا خلال الأجزاء الخمسة السابقة. وحين شاهدتها قررت أن تكون الكواليس هي آخر ما أرى، حتى وصلت إليها بمنتهى الشوق والفضول.
في الموسم الثاني من "اكتشاف المجهول" الذي تنتجه "الجزيرة الوثائقية"، كانت انفعالاتي مضاعفة عن الموسم الأول، شعرت بالصدمة حينًا، وبالخوف من تجارب العتيبي حينًا آخر، وتفاعلت مع بعض المشاهد بالضحك، أو ترقب أفعاله، خاصة حين كان يُعرض عليه طعام قوامه حشرات حية نيئة أو لحم أفعى مطهو أو أي شيء غريب جدًا عن الثقافة المألوفة للطعام في مجتمعاتنا العربية.
الدهشة والمتعة والفائدة، فلازمتني طيلة ساعات المشاهدة لصور غاية في الروعة التقطتها عدسة مصور واحد وهو إللي كرم، الشيء الذي فاجأني، فكيف لمصور فقط أن يقوم بكل ما رأيته، وبكل هذا الإتقان والاحترافية، التي رافقها نقاء الصوت، بحيث أدت المشاهد دورها في إمتاع السمع والبصر معًا.
وفي هذه السلسلة نكتشف جمال الاختراع المسمى "الكاميرا الطائرة"، التي التقطت مساحات شاسعة من الجزر والمياه الإندونيسية من ارتفاعات عالية وبشكل جذاب جدًا.
كما أظهرت هذه السلسلة أهمية تمتع الإعلامي المختص ببرامج الرحلات والمغامرة، بمهارات عديدة، تناسب المكان الذي يقصده، كالسباحة والمشي لمسافات طويلة والصبر على سفر أيام طويلة في الماء والغوص والتعامل مع الحيوانات كالأفاعي وتنانين "الكومودو"، إضافة إلى امتلاكه الجسم الرياضي الذي يمكنه من فعل كل ذلك، ووفق الكواليس كان العتيبي على معرفة كبيرة بما سيواجهه من مخاطر ومجازفات، لذا كان مستعدًا نفسيًا وجسديًا، وبدا متحمسًا في الفيديوهات أكثر من كونه متوجسًا، كان مقبلًا ويقول "هل من مزيد؟" ولم يتراجع عن أي خطوة، ومن المهم معرفة أن المخاطرة ليست مجرد استعراض للقدرات، فكما أكد في الكواليس وجود مجموعة من الخبراء والأطباء معه الذين رافقه كل منهم وفق موضوع الرحلة، الذين سيتدخلون في حال حدوث أي خطر مفاجئ.
والمختلف في هذه السلسلة غياب المترجم عن المشهد، إذ كان العتيبي يتحدث العربية ويتم الرد عليه بلغات مختلفة نرى ترجمتها على الشاشة، وهذا يحتاج جهدًا كبيرًا ومحترفًا في تصوير المشاهد التي قد تتم إعادتها لأكثر من مرة كما يتطلب جهدًا إضافيًا في غرف المونتاج. ولك أن تتخيل هذه الفكرة في بيئة من الغابات المطيرة أو ضمن طقوس دفن الموتى أو استخراج جثثهم من القبور أو عند الحديث على قارب في منتصف البحر الخالي إلا من عائلة صغيرة وطاقم العمل.
ولبراعة التصوير يظهر العتيبي دائمًا كأنه يسافر وحده، وكأننا نرى شخصًا يمثل مشاهد حية أمامنا، وليست مسجلة وممنتجة ومعدّلة، وهذا أعتبره ميزة تفرّد بها هذا البرنامج عن سواه.
وإذا كان الموسم الأول استهدف إظهار التنوع وتعايش بين الأفكار والحيوات المختلفة في إثيوبيا، فهذا الموسم كانت ثيمته هي الحياة والموت، أو بالأحرى استكشاف فنون البقاء ورصد الحلم بالخلود على مستوى الروح والجسد.
في سلسلة أندونيسيا أتأكد بساطة الحياة بعيدًا عن كل الأفكار والفلسفات والديانات والعلوم التي ابتكرتها البشرية، رجال ونساء يسيرون ويمارسون جميع أعمالهم اليومية، عرايا، ويتشاركون الأعمال بينهم، المرأة مثل الرجل، كلاهما له دور في تحصيل الرزق، وكلاهما يعمل برضا ويغني، ما يدل على أن الإنسان في أساس رؤيته للحياة أبسط بكثير مما أضافته لنا أفكار "الحرام والعيب والممنوع"، ويثبت أن نظرتنا عن أجسادنا ولأجسادنا هي نتاج كل ما تعلمناه، ونتاج كل ما نخافه، لذا لا يبدو أن المرأة كفكرة هي أداة متعة وأي شيء يكشف من جسدها هو مجال ل"الفتنة"، كما سيبدو المشهد لو أن هذه المرأة سارت عارية الصدر في أحد شوارع المدينة.
ويعيش أبناء قبائل الكورواي والمنتاوي بكرامة، متصالحين مع البيئة حولهم. أمهم الطبيعة، وهم أبناؤها الصالحون.
كما توضح هذه السلسلة أن مفهوم "ضار" و"نافع" هي مجرد أفكار ترتبط بالاعتياد. فالذين يعيشون الحياة البدائية يأكلون أي شيء حولهم من حشرات وفئران ونمل وخنازير ودجاج وأخشاب وأوراق، ويسيرون بكامل صحتهم، ويتكيفون مع المحيط بسبب ذكائهم وقدرتهم على الاستفادة من أي شيء لصنع أدوات وملابس وحلي وألوان، إنهم مخترعون وعلماء لكن في بيئتهم، منفصلين عن كل ما يملأ عالمنا.
وأضافت لي هذه السلسلة قيمة حية من تجارب البشر، بأن الإنسان بالفعل قادر على فعل أي شيء ويستطيع العيش بأقل القليل، إذا اعتاد ذلك.

يوم مع أحفاد الديناصورات
يصحبنا العتيبي في هذا الجزء من سلسلة أفلام إندونيسيا، لاستشكاف حياة تنانين "الكومودو" في إحدى جزر"كومودو" الخمسة. يتابعها تسير، وحين تهاجم فرائسها، ويسبح معها، كما يوثق عملية اصطياد أحدها من خلال مغامر من المنطقة يوثق أطوال التنانين وملامحها، ليضيفها لقاعدة بياناته. وفي هذا الجزء يمسك بأفعى "باثون" وهي من أخطر الأفاعي الموجودة في المنطقة، ويخوض معها صراع عضلات، وأعتقد أنه لولا القوة العضلية والتدريب الذي يملكه في التعامل مع الأفاعي لم يكن سيتمكن من إمساك بها حتى إنهاء التصوير، قبل أن يطلق سراحها.

لماذا يأكلون لحم البشر؟

يسافر العتيبي مسافة أيام في النهر حتى يصل إلى غابات لم تصلها يد الإنسان الحديث، بل تسكنها قبائل "الكورواي" الذين يعيشون في بيوت معلقة على الأشجار، بطريقة خيالية. يوثق معهم لحظات بناء بيوتهم وبحثهم عن الطعام يومًا بيوم، إضافة لفعالية الأدوات البسيطة جدًا وقوامها أغصان الشجر والحجارة، تلك التي يستخدمونها لإنجاز مصالحهم. يسير الرجال يرتدون شيئا أقل مما يرتديه طرزان، والنساء يغطين المنطقة السفلية فقط من أجسادهن. لكن لماذا يأكلون البشر؟ هذا ما سأله العتيبي وتمت الإجابة عنه.


"والله مني عارف إيش المنانا فيها"

في الوقت الذي يبدو الدين أبعد فكرة نتصورها عن قبائل الكورواي، يظهر قبائل المنتاوي طقوسًا قريبة من الدين، هدفها التقرب من الأرواح الطيبة وطرد الأخرى الشريرة، وهم يصنعون الحلي لأنفسهم، كما لديهم معتقدات يتوارثونها من جيل لجيل، أهمها الأوشام، تلك التي تمثل رموز حياتهم اليومية في الجزيرة. يأكلون أي شيء قد تتصوره ولا تتصوره!


البحث عن الخلود

المشاهد في هذا الجزء متعبة جدًا، مكلفة جدًا، غريبة جدًا، وصادمة أكثر! لماذا تبقي العائلة الفرد الذي يموت منها شهورًا داخل البيت قبل دفنه؟ لماذا تدفن في المغارات؟ أو في داخل الأشجار؟ ولماذا يتم إخراج الجثث وتنظيفها؟ هذا وأكثر يحدث في قبائل التوراجا، هم غير مسلمين، ويعيشون في مناطق حضرية، والذين أسلموا منهم لم يتوقفوا عن ممارسة ذات الطقوس.


"غجر المياه"
صحيح أنني استمتعت وتفكرت بحياة كل القبائل التي شاهدتها في الأجزاء السابقة، إلا أن هذا الجزء هو أمتعها، وأقربها إلى القلب. لدرجة تمنيت أن أعيش حياة أولئك الأشخاص. مياه البحر بيتهم، يصطادون ويطهون طعامهم في قوارب بسيطة جدًا، ويبيعون مما يصطادون. منهم من يعيشون في بيوت بعيدة عن الساحل ومنهم من اختار البقاء داخل الماء. يغوصون بسرعة ومهارة عالية دون أي أدوات مساندة سوى النظارة المائية.

في متحف الشعوب.. الجمال من زواياه المختلفة





رحمة حجة


ابتسمت الشابة الأثيوبية حين أخبرتها أنني أحب موطنها، وغطت وجهها نظرة باردة ظنًا منها أنني أجامل فقط، وسرعان ما تحول البرود إلى دهشة، لأنني حدثتها حول انطباعاتي عن إثيوبيا بناء على عشرة أفلام وثائقية شاهدتها، وكل فيلم مدته ساعة تقريبا.
 سألتني عن اسم القناة التلفزيونية التي أولت كل هذا الاهتمام لبلادها، ثم تغير مجرى الحوار بيننا بعيدًا عن المنتجات التي تبيعها في متجرها الصغير في تجمع متاجر ومقاه شرق أوسطية وأفريقية في إحدى مدن ولاية فرجينيا الأميركية.
ولم أكن أعرف من إثيوبيا سوى وجوه سمراء غير ممتلئة، تظهر فيها الكثير من التجاعيد التي لا تعكس أعمارها بالضرورة، وأجساد نحيلة يشترك فيها الرجال والنساء، إضافة لمعلومات بسيطة جدا عن هذا البلد دون أدنى إبهار يُذكر. حتى شاهدت "إثيوبيا على الأقدام" للإعلامي لؤي العتيبي، وإنتاج "الجزيرة الوثائقية"، ضمن سلسلة وثائقيات عنوانها "اكتشاف المجهول"، وإثيوبيا رحلتها الأولى. وكلما تعرفت بإثيوبي أو إثيوبية، أحدثهم عما شاهدته وأحببته في بلادهم، ثم تنسدل منهم الحكايات عن تلك البلاد التي هاجروا منها إلى هنا من أجل كسب العيش وربما لحياة أفضل. وأكثرنا، رغم قراراتنا الحاسمة بهجرة بلداننا، نشعر بفخر وغرور جميل حين يمدحها غريب أمامنا ويقول إنه "يحبها"، كأنه يوقظ مشاعر نسيناها لفترة ما.

ملامح البلاد في 10


الجزء 1: يتنقل العتيبي وينقلنا معه بين أربعة أماكن في إثيوبيا من بوابة "مينيليك الثاني" ثم مرتفات البلاد الشمالية التي تأوي قرود "الجيلادا" ولا يمكن رؤيتها سوى هنا، ومنها إلى كنائس لاليبيلا المحفورة في صخور أرضية، بغاية الإبداع في الهندسة والتصميم، وبعدها إلى كنيسة "المغارة العائمة" التي رأى فيها آلاف الهياكل العظمية.

الجزء 2: وفيه يصطحبنا العتيبي إلى ثلاث نقاط في مقاطعة "عفار" شمال شرق إثيوبيا، بدأها بزيارة بعض السكان البدو المسلمين من العفاريين، وإذا أفادت مصادر تاريخية بأن جذورهم يمنية، ستلحظ ذلك بنفسك من ملامح رجالهم وطريقة لباسهم وحملهم للخناجر. بينما النساء يرتدين أزياء إسلامية وغالبيتهن محجبّات، وبعض الشابات يظهرن جدائلهن الرفيعة مالتي تعتبر ميزة للجمال لدى هذه القبيلة، ثم ينتقل لأشد المناطق حرارة في البلاد ومن أنشط البراكين حول العالم،الواقعة في جبال "آرتي ألي" والمشاهد التي عرضها للبراكين ليلًا وفجرًا، أراهن أنها ستكون من أجمل ما رأت أو سترى عيناك، وأخيرًا يذهب لحصاد الملح مع الحصّادين من العفاريين. 

الجزء 3: وهنا ينجح صديقنا في صعود مرتفعات جبلية شاهقة حتى الوصول إلى كنيسة أثرية تعود للقرن الخامس ميلادي ويقلب بين يديه صفحات إنجيل بنفس عمر الكنيسة، فهل ما زالت الرسومات والخطوط واضحة أم تلاشت مع الزمن؟ وبعد الهبوط بسلام يواصل الرحلة نحو قرية "النجاشي" وهو الملك "الذي لا يظلم عنده أحد" واشتهر في تاريخ الإسلام بسبب حمايته للمسلمين في بداية الدعوة المحمدية من ظلم أهالي قريش حين لجؤوا إليه وطلبوا منه الأمان، ومن ضريح الملك وأضرحة عدد من الصحابة المسلمين، ينتقل إلى دير "دوبريه دابو" الذي يعود في تأسيسه للقرن السابع.

الجزء 4: إلى أكسوم جوندار كانت الوجهة هذه المرة، حيث المكان الذي شهد مولد إمبراطورية أكسوم في أفريقيا، وهناك رأينا القصور الأثرية والمسلات المرتفعة وحمامات "فاسيليديس" التاريخية حيث يحتفل الأثيوبيون سنويًا فيه ضمن مهرجان "تيم كات"، ثم يقوم بزيارة كنيسة "دبريه بورهان" المقامة في القرن السابع عشر.

الجزء 5: عنوانه بحيرة تانا، وهي مركز عديد من الجزر ومصب عديد الأنهار، يتجه فيه العتيبي نحو شلالات نهر النيل الأزرق بمياهها ذات اللون الطيني، مستعرضًا قبل الوصول إليه زمنًا من وحدة الإثيوبيين بمسلميها ومسيحييها إلى جانب ملكهم "فاسيليديس" ضد الحملات التبشيرية البرتغالية وطردها خارج البلاد، واستراحة قصيرة تعتبر من أمتع الأوقات التي يمكن أن يقضيها شخص في حياته حين يتناول قهوته إلى جانب الصوت الهادر للمياه. ومنه يبقينا في أجواء مائية تنتهي بزيارة كنيسة "تيرانا ميريت" المبنية في القرن الرابع عشر.

الجزء 6: نلتقي فيه قبائل السورما الذين يعيشون حياة بدائية جدًا، ومن حيث المعيشة والمأكل والملبس كما نتعرف إلى سر الشفاه والآذان المتدلية لنساء القبيلة، والصفة التي تجعل المرأة "مناسبة للزواج".

الجزء 7: وفي بحيرة "شامو" نتعرف على تماسيح النيل الأزرق وعلى عادات الصيد لدى صيادي المنطقة المحيطة، الذين يقطعون أميالًا بقوارب خشبية بدائية جدًا، بالإضافة إلى عدد من الحيوانات التي تعيش في المياه أو حولها، مثل فرس النهر.

الجزء 8: ونرافق العتيبي إلى وادي "أومو" للتعرف على قبائل "الهمَر"، ويختلف السكان هنا عن "السورما" في جميع الجوانب التي ذكرناها أعلاه، وسيبدو واضحًا بالنسبة لك انعكاس طبيعة حياتهم على أجسادهم الممتلئة مقارنة بسابقيهم. ولدى نسائهم حرف فنية إبداعية في تصميم الأزياء والحلي بأشكال أصيلة وغير تقليدية، وأشك أن مصممًا عالميًا لم يتقتبس منهن إلى الآن.

الجزء 9: تلقب "هرر" بمدينة "العلم والعلماء"، ويلتقي فيها العتيبي رجلًا مثقفًا يجمع من الكتب والمصاحف أهمها وأقدمها داخل متحف أنشأه بنفسه وأخذ على عاتقه هذا الاهتمام بالعلم والحفاظ على موروث بلاده منه، يتصفح العتيبي العديد منها، بينها مصاحف بنسخ نادرة وتعود لمئات الأعوام. ومن العلم إلى إدمان "القات" ضمن جلسات اجتماعية، ومما قاله أحد الشبان في تلك الجلسات "يساعدنا على التأمل والخيال ويمنحنا سعادة ولكنها مؤقتة سرعان ما تنتهي مع استيقاظنا في الصباح التالي. هي عادة غير جيدة، وقد تكون خطيرة، ونعرف ذلك، لكن لا مناص، إنه إدمان". وينتهي هذا الجزء بلقاء صديق الضباع، الذي عقد معها اتفاقية خاصة للسلام تقضي بإطعامها ليلًا.

الجزء 10: يبدأ هذا الجزء بخوض العتيبي تجربة إطعام الضباع بنفسه، هل سينجح فيها؟ وبعدها ينقلنا إلى أجواء حديثة في مدينة أديس أبابا عبر زيارة أسواقه وبعض متاجرها، بالإضافة إلى توثيق إعداد القهوة وفق التقاليد الإثيوبية، كما يأخذنا في زيارة إلى محطات إذاعة وتلفزة في العاصمة.

ماذا رأيت؟ 


أصبت بحب هذه البلاد. عشقت تنوعها وتصالحها مع نفسها رغم الاختلافات الكبيرة بين منطقة وأخرى، وفق ما أظهرته الأفلام جميعها، التي نقلتنا بين جبل ونهر وصحراء وغابة وكنيسة وجامع، بين قرية ومدينة ومساكن بدوية وقبلية، تشعر في السير بينها بهذا الاتساع الهائل والامتداد المعرفي اللانهائي. وفرحت بوجود هذا التناغم، لكن فرحتي لم تكتمل حين بدأت البحث والقراءة عن الأوضاع السياسية فيها، التي اشتعلت أواخر عام 2015 واستمرت على امتداد عام 2016 من خلال احتجاجات عارمة ضد قرارات حكومية، قضى بسببها المئات (الجزيرة - ماذا يحدث في إثيوبيا؟) وربما أكثر، عرفت بعض أسباب هجرة أهلها.
وبالنسبة للأفلام نفسها، كانت ميزتها أنها أعطت الكثير من الأماكن حقها معرفيًا وبصريًا، وهذا يدل على الجهد المبذول في التحضير والإعداد، على سبيل المثال، تصوير عملية الصعود والهبوط إلى الكنيسة المعلقة بالجبل، ومراقبة البراكين بين الضوء والعتمة، والشرح المكثف عنها، بالإضافة إلى تصوير عملية تسريح الشعر وصناعة الملابس لدى نساء "الهمر"، وبالفعل كانت الحرفية في الصناعة لافتة وكدت لا أصدق أن هذا من صنعنهن وتوقعت أنهن قد ابتعنه من المدينة مثلًا أو من تجار رُحّل، حتى شاهدت بعيني الخطوات والأدوات، وأيضًا توثيق لحظات توسيع الشفاه السفلية لنساء "السورما"، خصوصًا أن مثل تلك الهيئة رأيتها في صور عديدة سابقًا لقبائل أخرى وكان الأمر محيّرا بالنسبة لي. 
اللهجة العامية في "السكريبت" لم ترق لي في البداية، لكن ميزة لهجة العتيبي قريبة جدًا من الفصحى، لولا أنه استخدم لهجة مدنية في بعض الأحيان، لكن بالمجمل كانت أكثر مرونة بالنسبة لموضوع الأفلام نفسها المليئة بالحركة ولحظات التوثيق للنظرة الأولى وردود الفعل التلقائية، وتخيلت لو أنه تكلم بالفصحى في بعض المشاهد، سيبدو الأمر متكلفًا وربما مضحكًا. 
لؤي العتيبي ليس مقدم برامج فقط، إنه يعشق ما يقوم به، ويمنحنا أهمية التجربة والمحاولة بشكل عميق، وإن أدهشني في هذا الموسم، وكان بالنسبة لي النموذج رقم (1) للإعلاميين العرب المختصين ببرامج الرحلات والمغامرة، فقد تفوق عليه لؤي العتيبي في أندونيسيا. 
لم يسخر أو يقلل من القيمة الحضارية للقبائل التي تعيش حياة بدائية، ولم يهتم كثيرًا بإبراز رأيه على حساب المعلومة، حتى حين تحدث عن صفات الجمال بالنسبة للشفاه المتدلية، صحح نفسه وقال إن هذا الأمر بالنهاية مجرد ثقافة أخرى ويراه غريبًا لأنه ليس مألوفًا في بيئته. تسلق الجبال وأطعم الضباع ووقع عن القارب ثم كرر المحاولة، ودخل إلى رهبة وخوف الجلوس بقرب الآلاف من الجماجم. والهياكل العظمية، هل يمكن أن يكون هذا الشخص "أكثر"، بالطبع نعم، وهذا ما سأخبركم عنه في مقالي الثاني.
التصوير كان من زوايا متنوعة، فكانت الرؤية موفقة في اللقطات القريبة والقريبة جدا والبعيدة والعلوية، وفي التصوير الذي أخذ على الأغلب بكاميرا محمولة على الرأس أثناد صعود الجبل وتوثيق تلك اللحظات باهتزازها، كان جميعه أخاذًا.
ولفتت الموسيقى انتباهي، في اختيارها وفقًا للديانة وطبيعة المكان.
لدي أفكار عن دور المرأة والنظرة لها وعن الحياة الأولى للإنسان، لكنّي سأوردها في مقالي الثاني الخاص بأندونيسيا، لأنني حين شاهدت الموسم الثاني من "اكتشاف المجهول" شعرت أكثر بنضوج الرؤية ووصلت لنقطة التفاهم بيني وبينها.

الخميس، مارس 16، 2017

عن فيلمين لإيمي آدامز في 2016




رحمة حجة

Arrival

فيلم Arrival المقتبس من رواية "قصة حياتك" للأميركي من جذور صينية تيد تشيانغ، هو إنتاج عام ٢٠١٦، عرض في إيطاليا قبل عرضه في دور السينما الأميركية، وتم تصويره في كندا. ومثلت فيه إيمي آدامز كشخصية رئيسة، وشاركها البطولة جيرمي رينر وفوريست ويتكير.
القيلم من نوع الخيال العلمي، ويحكي قصة هبوط ١٢ مركبة فضائية في ١٢ دولة حول العالم، وليس كعادة الأفلام من هذا النوع التي تعرض الولايات المتحدة دائما أرض الهبوط والهجوم والدفاع في غالبيتها.
واختلف تعامل الدول مع هذه المركبات، لينقسم العالم إلى محورين: الصين، والولايات المتحدة. والأخيرة قررت أن تحاور هؤلاد الفضائيين عبر إيجاد لغة تواصل معهم بعد اختيار أكفأ علماء اللغات في البلاد، حتى يفهموا منهم سبب قدومهم إلى كوكب الأرض.
وهذا أيضا ميزة في القصة، إذ لم تنشب حرب مباشرة بين الطرفين ويتم تصوير الفضائيين على أنهم محور الشر ولا يرتاح لنا خاطر حتى إبادتهم جميعا من قبل البطل الأميركي الخارق. 
وبسبب صعوبة التواصل وطول مدة مكوثهم -بالنسبة للدول المستهدفة- قررت الصين التوقف عن الانتظار وخوض الهجوم العسكري باعتبار الفضائيين عدوهم، وتجب محاربتهم، وانضم إلى معسكرها باقي الدول، وكانت الولايات المتحدة على حافة المواجهة، حتى أنقذت عالمة اللغات العالم بفكها للغز.
والفيلم قد يبدو في بعض المناطق غير مفهوم لكن مع نهايته يتضح كل شيء، حيث أن العالمة وهي "لويس بانكس" كانت مع كل نجاح تحققه في فهم الكائنات الفضائية ترى جزءا من مستقبلها، من ضمنه الحل، الذي يوقف الحرب، وعلى المستوى الشخصي رأت غدا حزينًا لكنه رغم ذلك اختارت أن تكمل الطريق نحوه.
تصوير الفيلم أخاذ وتمثيل إيمي آدامز جميل جدًا، بالنسبة تعرفت إليها عبر هذا الفيلم ثم من خلال فيلم "Nocturnal Animals" وهو أيضًا فيلم جميل شهد أداء مميزا لها.
وإذا عدنا لفكرة المركزية فهي لم تتعد المكان بالنسبة للولايات المتحدة، لأن الحل في النهاية جاء منها، كما حققت انتصارا في مقابل حلف من الدول قادته الصين. 


Nocturnal Animals 


وهذا الفيلم أيضًا تلعب فيه إيمي آدامز الشخصية المحورية، ويشاركها البطولة جاكوب غيلينهال، الذي اشتهر بفيلمه الغامض والمثير Donnie Darko. 
ويبدأ الفيلم بعرض فني لنساء عاريات بأجساد "غير مثالية" بالنسبة للمرأة النمطية في السينما والإعلانات.. إلخ، وأعدك بأنك سترى مشهدا صادما للغاية، وتظل تفكر ما علاقته بالفيلم حتى ينتهى ويتضح آن هؤلاد النساد كن جزدا من عرض من الفن المعاصر ضمن قاعة يتجول بها الحضور، أما صاحبة العمل فهي سوزان، ومن هنا تبدأ الحكاية.
سوزان تركت حبيبها لأنها ظنته شخصًا ضعيفًا وحساسًا أكثر من اللازم، إضافة إلى أنه -باعتقادها- مجرد هاو للكتابة ولن ينجز عملا عظيما. فيما هي الفنانة الطموحة التي ستحقق الكثير، تتركه وتتزوج الشاب الغني الوسيم.
بعد ١٩ عامًا، من الانفصال، وهو الزمن الحاضر للفيلم، تدرك آنها لا تحيا حياة مثالية، فزوجها يخونها، وهي غير راضية عن أعمالها، كما أنها تظل مستيقظة ليل نهار، وفجأة تظهر رواية تبدأ بإهداء لها من حبيبها السابق الذي لم يتزوج بعدها!
أحداث الرواية التي تقرأها هي محور الفيلم، في أب تغتصب زوجته وابنته ويتم قتلهما ورميهما عاريتين في بيت مهجور، وفي ضابط شرطة مقهور لعدم تحقيق العدالة فيقرر تحقيقها بنفسه عبر معاقبة الجناة، وأمام التفاصيل تصاب بحزن كبير ووجع، كما أنها تخاف على ابنتها فتهاتفها، لترد الشابة على الهاتف عارية في سرير حبيبها، وتبدي استغرابها أمام قلق أمها المفاجئ.
في نهاية الفيلم تتفق هي وحبيبها السابق على لقاء في مطعم، تسبقه إليه بكامل أناقتها، وتظن أنه ما زال يحبها ولم ينسها طيلة كل تلك السنوات، ولكنه لا يأتي.
بالنسبة لي فسرت القصة على أنها عقاب أو انتقام من قبل الكاتب، الذي أدهشها بما لم تتوقعه في الرواية التي قرأتها، وأيضا لأنه سبب لها نفس الشعور بالخذلان.
وكنت قرأت تفسيرا آخر للفيلم يفيد بأن كل ما قرأته أو ابنتها نفسها وأيضا الرسائل بينها وحبيبها السابق مجرد أوهام وهلوسات، خصوصا أنها لا تنام.. وبأنها تعذب نفسها يوميا على ذنب قديم اقترفته.. هو تفسير جميل، لكني أرتاح لما يخطر لي لأول مرة وهو ما ذكرته أعلاه.
لفت انتباهي في الفيلم تكرار جسد المرأة العاري في ثلاثة مشاهد، كتبت عنها في الشرح، وفيها تظهر تلك المرأة التي تقول لك عليك أن تمعن النظر ولا تستغرب شكلي وتتقبلني كما أنا دون انتقاص، وفي الثاني الجسد المشتهى من قبل ذئاب الإنس الذين اعتدوا على خصوصيته وانتهكوه، والثالث هو الجسد الذي يمنح عن رضا وقبول في علاقة جنسية، قد تكون حبًا أو مجرد شهوة. 
الفيلم كقصة وأداء هو استثنائي ويستحق المشاهدة. ورغم حصوله على تقييم جيد جدا كما يظهر موقع IMDB فإنه لم يحقق أرباحًا تستحق الذكر مقابل الميزانية التي أنفقت عليه، على عكس "Arrival" الذي حقق الشهرة والمال معًا.
واللافت أيضًا أن الممثل الذي قام بدور الضابط وهو أدى الشخصية بشكل رائع فعلًا، تم ترشيحه لأربع جوائز عن أفضل ممثل مساعد (أوسكار، جمعية نقاد السينما، والجمعية الوطنية للنقاد السينيمائيين، الأكاديمية الأسترالية)، وهو مايكل شانون.


الاثنين، مارس 06، 2017

باسل أيضًا قتل وحيدًا


من مكان وقوع الاشتباك المسلح بين باسل وجنود الاحتلال

قلبت عديد الأخبار والصور التي صاغت رواية اغتيال الشاب باسل الأعرج من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، في منطقة البيرة قرب رام الله، ولم يختلف المضمون عما قرأته وكتبته سابقًا عن قتل المقاومين الأفراد الذين نسميهم "مطاردين"، إلا أن الاختلاف الوحيد، أنني عرفت باسل.

لم تربطني به علاقة شخصية -للأسف- لكني سمعته ورأيته وقرأت بعض كتاباته، وإن كان من شيء دفعني إلى رواية "زمن الخيول البيضاء" لإبراهيم نصر الله، فكان تعقيبه على الرواية، وإبداءه إعجابه بها إلى جانب تنويه لخطأ تاريخي فيها.

باسل قرأ وشارك معرفته حول نماذج "خالد" و"الهادية" في تاريخنا المكتوب والشفوي، ولكن إذا كان هو "خالد" فهل بقيت قرية في فلسطين تشبه "الهادية"؟ هو أخبرنا عن كل أبطاله في التراث الفلسطيني أو العالمي، ربما محاولا أن يعيد تلك النماذج لواقعنا الشائك والمدجن في فلسطين، وعادت هذه النماذج بأسماء عدة قليلة بين شبان أوقعونا لحظة استشهادهم في مأزق السؤال والمحاسبة الذاتية والحقد أيضًا على الأسباب، ومن ناحية أخرى كنا نسعد بأننا نعاصر ما يشبه تاريخنا المغيب أو المنسي.

باسل والشبان قبله قاتلوا وقتلوا وحيدين، ثم اختطفت أجسادهم أو تم سحلها على الأرض كما في حالة باسل، وفق الصور وأقوال الشهود.

ربما نتغير حين يتغير المشهد، حين لا يقاتل "باسل جديد" ويقتل ويُجر وحيدًا.. ربما يتغير المشهد حين لا يصبح مكان المعركة "فُرجة" بعد مغادرة القتَلة..

وربما سيتغير حين تحاكم محاكمنا الجناة في قضايا قتل النساء والشجارات العائلية والحزبية، وتتوقف عن الهراء في عبارة "حيازة غير مشروعة للسلاح" ضد من اختار حمله لمواجهة عدوه لا لمواجهة شعبه وحماية عدوه، حال عشرات الآلاف الذين ينامون بيننا كل ليلة!

الأحد، مارس 05، 2017

الأجمل هو ما لا يدوم





رحمة حجة
مرت الأعوام دون نهاية "تبات ونبات" للقصص الرومانسية التي أديتها في مسرح الحياة مع ممثلين بمستوى أدائي أو أقل أو أكثر، استنادًا إلى طبيعة الدور الممنوح لنا من المخرج الفذ القاطن في الأعالي.
لكن هل أنا غير سعيدة؟ هل أعاني من لوعات وانعطافات حادّة تجعلني امرأة بلا جدوى؟ هل استسلمتُ وحاولت الرضى بأي شيء قد ينسيني كل شيء؟ وهل أريد أن أنسى أساسًا؟
الإجابة عن السابق كلها بالطبع، تبدأ بــ"لا" قوية. وبدمج ما يلي هذه الـ "لا" أجيب بأن السعادة هي أن أعثر على جدواي دومًا حين أسند ظهري بيدي وأمنع الغرق في وحل الندم، أما النسيان فيصبح مع الزمن من نصيب الحوارات العادية جدًا التي كتبها السيناريست فيما النعاس يشد أطراف عينيه ونهايات أصابع قدميه، وما تريده الذاكرة تلك اللحظات التي امتلكتنا حين أديناها واستحقت تصفيقًا شرسًا في قاعات العرض.
هذه اللحظات والعبارات غير العادية التي أداها الممثلون أمامي هي التي أسهمت في تشكيل ثقتي وغروري وكبريائي، وعرّفتني أكثر على ما يمكن أن يُضعفني ويزيد ساعات نومي وعُزلتي وامتعاضي من نفسي، لكنها أيضاً ضاعفت حبي لذاتي، ومن نحن إذا لم نحب أنفسنا ونجتهد لإرضائها؟
وها أنا أكتب لإرضائها، وللتعبير عن ولعي وامتناني للمخرج الذي ساعدني في القيام بأداء أدوار عديدة، كنت أظن أنني لن أستطيع أداء بعضها، لكني تغلبت على قلقي بارتدائها بشكل يليق بها، ويليق بكوني امرأة تحمل من الصفات ما يجعلها في لحظة واحدة قدّيسة وشهيّة.
الممثلون مشكورون، لأنهم لم يقصّروا في الأداء، فحين طلب منهم أن يكونوا عشاقًا، كانوا بشكل ممتع، وحين طلب منهم أن يكونوا مهرجين، أضحكوا الجمهور حد البكاء.
وأهم شيء في التمثيل أن نكون قادرين على تقمّص الشخصيات التي نخاف أن نعتزل بعدها مسرح الحياة، وهذا ما فعلته أنا وزملائي، حيث أدينا كل شيء بمهارة، ولم نغادر.
المسرح كبير وفيه ما لا يحصى من الأدوار التي يمكننا أداؤها والتفوق على أنفسنا في كل مرة نشتبك معها وبها.
 كم جميل هو المسرح، الذي يمنحنا تجارب قصيرة في كل مرة، ونخلع في نهايتها ثياب الدور، ونعود إلى بيوتنا هانئين، أقوى، ومتحضرّين للجديد. 


الأربعاء، مارس 01، 2017

أين نحن من الروايات.. الأفلام.. و"جوائز" الشهداء؟


هذا النص موجه إلى المرأة المغيّبة عن إعلانات العطر والشوكولا والشامبو.. إلى المغيّبة عن منصات "الكات ووك".. والمغيّبة من قصص هوليوود الرومانسية.. لا داعي للمزيد، أظنك عرفت أنّي أقصدك أنت تحديداً!


قبل سنوات نشرت نصوصا قصيرة (Posts) غاضبة، خلاصتها أن الروايات التي قرأناها وبنت في عقولنا صورة عن فارس أحلامنا والبطل الذي سيسحبنا بالحب بعيدا عن خراب هذا العالم، لم تمنحنا سوى الكذب والأوهام، إذ إن هؤلاء الأبطال لم يكونوا أكثر من حبر على ورق، فيما ضيّعنا جزءا من أعمارنا بانتظارهم..
لكن هل هذا صحيح؟!
سأتحدث من واقع قراءاتي الشخصية، فربما تملكين مكتبة أكبر من مكتبتي وربما أقل، وإن اتفقنا في التحليل، فهذا يعني أن مجموع مكتبتي ومكتبتك يسوق للفكرة نفسها.
الرجال المذكورون في الروايات سواء كانوا أبطال حرب أو حب أو كليهما، هم يا عزيزتي حقيقيون جدا -للأسف- لكن نحن اللواتي لم نشترك مع بطلات الروايات سوى بالإحساس وبعض الصفات النفسية والروحية، ولأن الوصف الشكلي للبطلات أبهر الصفات الحسية التي يملكها أبطال "نحيفون ذوو بشرة سمراء وعيون سوداء أو بنية صغيرة أو لوزية، بحواجب كثيفة أو عادية.. بشوارب خفيفة أو لحى مكتظة.. يدخنون بشكل متواصل أو يمضون ساعات من القلق في البارات.. لا يمتنعون عن العناق أو القبل أو مضاجعة حبيباتهم أو عشيقاتهم في أول فرصة سانحة.. يعترضون على سلطات بلادهم ولا يملكون أمامها إلا الشعر أو النثر أو مقالات وبعض تحقيقات في الصحافة.." وهل هؤلاء غير موجودين؟ انظري حولك جيدًا.. هم أساساً ما يحيطنا.
نعم، دعيني أكون عادلة وأخبرك أن ٩٧٪ من الروايات التي قرأتها لم تذكر أبطالاً خارقين في الشكل، كلهم عاديون، لكن يتم إعلاء صفاتهم الحسية فنجن نحن النساء القارئات بهم. وهذا فعليا يتطابق مع رؤية المجتمع، الذي لا يُعول على شكل الرجل بل "رجولته" بينما المرأة كلها "شكل". 
دعينا لا نخدع أنفسنا أو نكابر ونقول إن الجمال نسبي. لا، الجمال الذي يتم تسويقه في صالونات "الزواج التقليدي" والإعلانات والأفلام وعروض الموضة، هو  "الجمال" في واقعنا، حتى ما يتم تسويقه في الجنة للشهداء، هو نفسه.
 هل سمعت عن "حور عين" سمراء ببشرة شاحبة وعينين بنيتين ضيقتين وبصدر صغير ولا خصر لديها بسبب تكاثف الشحوم في تلك المساحة، مع ساقين ممتلئتين كسولتين؟ أو أخرى شديدة النحافة مع عينين جاحظتين وخصر لا يكاد يظهر لدقته؟ إذا سمعت شيئا مماثلا أخبريني لعلني "أتنور"!
لذا كانت بطلات الروايات إما سمروات بعيون سوداء كحيلة وواسعة وصدور مكتنزة ومرتفعة وسيقان ملتفة بإتقان وأعناق طويلة وشفاه ممتلئة وأنوف دقيقة وأصابع رقيقة، أو كن كل ذلك لكن بيضاوات أو شقر بعيون ملونة وأحداق تلمع وجباه عريضة وشعور منسدلة على الأكتاف.... إلخ ، وحتى لا أنسى متلازمة "السيقان العاجية" التي تكررت في قصائد وروايات عدة.
فهل تتوقعين أيتها المرأة الغائبة والمغيبة عن امتلاك هذه الصفات مجتمعة أن يحبك بطل الرواية الذي لتواضعك لم تهتمي لشكله العادي جدا وقررت أن تحبيه من أجل "صفاته"؟ هو قد يحب علاقة معك، صداقة مثلا، تتحاوران في نقاش سياسي، أو في الأبعاد السردية والسيكولوجية لرواية من تلك، التي تقرآنها معاً، تجدين بعدها أن صديقك هو نفسه "البطل" وهو يبحث عن "البطلة" التي ليست أنت، كما ظننت.
وكي أكون أشمل دعيني أخبرك من نحن في معادلة هذه الروايات؟  نحن قد نكون محاربات أو معلمات مهملات في سلك دراسي، أو  الجارات الثرثارات في حي لا يريد لعاشقين أن يعيشا بسلام.. وقد نكون أيضا طالبات مجتهدات ونساء في مهمات عديدة، جميعها بعيدة عن أن يُعشقن بجنون! فماذا تفعل المرأة العادية سوى أن تشق طريقها في الصخر كي تثبت للعالم أنها موجودة!
أما الشيء المحزن يا صديقتي، فهو أن النساء العاديات أنفسهن حين يصبحن روائيات أو مخرجات سينمائيات أو مصممات أزياء لا يخترن شبيهاتهن للقيام بتلك الأدوار التي تمثل أعمالهن، بل ما يريد السوق والرجال العاديون وغير العاديين! وأكرر أني لا أعمم بل أتحدث عن تجربتي في الملاحظة الروائية والسينيمائية وتلك المتعلقة بالموضة والإعلانات.
انظري إلى الأغاني ودعيني آتيك من فارس أحلام القارئات، كاظم الساهر.. هل رأيته مرة يغني صفة شكلية موجودة فيك؟ هل رأيت أي امرأة في فيديو كليباته تشبهك؟
"يا ستي" سآخذك قليلا إلى فيروز، حتى فيروز التي لا تعتبر في مصافي الجميلات، تغني في "البوسطة" بعنصرية شديدة تجاه امرأة "ولو شو بشعة" رأتها وتذكرت حينها "العيون السود" التي قد تجعل الرجل يترك زوجته العادية لأجل تلكما العينين!
الفكرة ببساطة بعيدة عن السطحية، تشبه حين تبدي امرأة عادية الصفات الشكلية إعجابها بممثل مكتمل الصفات الشكلية والحسية معا، وتقول لو أنها تجد مثله لتحبه ويحبها، فتصبح مجالا للنكتة مع صديقاتها، اللاتي تؤشرن على البطلة التي يحبها ويقلن لها "أولا عليك أن تكوني تلك".
وعطفا على ذلك، أود لفت النظر إلى أنه من النادر أن تنتقد النسوة في الأعراس اختيار العروس في زوجها إذا كان أقل جمالا منها (شكلا)، لكنهن، نفس النسوة ينتقدن بكل قوتهن اختيار العريس إذا كانت زوجته أقل جمالا منه، ولن يقصرن إذا منحن الخيار بإفساد العرس، وهؤلاء النسوة أنفسهن من غير الجميلات في عيون السوق والمجتمع الذي يعشن فيه.. قمة المفارقة أليس كذلك؟!



الأحد، فبراير 05، 2017

"لالا لاند".. التوقيت أم العمل المتميز؟


رحمة حجة 
كغيري من الذين شاهدوا تقييمات وجوائز وفيديوهات قصيرة انتشرت بالتزامن مع فعاليات جائزة "جولدن غلوب" الأميركية للسينما والتلفزيون، رأيت هذا الانبهار والترويج والجوائز والترشيحات التي حظي بها فيلم "الميوزيكال": لا لا لاند La La Land".
وبسبب كل ذلك، توجهت للسينما القريبة من بيتي، واشتريت التذكرة بـ 14 دولار، ودخلت إلى القاعة، مشرعةً حواسّي لما سأرى وأسمع الآن.
الفيلم -لا شك- ممتع، وأصابنا نحن جميعًا بحالة من السرور، والبهجة الداخلية، التي انعكست ابتسامات وترقبًا للمشاهد التي تمر أمامنا، على هذه الشاشة المملوءة بألوان فساتين "إيما ستون" وصديقاتها، وأحذيتها الجميلة، وأدائها التلقائي بعينيها الساحرتين، في تصوير غلب عليه "الوايد" في الزاوية الملتقطة، هذا الذي يشعرك بأن كل هذه الحياة لك. 
كم منّا يدندن في عقله وهو يتمشى وربما يشعر برغبة عارمة في الرقص والغناء، لكنه أكمل سيره كالمعتاد لأنه ببساطة في شارع عام، وهذه الرغبة لغرابتها لا تصيبه إلا في شوارع عامة؟!
ما ظهر في هذا الفيلم بين "إيما" وصديقاتها ثم بينها والممثل "ريان غوسلينغ" هو تنفيذ حرفي لأمنياتنا في الرقص والغناء والتجلّي في تلك اللحظات القريبة من الروح والقلب، حتى لو لم يتقنها الجسد، الشيء الذي بدا بصورة واضحة في أداء "ريان"، وأعتقد أنه لم يتقن الرقص بشكل قصدي. 

القصة
لم أشعر بعَظمة القصة بين الشابة "ميا" والشاب "سباستيان"، أو بتميّز الفكرة ونُدرتها، ببساطة "قصة غير متعوب عليه"، في رأيي. حتى نهايتها واقعية ككثير من القصص وأفلام الرومانسية التي شاهدناها في حياتنا "شيء ما يمنع بقاء الحبيبين معًا".
صحيح أنني بكيت بعد نهاية الفيلم الذي جعلني سعيدة طوال الوقت، لكن هذا لا يجعله بنظري متميّزًا في قصّته، ولكن لأنه يشبهنا، ويشبه حياتنا نحن الذين لا نحظى بقصص كاملة، هذا أساسًا إذا وجدت القصص "الكاملة"؟

الرواية
تتم رواية قصة الفيلم عبر مشاهد قصيرة تحدث بين الشخصيتين الرئيستين: ميا العاملة في الكافيه التي تحلم بأن تصبح ممثلة مهمة، و سباستيان الذي يمجّد موسيقى "الجاز" التي أوشكت على الانقراض، ولا أحد يرجو سماعها (ذكرني بقصة زياد رحباني في رفيقي صبحي الجيز). وهذه المشاهد تُسبَق باسم كل فصل من فصول السنة (خريف، شتاء، ربيع، صيف..)، وفي الفصل قبل الأخير، تكون الأمور سارت بشكل رائع بين الحبيبين اللذين توصلا لحل الخلاف بينهما، حتى يفاجئك الفصل الأخير الذي يقفز عن كل الأحداث والأسباب التي أدت له بمشهد أن الحبيبين حققا حلميهما ولكن كل على حدة، فهو وجد جمهورًا لـ"جازه" في مقهى خاص به، وهي تحولت إلى الممثلة التي كانت تتمناها، ولديها طفلة صغيرة، وزوج تحبه، لكنه ليس سباستيان.
في البداية شعرت أنها قفزة غير مبررة أبدًا في هذا الفيلم، لكني حين فكرت وجدت ببساطة أنه يتماشى مع ما ذكرت، أن القصة كجميع القصص التي تحدث ولا تكتمل، بالتالي لا يهم السبب الذي أدى للنهاية، وأن الكثير من العشاق مهما بدوا سعداء ومتفهامين، قد يصلون إلى نفس النهاية بغض النظر عن السبب. 
ولم ترد كلمة "لا لا لاند" في الفيلم أبدًا، لكني رأيتها قياسًا على قصص وروايات سابقة، أن طابعها هو أرض الأحلام والحب والسعادة، وهي كل ما شاهدناه في الفيلم قبل مشهد الختام، أي أنها غير موجودة في أرلض الواقع. 
أما المشهد الذي اعتبرته متميزّا ونادرًا في الفيلم، فهو الذي يتخيّله "سباستيان" أثناء عزفه مقطوعة الجاز الأخيرة في الفيلم، فيما "ميا" وزوجها جالسين يستمعان له، إذ يُخيّل إليه "ماذا لو كان كل ما فعلته مع غيري في الحقيقة معي؟!" لكن لا الزوج هو ولا الطفلة ابنته، هذه أحلام ظلت نائمة في "لا لا لاند".

هل هو "أوفر ريتد"؟
شخصيًا، لا أشعر أن الفيلم يستحق كل الجوائز التي تم ترشيحه لها، وحتى التي نالها، وإن كانت تتعلق بالتصوير والإخراج والموسيقى، والتمثيل. 
إيما ستون تستحق بجدارة أفضل ممثلة، لكن لا أحد غيرها في الفيلم.
الفيلم فعليًا نال وما زال ينال شهرته والترويج له، بسبب توقيته لا أكثر، وبسبب الحسّ النوستالجي أيضًا، لا أكثر. 
شاهدت العديد من أفلام الميوزيكال، وتستحق جوائز أكثر، ولكنها في غالبها موسيقى حديثة ورقصات معاصرة، ولكن هذا الفيلم كان على طريقة رقص وموسيقى السبعينيات والستينيات، حتى ألوان الملابس والتصاميم، كانت نوستالجية محضة، رغم أن زمن الفيلم ٢٠١٦. 
الناس ترى الأخبار كل يوم: اضطهاد، إرهاب، مجازر، مذابح، تفجيرات، دماء، جوع، لاجئون يغرقون، لاجئون يبادون، نازحون، وأطفال يموتون تحت القصف وبسبب الجوع..... إلخ، كلها أسباب تجعلك تريد فيلمًا مثل "لا لا لاند" لتشعر بالقليل من السعادة، وهي في الحقيقة "زائفة" لأنها لا تكتمل، ورغم ذلك تتقبلها، لأنك طيلة الفيلم -قبل النهاية- قد تتساءل: "ما كل هذا الخيال.. الحياة ليست جميلة للغاية هكذا؟!" .. تتقبلها لأنك تريد هذه النهاية، وتخرج راضيًا عنها حتى لو بكيت، لأن الحياة بالفعل، ليست جميلة "للغاية". 



"اشتباك": مكان واحد وكاميرا تهتز باستمرار

الزمن: بعد سقوط حكم محمد مرسي
بطولة: هاني عادل ونيللي كريم
إخراج وسيناريو: محمد دياب
سيناريو ٢: خالد دياب


رحمة حجة
تم تصنيف الفيلم المصري "اشتباك" على أنه واحد من أفضل عشرة أفلام تم تقديمها خلال فعاليات مهرجان "كان" السينمائي، منتصف العام الماضي ٢٠١٦، (روسيا اليوم). 
الفيلم للمخرج والسيناريست الشاب محمد دياب المتميز في أعمال سابقة مثل "الجزيرة، أحلام حقيقية، ٦٧٨"، والذكي أيضًا في اقتناص الأفكار والقصص من صُلب الواقع المصري، المدفوعة برؤيا جديدة وغير نمطية للقضايا التي تنال النصيب الأكبر من حياة المصريين. 
وأعتبر نفسي محظوظة لأنني تعرّفت بهذه الأعمال المذكورة جميعها، إضافة إلى عمله الأخير "اشتباك".

توصيف 
"اشتباك" من أفلام المكان الواحد تقريبًا، إذ يتم حشد مجموعة من المصريين "صحافي يحمل جنسية أميركية، مصور، عناصر من جماعة الإخوان المسلمين، مناصرون للإخوان، مجموعة ضد الإخوان، أشخاص لا علاقة لهم بالتظاهرات، وعسكري مسيحي".
وعادة ما تكون ركيزة هذه الأفلام الحوار بين الشخصيات الموجودة داخل ذلك المكان المغلق. وإن كان الحوار لا علاقة له بالمفهوم أساسًا. 
ويشبه هذا الفيلم، نظيرة الفلسطيني "ديغراديه" (إنتاج عام ٢٠١٥) الذي يجمع نساء من مختلف التوجهات والأحزاب الفلسطينية داخل صالون نسائي، ويدور التفاعل حينذاك. 
وهذه الأفلام تبدو في الفكرة بسيطة وسهلة المنال، إلا أن قوتها في خلق تلك الشحنات من التفاعل بين الأفراد الموجودين أو ربما يكون فردًا واحدًا يعيش مع ذاكرته ومونولوجاته، بالإضافة إلى الذكاء في التكثيف والاختزال للأفكار خاصة إذا كان فيلمًا سينيمائيًا وليس مسلسلًا. 
مدة "اشتباك" ٩٧ دقيقة، وتم تصويره بكاميرا متحركة بالتزامن مع حركة "البوكس" في مركبة قوى الأمن المصرية، الذي يحتجز المعتقلين، كما تتحرك عند تأثره بالمحيط الخارجي حوله من المظاهرات، ولوهلة تشعر أنك تشاهد فيلمًا وثائقيًا تم تصويره بكاميرا هاتف محمول، ولكن التصوير عالي الجودة، معبّر، فنّي، وتوثيقي ودرامي في آن واحد، إنه مزيج من الإبداع. 


يحاول الفيلم أن يقول لك إن أولئك المحتجزين المختلفين فكريًا، الذين يتخاصمون ويتعاركون بالأيدي ويلقون على بعضهم تهم التخوين في بداية المواجهة مع بعضهم البعض، سيجدون ببساطة سببًا قد يضحكهم جميعًا (الإخواني الذي يغني)، وآخر يشرع نافذة أحلامهم (أميركا) وثالث يوحدّهم من أجل فرد فيهم (حاجة الطفلة الإخوانية للتبوّل)، ويخلقون فرصة لتحقيق العدل بينهم جميعًا في لحظة يمكنهم فيها الاستبداد والاستحواذ على مصادر الحياة (الهواء، الماء.. مثلًا)، ومن أبدع المشاهد في الفيلم حين يدورون جميعهم في حلقة بجانب نوافذ معتقلهم، من أجل استنشاق الهواء، وبسبب عُطلٍ في المحرّك، يضطّر العسكر إلى دفع المركبة بأيديهم.
الفكرة لسذاجتها غاية في العمق: العسكر يدفعون المركبة التي تضم معتقلين أبرياء، رغم أن بإمكانهم تحريرهم وتخليص أنفسهم من تصعيب المواجهات المحتملة بينهم وبين المتظاهرين! 

ومن المشاهد القوية أيضًا، حين تعلق المركبة داخل تظاهرة يستخدم فيها المتظاهرون إشعاعات الليزر (اللون والصورة والحركة والصوت غاية في الجمال).
أما النهاية فهي عبارة عن أن المركبة تقاد بواسطة عنصر من جماعة الإخوان، لتظاهرة "إخوانية" من أجل فتح باب "البوكس"، وتحرير المعتقلين، لكن المتظاهرين "الهائجين"، حيث لا مجال معهم للأخذ والرد، يسحلون السائق ويفتحون الباب، ليس لتحرير الآخرين، إنما لضربهم، رغم أن بعضهم يصرخ بأعلى صوت "نحن معكم.."، ولم يجد المعتقلون سبيلًا سوى بإغلاق الباب، وينتهي الفيلم بلقطة محاولة المتظاهرين الفتح والمعتقلين الغلق. 

انطباعات
هذا ليس العمل الفني الأول الذي أشاهده مرتبطًا بموضوعة الثورة المصرية (٢٠١١) أو أحداث قبلها وبعدها، وجميع ما شاهدته كان بشكل مباشر أو غير مباشر يتبرأ من فكرة الثورة، ويعدها خطأ، لأن كل ما تلاها يعدّ جحيمًا، وأسوأ من كل سنين القهر والحرمان الماضية، أما العبارات التي تنطق هذه "الحِكَم" فتأتي على لسان عناصر أو مناصرين للنظام السابق، أو عمّال بسطاء من العامّة.
"اشتباك" في الحقيقة لا يختلف عن تلك "الثيمة"، وفي معرض ذكر ثورة "٢٥ يناير" يقول أحد المعتقلين "كانت أحلا أيام".
فريق العمل في مهرجان كان - باريس

كما يتم تجميل صورة العسكر (قوات الأمن)، بأنهم لطفاء و"غلابى" ويساعدون حتى المعتقلين، كما يمنعون حدوث العراك بينهم بالقول "بكرا تقتلوا بعضكم وتقولوا الداخلية عملت كدة"، وبأن استخدام الرصاص الحي بدأ من الإخوان، حيث ظهر قنّاص يقتل أحد الضباط، ويؤيده أحد المعتقلين "الإخوان" ليسكت تأييده "إخواني" آخر لأنه أقرب للمعادلة السلمية وليس "القصاص بالرصاص" وهو أحد شعارات المتظاهرين الإخوان.
وفي مشهد آخر يتحدث الصحافي العامل في "AP" الذي عاش حياته في أميركا، عن ذلك المكان بوصفه "كلها غابات وشجر.. فيها محيطات.. ومزز"، والكل يحدّق بابتسامة الحلم والدهشة، ربما أراد الكاتب منها أن يقول إن هؤلاء جميعًا رغم ما يسعون إليه في بلدهم، لن يقولوا لا إذا فتح باب الهجرة.. باب الرحيل عن هذه البلد "النحس". (كما وصفها المصوّر خلال مشهد سابق).
بالإضافة، القصة أسقطت عمدًا أو بغير قصد (لا يهم)، كل الجرائم التي ارتكبها العسكر خلال وبعد إسقاط مرسي، وركّزت على أن مشكلة المصريين بجميع فئاتهم بينهم "الإخوان" هي "الإخوان". ربما أنا بعيدة عن الواقع المصري، ولكن الصورة هذه لم تقنعني، لكن النهاية أيضًا تعني شيئًا آخر، وهي أن "الاشتباك" مستمر.. لم ينته بعد.

السبت، فبراير 04، 2017

دكتور هانيبال.. الذي يقتل ويأكل من ضحاياه!







رحمة حجة

الأجزاء الأربعة من سلسلة أفلام الدكتور هانيبال ليكتور (الترتيب وفق سنة الإنتاج)


القصة بالمجمل هي قصة انتقام ولكنه انتقام غير قابل للإشباع حتى بعد عثور الضحية على جلاديها وإبادتهم.. إنه انتقام مستمر للحياة ومن الحياة..

تفاصيل ولكن باختصار:
خلال الحرب العالمية الثانية تتم إبادة عائلة ليتوانية، في أرض معركة بين الرّوس والألمان، ويبقى الطفلان هانيبال وميشا على قيد الحياة، يرعى هانيبال أخته حتى يستولي جنود ألمان على بيتهم وبسبب جوعهم يقومون بقتل ميشا وأكلها، كما يُطعمون هانيبال من لحمها، ولكنه لا يعلم بذلك حتى لحظة انتقامه من الجندي الثالث المشارك في الوليمة (الجريمة) تلك. بعد أن يصبح شاباً يتعلم الطب. وأثناء قتله لهذا الجندي الذي لم يعلن ندمه أبداً على جريمته، يدور حوار قصير جداً لكنه برأيي يعبر عن جملة الأحداث التي تلت في حياته، يقول هانيبال لصديقته اليابانية المتبقية من عائلته الممتدة:
- أحبك
ترد عليه: ما الذي تبقى منك كي أحبك؟!


كما يقول المحقق الذي تواطأ بشكل غير مباشر مع مهمة هانيبال الانتقامية: "هانيبال الطفل توفي، ما نراه الآن شخص آخر.. إنه مسخ".ويصبح هانيبال طبيبًا ذائع الصيت، لكنه في الخفاء مسؤول عن سلسلة جرائم يقوم خلالها بأخذ أحد أو بعض أعضاء الضحية ويأكلها، بعد طبخها، كما يستخدمها في موائد عشاء مع أصدقاء لا يعرفون حقيقة ما يتناولونه.يتم القبض عليه من محقق بارع وذكي، كما يساعد هانيبال في سجنه بالمساعدة على حل بعض القضايا المستعصية على مكتب التحقيق الفيدرالي الأميركي، وذلك عبر جزئين منه، مرة مع المحقق ومرة مع محققة متدربة، التي يقع في حبها، لكنه في نهاية الجزء الثاني وزمنيًا هو الجزء الرابع (وفق تسلسل الأحداث)، تقوم بوضع القيد في يده، وللهرب يفضّل قطع يده على يدها، ويظهر مبتور اليد في إحدى الطائرات هاربًا أخيرًا.. يبقى هانيبال للنهاية إذًا.


الأفلام حافلة بالتفاصيل الجميلة والتي تستدعي التفكير بعمق في مسألة التحولات وأثر الجروح التي لا تندمل على حياتنا، على الشعرة الفاصلة بين الانتقام والغفران.. إما أحدهما للأبد أو الآخر للأبد.. هل من أحد يستحق المغفرة؟ هل من آخر يستحق العقاب؟ المثل بالمثل أم أقل أم أكثر؟ كيف يصبح المجرم مجرمًا.. فيلسوفًا.. عبقريًا؟
البطولة المطلقة لثلاثة أجزاء: أنتوني هوبكينز
أبطال مشاركون: جوليان مور، جودي فوستر، إدوارد نورتون
الذي قام بدور هانيبال الشاب، ممثل شاب عبقري أيضًا في الأداء اسمه غاسبارد أوليل.
-->
الروايات الأربعة التي استندت إليها الأفلام للكاتب: ثوماس هاريس